May 2019
S M T W T F S
« Feb    
 1234
567891011
12131415161718
19202122232425
262728293031  

” أعط دمك تقتبل الروح “. تجلى المسيح، وله اشتعلت الجبال[1] أمس، كان من السيد فيض نور على من أحاط به، الأحبة من الاثنى عشر وموسى وإيليا. كل شئ كان هناك حسنًا. وتحولت أبصار التلاميذ ليعاينوا النور فصاروا بما عاينوا قبسًا من نور.

    سطوع المجد من الحبيب كان سره في ذلك الحديث الذي دار بينه وبين رفيقيه النبيين. كان الكلام عن خروجه من أورشليم أى عن تلك الآلام التي كانت طريقه إلى الضياء الأزلي. ففيما كان يسوع يذكر غربته وحنينه إلى الآب تدفقت الأبدية منه بياضًا كان كالثلج نصوعًا.

    يبقى لنا ما جرى في ثابور[2] مثالاً. فمن ابتغى تحولات عميقة له أن يسعى إلى جبل عال يرتقيه. من لازم الأرض البطحاء لا يرى شيئًا. النفس التي تتمزق وتئن لشعورها بأن الله لم يهيمن بعد عليها وعلى الكون هى وحدها القادرة أن تُعمّد بدفقات الإله. بساطة العين تهيئك لاحتضان الحقيقة، تلك البساطة التي لا تنكشف إلاّ لمن تعب وسهر في عفة. الدم المراق وحده يتكلم. المسيح لم يعرفه العالم كلمة الله إلاّ بعد أن رفعه على خشبة.

    المسيح من الفراغ، من المحق، من نسيان الأرض ارتفع إلى السماء وإلى الوجود التاريخي. بعد أن كان في قلب الأزل كُتب في وجدان الزمان وصار الكون له جسدًا.

    من هنا إن الكنيسة دائمًا في الألم هى شريكة المعلّم إذا سقط تحت الصليب. مجد المسيح هو في الصليب لا في البطولات الكاذبة. ولكنه يقوم من الهاوية. يرتضي العيش مع الذين في الكارثة ليصير قوة الطمأنينة لهم. كنيسته أنشئت على الإنسحاق. من شأنها أن تكون “مضروبة من الله مذللة”. وفي ذلك لا تشكو ولا تحاسب ولا تعاقب ولو بالفكر لئلا تذهب عنها التعزية التي تعطى في الألم. لا تحكي أوجاعها سياسة. الله وحده في دم المسيح ودم الشهداء هو خبرة الكنيسة ويقينها. وليس لها إلاّ أن تذيق الناس ربها حتى يأمنوا من خوف ومن حساباتهم.

    الكنيسة مهاجرة إلى الله يأتيها من غدها، من تطلعاتها. ولذا نحن أحرار من كل شئ ما خلا وجهه. وجهه هو وحده الذي يضيء. أما العالم فيمضي مع شهوته. وإذا تسمرت ألحاظنا على الدنيا فإننا فيها رواسب، أقصى جمالها أن تكون تحفًا.

    أما الباقون في الزمان الإلهي فهم المخطوفون إلى المسيح الذي تجلى. هؤلاء هم أهل الحق الذين يصعدون من الجحيم إلى الجبل ليتقبلوا الروح في المسيح. هؤلاء الأبكار هم الكنيسة الحية، النواة في كل الكنائس وقد تحرروا من كل أسر، أسر المؤسسة وأسر الذكريات وموروثات البشر، ومن أسر عنفوان الجماعة، ليكونوا في إطلالة الإنسان من ألم الظروف الحاضرة ناظرين إلى الرجاء.

    الحياة كلها هى في أن يحضر المسيح من جديد. في اللحظة الناهضة. الذين هم له يتعرفون عليه لا بالكلمات المائتة بل بتلك الكلمات التي تحييها نفحات الروح القدس فيهم. الطالعون من الخلق الجديد، الذين مس الملاك شفاههم بالجمر هم وحدهم يحيون في ألفة الوحي. إنهم لفتة الكنيسة إلى النور. وعند نضح النور فالنور لا يقارن بين طائفة وطائفة، بين تاريخ وتاريخ. فالتراث حيّ إن ذقنا الله اليوم، لئلا يكون التراث تسلية حوليين، لئلا يكون ترف الذين لا حاضر لهم فيهربون من رجاء لا يجرأوون عليه إلى الأجيال الغوابر. ليس التراث بأغنية للسكارى. فالإنسان الذي نبتغي تجليه هو الإنسان المعاصر الذي يسعى إلى كنيسة تحولت من التغني بنفسها إلى تمجيد فاديها وتسبيحه.

          أكثر هويتنا هى في الحاضر وفي الآتي. أنا لست سليلاً للأجداد بقدر ما ألد نفسي في الحاضر. اصنع التاريخ من الخلاص ومن حبي للذين لا يكبلهم أى تاريخ. وإذا ما عانينا معًا من جمود الكنائس وكلامها المتكرر ولهوها وانشغالها بماضيها، فنحن في قيامة واحدة للكنيسة الطالعة من قلب المسيح، لا شيعة تضاف إلى هذا المبعثر الطائفي المنتفخ، بل هى حياة تنمو من الداخل نحو آفاق الحرية الإنجيلية وصدقها. فالركام لا يجمع إلى الركام ولا الذكرى إلى الذكرى. 

التواريخ لا تتفاوض مع بعضها والكبرياء لا تفتها الكبرياء، والكلام يدحضه الكلام، أما المسيح الحيّ فهو وحده الذي لا يدحضه شئ. أصحاب الرب هم القادرون على التجليات. بعد أن انطفأت نيران البارحة من أعالي الجبال، هؤلاء صاروا هم العيد. إنهم قد صاروا مكان التجلي، حيث يعلن نور المسيح.  



[1]  يشير المطران جورج إلى الاحتفال بعيد التجلي في لبنان بإشعال النيران في الجبال. وكتب هذه الكلمة بمناسبة عيد التجلي.

[2]  ثابور هو اسم الجبل الذي تجلى عليه المسيح حسب التقليد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *