July 2018
S M T W T F S
« Jun    
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
293031  

    يُلقب المسيح في الأناجيل بلقب “معلّم Διδάσκαλος”. ويُلاحظ أن هذا اللقب أُطلق على المسيح أكثر من أى لقب آخر. وبينما يوجد استخدام دائم للقب “معلّم”، إلاّ أن لقب “الرب κύριος طغى، بسبب النبوات عن مجئ الماسيا، في كل أسفار العهد القديم والعهد الجديد[1]. ونرى في مخطوطات وادى قمران التي تشير إلى نُساك كانوا يعيشون ربما في عصر المسيح، وكان يوجد لديهم انتظار وشوق لمعلّم البر، هذا الذي سوف يعلّم الناموس بالحق، وسوف يفسر الكتاب باستقامة. هذه الصورة كانت مسيطرة في فكر الشعب وكان هناك شوق لتحقيقها.

   لقد اقترب الناس إلى المسيح وهم يحملون مشاكل وتساؤلات تتعلق بالناموس، لقد كانوا ينادونه بلقب ” يا معلم Διδάσκαλε”، لأنهم أرادوا معرفة الإجابات على كل تساؤلاتهم هذه.

   إن تعليم المسيح امتد عبر الأزمنة واحتفظ حتى اليوم ببريقه وجاذبيته. وبالرغم من التقدم التكنولوجي المذهل والتطور العلمي الهائل الذي يهدف إلى جعل الإنسان قادرًا على إيجاد حلولاً لمشاكله اليومية، إلاّ أن الواقع يعلن لنا العكس. فالإنسان يوميًا ينقاد إلى أزمات أعمق نراها على كل المستويات المعيشية ونسمعها من خلال صرخات القلق التي تنتاب الإنسان المعاصر الذي كاد يغرق وسط أمواج الحياة المتلاطمة.

   مازال تعليم المسيح له فاعليته الفريدة، ومازال يفتح آفاقًا جديدة. إنه دعوة مستمرة: ” تعالوا إلىَّ يا جميع المتعبين والثقيلى الأحمال وأنا أريحكم” (مت28:11)، ” الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة” (يو63:6).

لكن ما الذي أعطى لتعليم المسيح هذه الجاذبية الدائمة؟ وكيف احتفظ هذا التعليم بفاعليته في كل العصور؟ للإجابة على هذه التساؤلات نجد أنفسنا في احتياج لمعرفة الملامح الخاصة والفريدة لتعليم المسيح.

التربية في عصر المسيح:

إن الشرط الأساسي لفهم أى عمل تعليمي تربوي هو دراسة الحالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وأيضًا الثقافية للمجتمع الذي في إطاره قُدم هذا العمل.

   لقد شكلّت البنية الثيوقراطية للمجتمع اليهودي قوانينه ومبادئه وأُسسه، ومن بينها بالطبع التربية. ومن المعروف أن تاريخ شعب إسرائيل هو بمثابة تسجيل لعلاقاته مع الله. بالتالي طالما أن الله كان المحور المركزي في حياة المجتمع العبري، فإن التربية أخذت الملمح الإلهى qeokentrikÒ أى أن الله هو مركز كل شئ.

   إذن ما هى بنية النظام التربوي العبري في عصر المسيح؟ علينا قبل الإجابة على هذا السؤال أن نتعرف على الشكل العام للواقع التربوي العبري لهذه الفترة.

   كان المجمع اليهودي هو مكان التعليم الذي نمى واتسع في حقل العبادة الإلهية، والتي كانت تشمل الصلاة والتعليم الديني خاصةً في السبوت والأعياد. الهدف الأساسي لاجتماع يوم السبت في المجمع لم يكن العبادة بالمفهوم الضيق لها بقدر قراءة الناموس وشرحه. لذلك يصف فيلون المجامع بالأماكن التعليمية التي يتلقى فيها اليهود حب الفضيلة[2]. وفي زمن كتابة العهد الجديد نجد أن التعليم هو العمل الأساسي للمجمع[3]. وكان التعليم في المجمع يوم السبت هو قانون محدد[4]. وفق أعمال الرسل 21:15 ” لأن موسى منذ أجيال قديمة له في كل مدينة مَن يكرز به، إذ يُقرأ في المجامع كل سبت“. لذلك فإن يوسابيوس المؤرخ وأيضًا فيلون اليهودي يرجعان قانون المجامع إلى موسى[5].

   لقد كان المجمع بمثابة نوع من التربية الدينية المفتوحة الشعبية حيث يذهب المرء بحرية لكي يجد إجابات على مشاكله، ويسمع أيضًا مقترحات ليواجه مآزق حياته اليومية[6]. وكانت هناك إمكانية للتدخل للمناقشة، وكان مسموح للتعبير عن أفكار عضو الجماعة وقناعاته المتعلقة بالمقاطع، التي كانت تُقرأ بهدف توضيح هذه النصوص للفائدة العامة. كان المجمع هو المكان الأول الذي علّم فيه المسيح وأيضًا الرسل، وكان أيضًا بالنسبة لهم هو المكان الذي تم فيه إعلانهم الموقف العدائي لرؤساء المجامع.

   كان هناك تقليد بأن يجلس المعلّم في موضع عالٍ، لذا كان يفعل المسيح هكذا أثناء تعليمه (انظر مت1:5، لو20:4). ومثل الرابونيون هكذا فسر المسيح الناموس (انظر مر14:12، لو25:10)، بينما كانت هناك مداخلات وأسئلة مثلما كان يحدث مع المعلمين الآخرين (انظر مت36:22، لو25:10). وعلى هذه الأسئلة ينبغي أن يجيب. أيضًا وفق نظام الرابونيين ويوحنا المعمدان الذي دُعىّ معلّم rabb… فإن المسيح جمّع تلاميذ وعلّمهم (انظر لو12:3، مت14:9، يو25:3).

   كان الكتبة يمثلون أرسطوقراطية (النخبة المثقفة) فكرية، وكانوا بالنسبة للشعب قادة ومعلمين. كانت توجد قوانين صارمة لتربية الكتبة في عصر المسيح. وكان المرشح لكي يكون معلمًا rabb… يتم إعداده من عمر 7 إلى 10 سنين. ويظل دائمًا في المرحلة الأولى لاستعداده بجانب أحد الكتبة كتلميذ يتتلمذ على يديه، يتابع تعليمه في هذه الفترة ويلاحظ ممارسته للبرنامج وطريقة الإمتثال لأوامر الناموس. وعندما يتحقق من أنه يملك المحتوى الأساسي للتقليد، وقادر على تطبيقه يُقلد في رتبته ويباشر واجباته[7].

محتوى التنشئة التربوية في المجتمع العبري:

          استنادًا على العهد القديم والتقليد العبري نجد أن تربية الغلمان كانت تؤخذ بجدية في العائلة العبرية، وتبين مدى مكانة الرجل ودوره الرجولي في المجتمع العبري. لقد أخذت عائلة المسيح بجدية هذا الاتجاه التربوي متممة مطالب الناموس (لو22:2). لذا علينا أن ندرك أن التربية كان لها مفهوم متسع يشتمل على خبرات من الميلاد حتى الموت في إطار العلاقة بين المجتمع والمجمع والهيكل. إن وحدانية كيان الإنسان النفسي والجسدي هى المبدأ أو الأساس لفهمنا كل الموضوعات التربوية في المجتمع العبري. ونستطيع أن نستنتج هذا بوضوح من دراسة الصلاة اليومية العبرية Shema (انظر تث4:6ـ9، 13:11ـ21، عد73:15ـ41).

   المبدأ الآخر والذي هو بمثابة الوصية الأولى في المجتمع العبري الثيوقراطى هو المحبة. لذا فإن الأناجيل الثلاثة الأولى تقدم بدقة مطالب العهد القديم وإيمان إسرائيل (انظر مت36:22، مر28:12ـ34، لو25:10 وما بعده). فالوصية الأساسية لأبناء الملكوت هو أن يحبوا الله مطبقين إرادته (انظر مت21:7، 50:12). فيجب عليك أن تحب الله “من كل قلبك” أى بكل كيانك الداخلي وأيضًا انعكاس هذا الحب في مواقف وسلوكيات الإنسان اليومية. عكس النفاق والتملق وحفظ الإيمان الشكلي، وكذلك هذه العبارة تعنى الطاعة الكاملة. وفي الفكر العبري فإن القلب هو عرش الأعمال الذهنية (انظر مت 34:12، مر21:7، 23:11، لو45:6، 14:2، يو40:12، أع23:7، 27:28، 23:11). وأيضًا مصدر القرارات (الإرادة) (أع23:11، 2كو7:9)، أيضًا “من كل قلبك” تعنى استعداد الإنسان لأن يقدم حياته ذبيحة (مت24:16).

   “ومن كل فكرك” يعنى الولاء والإخلاص التام، مثلما كان يكرز المسيح بعد ذلك (فيما بعد) قائلاً: ” لا يستطيع أحد أن يخدم سيدين … ” (مت24:6).

   التربية العبرية كانت تدفع الإنسان لأن يصنع علاقة مع يهوه، علاقة فيها ولاء وإخلاص تام له، لأن يهوه هو مصدر كل الحكمة، وهو المربى والمعلّم بالنسبة للشعب العبراني. والعبراني يثق في الله ثقة مطلقة ” لتكن يا رب رحمتك علينا حسبما انتظرناك” (مز22:33). لقد كانت أفكار الإنسان غير أفكار الله، بالرغم من أن قصد الله أن يصير الإنسان متشبهًا به. وبالرغم من درس الطوفان استمر ” قلب الإنسان شرير منذ حداثته” (تك21:8). لذا يترجى العبراني الله قائلاً: ” علمنى أن أعمل رضاك لأنك أنت إلهي. روحك الصالح يهدينى في أرض مستوية” (مز10:143). لقد كان العبرانى مدرك بمدى ضعفه في أن يكون صادقًا في وعده ” أحمدك باستقامة قلب عند تعلى أحكام عدلك. وصاياك أحفظ لا تتركني إلى الغاية. بم يزكى الشاب طريقه بحفظه إياه حسب كلامك. بكل قلبي طلبتك. لا تُضلنى عن وصاياك” (مز7:119ـ10).

   إذن يهوه هو بمثابة المعلم الحقيقي للشعب العبراني. ومارس عمله التعليمي بطرق متنوعة: بأقوال وأعمال بواسطة الأنبياء، وبالوالدين (أم8:1، 2:4)، وبواسطة البشر الحكماء (أم14:13)، وبواسطة الكهنة (ميخا11:3، ملا7:2)، وبواسطة التجارب والآلام، لكنهم لم يسمعوا (إر4:33). فعاموس النبي يقدم لنا قائمة من أمثلة تدميرية (جدب، جفاف، وباء، تدميرات متنوعة …) والتي أرسلت كرسائل تأديبية لكي يحذر البشر ليرجعوا إليه (عاموس6:4ـ12). أيضًا في (تث2:8ـ5): ” وتتذكر كل الطريق التي فيها سار بك الرب إلهك …“.

   إن مشكلة صعوبة قبول التعليم من جانب الشعب العبرانى بسبب قساوة قلوبهم هى موجودة في كل أسفار العهد القديم. وكان رجاء الشعب أن الله ـ ذات مرة ـ سوف يفعل شيئًا بخصوص هذه المشكلة وسوف يقودهم مباشرةً نحو تحقيق سعادتهم في حياتهم (إش9:11، 2:3، إر33:31، يو45:6، عب11:8).

   الخطوة الأولى للتربية لدى العبراني هو البيت، بعد ذلك كانت المدرسة والمجمع. ما يتعلمه الطفل في سنواته الأولى يستقيه من أمه. سفر الأمثال يشدد دائمًا على أهمية التعليم الديني والتربية الأخلاقية التي يقوم بها الوالدين في البيت (أم8:1). يقضى الطفل الجزء الأكبر من يومه في اللعب وابتكار أشياء مختلفة من الفخار، وأيضًا ممارسة الغناء في الطرق والميادين مع أولاد وبنات آخرين في نفس عمره (إر11:6، 21:9). لكن عندما يكبر الولد يتسلمه الأب، والبنت أيضًا عندما تكبر تتولاها الأم. الكاهن الذي يقوم بالتربية والتوجيه يأخذ لقب “أب” أى كمثل الأب في البيت يقوم بدور تربوي (انظر قض10:17). والعلاقة بين المعلّم والتلميذ يُعبر عنها بمصطلحات أب وابن (أم1:4).

………. هذا ما سنحاول أن نتباحثه في اللقاء. 

  + + +


[1] على سبيل المثال ميخا2:4،خر12:24،مز11:27،إش9:11،20:30، 13:54،إر3:31، يو54:6، 1تس9:4، عب11:8.

[2] f…lwnoj, per… toà lo…ou Mwusšwj. LÕgoj 3,27.

[3] انظر مت23:4، مر21:1. 2:6، لو15:4ـ31. 6:6. 10:13، يو59:6.

[4] انظر أع14:13، 27، 42، 44، 21:15، 13:16، 2:17، 4:18. مر21:1، 2:6. لو16:4، 6:6، 10:13.

[5] انظر يوسابيوس kat£ Ap…wnoj 2,17 وأيضًا فيلون: حياة موسى LÒgoj 3,27.

[6] فيلون، المرجع السابق LÒgoj 2,27.

[7] Johim Jer, New Testament Theology, vol I, S.C.M,London, 1972. P.30.

[8] Barclay W. Educational Ideals in the Ancient World, Baker Book House,Michigan, 1974.

[9] f…lh c. Louk£, H “ koin» “wj glîssa toà Ihsoà kai 27 bisl…wn thj K.D. Aq»na 1992, 6.98.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *