July 2018
S M T W T F S
« Jun    
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
293031  

 

”  آمن إبراهيم بالله فحسب له برًا” رو 3:4.

1ـ ما هو هذا الإيمان الذي يبررنا؟

    + ماذا يعني أن نؤمن بالله؟ الإيمان به يعني حبنا له، وتقديرنا لسموه، والذهاب إليه والإتحاد به (وبأعضائه) .. كأغصان في الكرمة.

   + الإيمان بالمسيح هو أن نؤمن به أنه يبرر الخاطيء؛ نؤمن بالشفيع الذي بدون وساطته لا يمكن أن نتصالح مع الله؛ نؤمن بالمخلص الذي جاء يطلب ويخلص ما قد هلك (لو10:19)؛ نؤمن بذاك القائل: “بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا” (يو5:15).

   + إيماننا نفسه بالمسيح هو عمل المسيح، إذ هو يعمل فينا، بالتأكيد ليس بدوننا إسمع الآن وإفهم: ” من يؤمن بي فالأعمال التي أعملها أنا يعملها هو”. يقول: الأعمال التي أعملها أنا (أولاً)، ثم يفعلها هو بعد ذلك، فأنا أفعلها لكي يفعلونها هم أيضًا. ما هي هذه الأعمال إلا إقامة الإنسان الباطن من الشر؟!

   + تتبرر النفس بإرتفاعها نحو الله، والتصاقها بذاك الذي يبررها … فإنها إذ تتركه تصير شريرة، وإذ تعود إليه تتبرر، لأن هو برنا.

   ألا تعرف أنه متي وُجد شيء ما باردًا إذا إقترب من النار يصير دافئًا؟! وعندما يُنزع من النار يبرد؟! لو أن شيئًا ما كان مظلمًا واقترب من النور أما يصير بهيًا؟! وإن إبتعد عن النور يصير مظلمًا؟! هكذا هي النفس، أما الله فليس هكذا! لأنه النور الحقيقي؟ القديس أوغسطنيوس[1].

2ـ إبراهيم أب لجميع المؤمنيين:

   ” أخذ إبراهيم علامة الختان ختمًا لبر الإيمان، الذي كان في الغرلة… ، ليكون أبًا لجميع الذين يؤمنون وهم في الغرلة، كي يُحسب لهم أيضًا البر، وأبًا للختان” (رو8:4، 11، 12). إذ قارن الرسول بين أعمال الناموس والإيمان في حياة أبينا إبراهيم ليعلن سمو الإيمان، الذي به يتبرر، دون تجاهل لأعمال الناموس التي مارسها إبراهيم، وإن كانت عاجزة عن التبربر، الآن يؤكد الربط بين الإيمان وأعمال الناموس في حياة هذا الأب دون تعارض، قائلاً: ” أخذ (إبراهيم) علامة الختان ختمًا لبر الإيمان الذي كان في الغرلة” ع8. فالختان هو علامة جسدية جاءت غير متعارضة للإيمان، بل خاتمة علي إيمانه ومؤكدة له، حتى كل من يحملها إنما يجب أن يلتزم أيضًا بالإيمان … هذا ومن جانب آخر فإن العلامة جاءت لاحقة للإيمان، إذ آمن إبراهيم حين كان أولاً في الغرلة، وبقي مؤمنًا أيضًا وهو في الختان، بهذا أعلن أبوته لأهل الغرلة إن قبلوا الإمتثال به في إيمانه، وأيضًا لأهل الختان إن فعلوا ذات الأمر.

   يعلق ق. ذهبي الفم قائلاً: [ لأنه إن كان إبراهيم قد تبرر وكُلل وهو بعد في الغرلة، فقد جاء اليهود بعد ذلك. إذًا إبراهيم هو أب الأمميين أولاً الذين ينتسبون إليه بالإيمان، كما أنه أب اليهود ثانيًا، أي أب الجنسين… لهذا يستكمل بولس حديثه قائلاً: ” ليكون أبًا لجميع الذين يؤمنون وهم في الغرلة، كي يحسب لهم البر أيضًا، وأبًا للختان” (أع 11، 12). هذا، وينتسب الأمميون إلي إبراهيم، لا بسبب غرلتهم وإنما لإقتدائهم بإيمانه، كذلك اليهود لا ينتفعون ببنوتهم له لكونهم مختونين ما لم يؤمنوا… إذن لك الحق في أبوة إبراهيم إن سرت في خطوات ذلك الإيمان] ق. يوحنا ذهبي الفم[2].

    وكما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم إنه بدون الإيمان لا يخلص أحد، لأن الناموس بالنسبة لأهل الختان لا يبررهم، بل ينشيء غضبًا إذ سقط الكل تحت التعدي، لذا جاء الإيمان يرفعهم من الخطر وليس كالناموس .. كما يرفع أيضًا أهل الغرلة، فيحسب الكل أبناءً لإبراهيم. “كما هو مكتوب إني قد جعلتك أبًا لأمم كثيرة” (أع17). فكما أن الله هو إله الجميع وليس خاصًا بأمة معينة، هكذا بالإيمان حُسب إبراهيم أبًا للجميع حسب الوعد المُعطي له (تك5:17).

3ـ إيمان إبراهيم وإيماننا:

   إن كان الإيمان قد فتح الباب علي مصراعيه ليدخل كل الأمم إلي النسب لإبراهيم كأبناء له، فما هي مادة هذا الإيمان؟

   يقول الرسول: “كما هو مكتوب إني قد جعلتك أبًا لأمم كثيرة، أمام الله الذي آمن به، الذي يُحيّ الموتي ويدعو الأشياء الغير موجودة كأنها موجودة” (رو17:4).

أولاً: الإيمان بمن يُحيّ الموتي (علي خلاف رجاء البشر).

كان مستودع  سارة أو أحشاؤهما أشبه بالميت الذي لا يحمل حياة، وقد وهبه الله إسحق حيًا خلال هذه الأحشاء الميتة، وكما يقول الرسول نفسه: ” وَإِذْ لَمْ يَكُنْ ضَعِيفًا فِي الإِيمَانِ لَمْ يَعْتَبِرْ جَسَدَهُ ­ وَهُوَ قَدْ صَارَ مُمَاتًا، إِذْ كَانَ ابْنَ نَحْوِ مِئَةِ سَنَةٍ ­ وَلاَ مُمَاتِيَّةَ مُسْتَوْدَعِ سَارَةَ” (رو19:4).

   ما ناله إبراهيم من وعُد كان “علي خلاف الرجاء”، إذ لم ينظر قط إنسانًا قبله نال إبنًا بهذه الطريقة، وإنما صار هو مثلاً لمن جاء بعده. هو ترجي الله الذي يقيم من الموت ويهب حياة، فآمن بالله أنه يعطيه نسلاً كما من العدم، فاتحًا بابًا للرجاء لمن جاء بعده ممن أنجبوا في شيخوختهم خلال زوجات عاقرات.

ثانيًا: الإيمان بأبوة الله لنا جميعًا (ولخاصتنا)

   آمن إبراهيم بتمتعه بالأبوة ليس فقط لإسحق الذي وهبه الله إياه في فترة شيخوخته, وخلال مستودع سارة الذي كان في حكم الموت؟ وإنما أيضًا لأمم كثيرة, هي بحسب الطبيعة ميته لا تحصل بنوة لإبراهيم حسب الجسد, لكن الله يقيمها من هذا الموت ويقدمها لإبراهيم أبناء له.

   هذا ما أوضحه الرسول بقوله ” فَهُوَ عَلَى خِلاَفِ الرَّجَاءِ، آمَنَ عَلَى الرَّجَاءِ، لِكَيْ يَصِيرَ أَبًا لأُمَمٍ كَثِيرَةٍ، كَمَا قِيلَ:«هكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ».” (رو18:4). وكما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: إنه كان علي خلاف رجاء البشر, في رجاء من جهة الله, آمن بالوعد ونال فكان الإيمان هو سنده, لم يعطه الله برهانًا ولا علامة إنما مجرد كلمات وعد, ومع هذا لم يتردد ولا شك مرتابًا مع أن العائق كان عظيمًا: ” وَلاَ بِعَدَمِ إِيمَانٍ ارْتَابَ فِي وَعْدِ اللهِ، بَلْ تَقَوَّى بِالإِيمَانِ مُعْطِيًا مَجْدًا ِللهِ” (رو20:4).

بمعني آخر ليتنا نتعلم أن الله يتمم مواعيده معنا, مهما كانت العوائق أو المعطلات, إذ ” وَتَيَقَّنَ أَنَّ مَا وَعَدَ بِهِ هُوَ قَادِرٌ أَنْ يَفْعَلَهُ أَيْضًا. لِذلِكَ أَيْضاً: حُسِبَ لَهُ بِرًّا»ا” (رو21:4،22).

ثالثًا: الإيمان بإسم الرب كسلاح فعال:

إن كانت الخطية قد أفقدت الإنسان حياته وجعلته كمن هو غير موجود فبالإيمان ينعم الإنسان ببر المسيح كمن قد أقيم من الموت, أو صار موجودًا بعد فقدانه, كقول الأب عن إبنه الضال الراجع إليه:      ” لأن أخاك هذا كان ميتًا فعاش, وكان ضالاً فُوجد” (لو32:15).

لذلك يقدم لنا القديس يوحنا الذهبي الفم في تعليقه علي هذا الإصحاح سلاحًا روحيًا نلتزم بإستخدامه, هو الإيمان باسم ربنا يسوع المسيح وقوة الصليب, قائلاً: [” هذا السلاح لا يُخرج الحية من جحرها فحسب, وإنما أيضًا يُلقيها في النار” (أع5:28) وتُشفي الجراحات.

إن نطق أحد بهذا الإسم ولم يُشف, فبسبب عدم إيمانه وليس عن ضعف في القول ذاته. لأن البعض إلتفوا حول الرب يسوع, وكانوا يضغطون عليه (لو44:8ـ45) ولم ينتفعوا منه, أما المرأة نازفة الدم فحتى بدون لمس جسده, وإنما بمجرد لمس هدب ثوبه, توقف ينبوع دمها الذي طال أمده.

هذا الإسم مخيف للشياطين والسموم والأمراض. ليتنا نجد فيه سرورًا فنتقوى به…

أي عذر لنا أن نقدمه, إن كان ظل (الرسل) وثيابهم أقاموا الموتي (أع15:5), بينما صلواتنا لا تنزع عنا الشهوات والمشاكل؟! ما هو علة هذا؟! … فإن طبيعة بولس هي كطبيعتنا, وُلد ونشأ مثلنا, سكن علي الأرض واستنشق هواءها مثلنا, لكنه من جانب آخر كان أعظم وأفضل منا, من جهة الغيرة والإيمان والحب. إذن لنقتد به, ولنسمح للمسيح أن يتكلم خلالنا, فإنه يرغب في هذا أكثر منا. لقد أعد هذا التعليم ويريد ألا يكون ذلك بلا نفع أو معطلاً إنما يود أن يستخدمنا… لكي ننعم مع الآخرين ببر المسيح وخلاصه, خاصة وأن القديس بولس قال: ” إن كان أحد لا يعتني بخاصته, ولا سيما أهل بيته, فقد أنكر الإيمان, وهو أشر من غير المؤمن” (1تي 8:5).

إن تحدث المسيح فينا وأشرق الروح القدس بنوره فينا, نكون أفضل من السماء إذ لا تظهر الشمس والقمر في جسدنا بل يظهر رب الشمس والقمر والملائكة ساكنًا فينا وعاملاً.

لست أنطق (أقول) هذا لكي تقيم الموتي ونطهر البرص, إنما لنحقق معجزة أعظم من هذا كله هو إعلان المحبة للجميع. لأنه حيث هذه المحبة الممجدة يسكن الإبن مع الآب والروح القدس…. فقد قيل: ” إن إجتمع أثنان أو ثلاثة بإسمي أكون أنا في وسطهم” (مت20:18). يتحقق هذا من أجل الحنو الشديد ورباطة القرابة والصداقات, أي من أجل من لهم حب بعضهم لبعض… ].

ويعلق القديس أغسطينوس علي العبارة “يدعو الأشياء الغير موجودة كأنها موجودة, قائلاً: [ لقد كنت غير موجود فخلقك الله ووهبك الوجود, أفلا يهتم بك الآن وبمن حولك وقد صرت أنت هكذا, هذا الذي يدعو الأشياء غير موجودة كأنها موجودة؟!].

أخيرًا, أكد الرسول بولس أن ما كتب عن إبراهيم من جهة إيمانه بالقيامة من الأموات… قد كتب من أجلنا أيضًا, من جهة إيماننا بالمسيح الذي يقيمنا من الموت ويهبنا بره كحياة جديدة مقامة غارسها عمليًا, إذ يقول: “ولكن لم يُكتب من أجله وحده أنه حُسب له برًا” بَلْ مِنْ أَجْلِنَا نَحْنُ أَيْضًا، الَّذِينَ سَيُحْسَبُ لَنَا، الَّذِينَ نُؤْمِنُ بِمَنْ أَقَامَ يَسُوعَ رَبَّنَا مِنَ الأَمْوَاتِ. الَّذِي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنَا” (رو24:5، 25).


[1]  In Ioan. Tr. 29: 6; 53;10;72:2.

[2]  In Rom.hom.5.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *