August 2019
S M T W T F S
« Jun    
 123
45678910
11121314151617
18192021222324
25262728293031

لتحميل Pdf إضغط هنا

لمحتوي العام 

وجد المتروبوليت فيلوثيوس فريانيوس، في عام 1883، مخطوطة بعنوان ” تعليم الرسل الاثنى عشر ” وبعد أن تم نشرها خلقت حماسًا كبيرًا، لأنها ألقت ضوءًا قويًا على حياة الكنيسة الأولى. إننا لا نعرف كاتب هذه المخطوطة، ولا زمن كتابتها بالتحديد، ولكن يرجح أنها قد كتبت في أواخر القرن الأول الميلادى، في سوريا. ومن جهة مضمونها، نستطيع أن نصفها بأنها كانت مرجعًا للمسيحيين والموعوظين.

 نص المخطوطة يقسم إلى قسمين:

القسم الأول: أخلاقى يتكلم عن طريقين: طريق الحياة وطريق الموت.

(هذا التعليم كان شائعًا في الأوساط اليونانية واليهودية).

القسم الثانى: طقسى، يتكلم عن أنظمة المعمودية والعبادة والصوم وسر الشكر. فيه معلومات مهمة عن طريقة المعمودية التي كانت تجرى باسم الآب والابن والروح القدس، وبمياه جارية، وعن واجب الصوم قبل المعمودية وعن سر الشكر الذي لا يُعطى إلاّ للذين تعمدوا باسم الرب. كما يزودنا النص بإرشادات عن كيفية تمييز الأنبياء الحقيقيين من الأنبياء الكذبة. الفصل الأخير يتحدث عن الآخرة التي أصبحت قريبة.

        لا شك أن الكاتب جمع هذين القسمين وأضاف بعض الأمور التي كان يظن أنها حسنة وذلك لمواجهة مشاكل عصره. ترجع أهمية هذه المخطوطة إلى الجزء الثانى منها، حيث يشير فيه الكاتب إلى أن الأنبياء الكذبة كانوا يزعجون الكنيسة التي كانت بحاجة إلى مقياس صحيح لتمييز الأنبياء الحقيقيين عن الكذبة.

        هناك تعليم مهم موجود في الفصل 15 عن اختيار الكهنة، لأن الكنيسة كانت تتردد في الاعتراف بأن الخدام الجدد مساوون للرسل. ففي هذه الفترة كانت الكنيسة تعبر من مرحلة خدمة الرسل إلى مرحلة خدمة الرعاة الدائمين، الأمر الذي دفع البعض إلى عدم تكريم الرعاة مثلما كان يُكّرم الرسل وذوو المواهب الروحية. لذلك قال الكاتب: ” لا تحتقروهم لأنهم رجال مُكّرمون مع الأنبياء والمعلمين “.

(الفصل التاسع مهم من جهة النظام الليتورجى، لأن الكنيسة بدأت تنتقل في صلواتها من الصلاة العادية إلى الأناشيد المنظومة).

 

تحليل لنص الرسالة

         تعترف الرسالة بقوة وصحة الوصايا العشر وأيضًا الوصايا الأخلاقية للعهد القديم والتي تظهر كروابط لحياة المؤمنين، مثل تأدية الباكورات للرؤساء والمدبرين: [ إذا خبزت فقدم خبزك حسب الوصية. إذا فتحت وعاء خمرك أو زيتك فأعط منها أولاً للأنبياء. وكذلك مالك وثيابك وباكورة حقلك ]، كما تقول الوصية  (عد20:15ـ21) (الديداخى 5:13ـ7). ولكن يلاحظ أن الديداخى تضع هذه الوصايا في المرتبة الثانية بالنسبة لوصايا الموعظة على الجبل: [ إليك ما يعنيه هذا التعليم ” باركوا لأعنيكم. صلوا من أجل أعدائكم ” (مت44:5ـ46) صوموا من أجل مضطهديكم ” أى فضل لكم إن أحببتم الذين يحبونكم؟ ألا تفعل الأمم ذلك؟ أما أنتم فأحبوا مبغضيكم ” (مت 46:5) فلا يكون لكم مبغضين. ابتعدوا عن الرغبات الجسدية والبدنية (1بط11:2). ” مَن ضربك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر وكن كاملاً. إذا سخرّك أحد أن تمشى معه ميلاً فامشِ ميلين. إذا أخذ أحد منك وشاحك فأعطِ ثوبك أيضًا. ومَن أخذ الذي لك فلا تمانع ” (مت39:5ـ41) لأنك لا تستطيع. ” أعط بدون مقابل كل ما يطلب منك ” (لو30:6) فالله يُشرك الجميع في مواهبه. طوبى لمَن يعطى حسب الوصية، أنه طاهر[1]. ويل لمَن يأخذ إذا لم يكن محتاجًا. إنه سيقدم حسابًا عن السبب والهدف الذي أخذ من أجله، سيُسجن وسَيُحقّق في مسلكه ولن يخرج ” إلاّ بعد أن يدفع آخر فلس ” (مت26:5). وقد قيل حول هذا الموضوع فلتعرق حسنتك في كفيك إلى أن تعرف لمَن تعطى[2]. وفي موضع آخر استكمالاً لتعاليم الوصايا الربية يقول: ” لا تقتل، لا تزن ” (خر15:20ـ13)، لا تفسد الصبيان، لا تبغ ” لا تسرق ” (خر14:20)، لا تمارس السحر، لا تسمم، لا تجهض، لا تقتل ولدًا بعد ميلاده. لا تشته خيرات قريبك. لا تحلف (لاويين 12:19)، لا تشهد بالزور (خر16:20)، لا تكن نمامًا ولا تحقد. لا تكن ذا رأيين ولا ذا لسانين لأن اللسانين فخ للموت (أم6:21). احذر الكذب في كلامك ولا تكن بطّالاً في قولك بل خصبًا. لا تكن طماعًا ولا لصًا ولا مرائيًا، لا تكن سيئ الخلق متكبرًا ولا تفكر تفكيرًا شريرًا بقريبك. لا تكره أحدًا وبخ البعض وارحم البعض وصلى من أجل الجميع، أحبب الآخرين أكثر من نفسك ] (الديداخى 1:2ـ7).

        يلاحظ من النصين السابقين أن كاتب الديداخى أعطى المكانة الأولى لوصايا الرب يسوع في الموعظة على الجبل كما هو واضح في الباب الأول للفقرات 3ـ6، ثم أعطى المكانة الثانية لوصايا العهد القديم كما هو واضح في الباب الثانى من الديداخى، الفقرات 1ـ7.

        فوصايا الرب هى بشارة جديدة لنا، لأنها الدليل الآمن للحياة الأخلاقية والليتورجية للكنيسة بالاضافة إلى أنها تعبر عن محبة الله للبشر: [ وبّخوا بعضكم بعضًا لا بحدة بل بسلام كما يقول الإنجيل  (مت22:5ـ26). إذا أهان رجل قريبه فلا تكلموه ولا تسمعوه قبل أن يتوب. أقيموا صلواتكم وقدموا احساناتكم وكل ما تعملونه اعملوه حسب إنجيل ربنا ] (الديداخى 3:15ـ4). في حالات أخرى نجد أن الوصايا تسود كتقليد إلزامى للخلاص: [ لا تترك وصايا الرب، بل احفظها كما استلمتها بدون زيادة أو نقصان ] (الديداخى 13:4)، [ احذر من أن يضلك أحد عن الطريق. إنه يخرجك عن تعليم الله ] (الديداخى 1:6). بالتأكيد نجد أن شهادة العهد القديم لا يستهان بها على الاطلاق. وفي موضعين نجد أن كاتب الديداخى يجعل العهد القديم حيًا في الحاضر التاريخى للكنيسة كما هو مذكور في ملاخى 11:1، 14: [ لقد قال الرب ” في كل مكان قدموا لى تقدمة طاهرة لأنى ملك عظيم يقول الرب واسمى ممجد بين الأمم ” (ملا11:1) ] (ديداخى 3:14)؛ [ ولكن كما كُتب ” وسيأتى الرب ومعه القديسون ” (زكريا 5:14) وسينظر العالم المخلّص آتيًا على سحب السماء (مت30:24)] (الديداخى 7:16).

        الديداخى تؤكد على المفهوم الخاص للحياة الليتورجية وكذلك الترتيبات الكنسية، حيث تهدف إلى ابراز مفاعيل المعمودية والافخارستيا، كما تتناول الصلوات القديمة والتي تجسد تقاليد متنوعة للعهدين القديم والجديد. فمثلاً في الفصل التاسع، فقرة 2 تُفسر ما جاء في مت6:7 ” لا تعطوا القدس للكلاب ” بالعلاقة بالافخارستيا المقدسة: [ أما عن سر الشكر فاشكروا هكذا. أولاً عن الكأس. نشكرك يا أبانا لكرمة داود ابنك المقدسة (مز1:17) التي عرّفتنا بابنك يسوع فلك المجد إلى الأبد. وحول كسر الخبز، نشكرك يا أبانا للحياة والمعرفة التي وهبتنا بيسوع ابنك فلك المجد إلى الأجيال.

        وكما أن هذا الخبز كان منثورًا فوق الجبال ثم جمع فصار خبزًا واحدًا (يو52:11) كذلك اجمع كنيستك من أقاصى المسكونة إلى ملكوتك لأن لك المجد والقدرة بيسوع المسيح. لا يأكلن أحد من سر شكركم إلاّ المعمدون باسم السيد، لأنه قال ” لا تعطوا القدس للكلاب ” (مت6:7) ] (الديداخى 1:9ـ5).

        فتعليم الديداخى قدّم للمؤمنين مفاهيمًا سامية لحياتهم الجديدة والتي تتحدد وتظهر في الحياة الليتورجية للكنيسة. ” فمعرفة الرب ” تصف هذه الحياة الجديدة والتي تكون ثابتة وتحتوى على وصايا الرب: [ لا تترك وصايا الرب، بل احفظها كما استلمتها بدون زيادة أو نقصان ] (الديداخى 13:4). ويُدرج في هذه الوصايا أيضًا، الوصايا الأخلاقية لأسفار موسى الخمسة. كما أن الديداخى ترى أن رجال الكنيسة الملهمين يُبشرون بهذه المعرفة ويُسلمونها، ويقصد بهؤلاء الرجال كل من الرسل والأنبياء والمعلمون ومَن هم في مكانتهم سواء الأساقفة أو الشمامسة: [ أقيموا لكم أساقفة وشمامسة جديرين بالرب، رجالاً ودعاء، غير محبين المال (اتى3:3، 8) مستقيمين مجربين. إنهم في مكان الأنبياء والمعلمين عندكم. لا تحتقروهم لأنهم رجال مكرمون مع الأنبياء والمعلمين ] (الديداخى 1:15ـ2).

        تتحدث الديداخى أيضًا عن ” التقليد ” الجديد والذي يختص بالحياة والمعرفة. هذا التقليد يكون حيًا في الكنيسة وهو ” اضافة ” للبر ومعرفة الرب “: [ … أما إذا علمكم تعليمًا مغايرًا بقصد الهدم فلا تسمعوه (2يو10)، أما إذا أراد أن يزيد المعرفة والعدل بالسيد فاقبلوه كقبولكم للسيد ] (الديداخى 2:11). عندما يُخبر بهذه المعرفة فإن الرب نفسه يكون حاضرًا: [ يا بنى ” مَن كلمك بكلام الرب ” (عب7:13) أذكره ليل نهار واكرمه كما تكرم الرب (مت40:10)، لأنه حيث تعلن سيادة الرب يكون هو هناك ] (الديداخى 1:4)، لأن الرب هو الحقيقة العليا في حياة الكنيسة. ومن ثم فإن التقليد الحى للكنيسة يحتوى على الكلام الحى للعهد القديم، وكذلك ” وصايا ” الرب.

        إن تعاليم الرب ليست موضوع دراسة العهد القديم ومعرفته، ولكنها عمل يتصل بالأشخاص الملهمين من رجال الكنيسة، أى القديسون: [اسع يومًا فيومًا نحو القديسين لتجد في كلامهم تعزية] (الديداخى 2:4). ومن ثم فإنه يجب على الإنسان المؤمن أن يبحث عن المعرفة المستقيمة للرب. إن ” المعرفة ” تتحد بالحياة التي ” تُعرف ” من خلال صلوات ليتورجية الكنيسة، وخاصةً الافخارستيا: (راجع الديداخى 2:9ـ3).      


[1]  أنظر لو41:11 ” أعطوا ما عندكم صدقة، فهوذا كل شئ يكون نقيًا لكم “

[2]  راجع حكمة سيراخ 1:12 . الديداخى 3:1ـ6

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *