September 2018
S M T W T F S
« Jul    
 1
2345678
9101112131415
16171819202122
23242526272829
30  

   لتحميل Pdf إضغط هنا      

   وُلد أنطونيوس حسب رواية المؤرخ الكنسي سوزمين سنة 251م في كوما Coma الآن “قمن العروس” قرب بوش ـ محافظة بني سويف (سوزمين: تاريخ الكنيسة13:1). وقد سجل لنا القديس أثناسيوس الكثير عن هذا الرجل الذي وصفه بأنه “مؤسس الرهبنة” وإنسان نال “الحكمة الإلهية” (حياة أنطونيوس بقلم أثناسيوس72). ولم يتعلم أنطونيوس علوم الدنيا، بل لقد سجلت المصادر التاريخية الموثوق منها أنه لم يكن يعرف القراءة والكتابة. وقد أراد البعض إغاظته بأنه لا يعرف شيئًا عن الآداب والعلوم، فأجاب على هذه الإغاظة بقوله: ” حسنًا ماذا تقولون؟ أيهما سبق الآخر: العقل أم الحروف؟ وأيهما هو السبب في وجود الآخر: العقل هو السبب في وجود الحروف أم الحروف هي السبب في وجود العقل؟”. وعندما قال هؤلاء بأن العقل هو السبب في وجود الحروف وأن العقل هو الذي اخترعها. أجاب أنطونيوس: ” من له عقل صحيح ليس له احتياج إلى الحروف” (حياة أنطوينوس: 72 ـ سقراط: تاريخ الكنيسة23:4).

ولم يكن أنطونيوس عاطل العقل، فقد سأله أحد الفلاسفة: ” أيها الأب كيف يمكنك الصمود في هذه الحياة الصعبة وأنت قد حُرمت من تعزيات الكتب؟”، أجاب أنطونيوس: ” إن كتابي أيها الفيلسوف هو الكون ولذلك أنا أستطيع أن أقرأ لغة الله في أي وقت أشاء ” (سقراط23:4). وهذه الإجابة ليست بسيطة ولا تنم عن سذاجة وجهل وإنما تؤكد أن المعرفة الروحية لا تحتاج إلى علوم الفلسفة والطب والزراعة والصيدلة.. الخ. وإنما تحتاج إلى القلب والعقل اليقظ الذي يرغب في معرفة الله. وعندما يتحول الكون والطبيعة إلى كتاب يقرأ فيه الإنسان لغة الله، فإن هذا الإنسان لا يحيا في فراغ الجهل الذي خاف منه هذا الفيلسوف وإنما في ملء معرفة حكمة الله. ويكفي أن القديس أثناسيوس سجل هذه الملاحظة الدقيقة عنه ” لقد نال أنطونيوس شهرة واسعة ـ ليس بسبب الحكمة العالمية وليس بسبب فن أتقنه، وإنما بسبب خدمته لله ” (حياة أنطونيوس93).

          وفي مقدمة السيرة يذكر القديس أثناسيوس أن أنطونيوس وُلد من أسرة غنية مسيحية وأنه بعد وفاة والديه بستة أشهر، أي أن عمره كان حوالي 18 سنة، دخل إلى الكنيسة وسمع قول الرب المشهور: ” إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع كل ما لك وتعال اتبعني“، وقد علق أحد الآباء على هذه الحادثة بقوله ” إن أنطونيوس لم يسمع هذه الكلمات من المسيح في الجسد وإنما سمعها من قارئ في الكنيسة فذهب إلى منزله فورًا، وقرر ن يعمل ما فيها، ولذلك لا يجب أن نتمنى أن نكون معاصرين لابن الله وهو في الجسد بيننا، وإنما علينا أن نكون معاصرين عمله في النفس وأن نختبر ما في كلماته من حق ليس بالجدل العقيم بل بطريق الطاعة الشاق”. وهكذا اختبر أنطونيوس وكان اختباره برهان على صدق مواعيد الإنجيل. والاختبار هو طريق واضح لفهم الإنجيل وتذوقه. وليس لدى الإنسان سوى هذا الطريق الواحد الذي يؤدي إلى أسرار الله.

          ولأن كل الطرق الأخرى فاشلة، فشل الكثيرون من العباقرة والعلماء في سلوك الطريق الضيق.

          ولم يكن أنطونيوس وحده في طريق الله، لأنه عندما أراد أن يبيع قسمًا من أملاكه ويُبقى على جزء لأخته تذكر القول الإلهي: ” لا تفكر في الغد “. وعندما استراح لقول الرب، ترك أخته في رعاية سيدة مسيحية قديسة ووزع أمواله (سوزمين13:1). وهنا نلمح بشكل أساسي أن وجود القديسين في هذه الدنيا هو أحد الوسائل الأساسية التي تساعدنا على تذوق أسرار الله واختبار طاعته لأن ما قدمته هذه المرأة القديسة من عناية بأخت أنطونيوس، كانت دون شك أحد عوامل الاستقرار، ولكن أنطونيوس كان شجاعًا في تنفيذ الوصية بشكل لم يجعله يتردد أو يخاف.

          وقد سلك أنطونيوس طريقه الشاق فكان أول من ارتاد البراري وجعل الحياة النُسكية تمتاز بسكنى الصحراء لأن الذين سبقوه كانوا يعيشون قرب الأماكن الآهلة، أي المدن والقرى، بدأ ممارسة الحياة النُسكية أولاً في مكان قريب من قريته، ثم بعد 15 سنة وهو في سن 35 عامًا ذهب إلى البرية الخارجية في الصحراء الشرقية عند بسبير حيث سكن قلعة قديمة قرب قمن العروس مدة عشرين عامًا، ولكنه وجد نفسه مضطرًا للخروج من هذه العزلة في عام 311م. وعندما أثار مكسيميانوس الاضطهاد على الكنيسة والذي استشهد فيه القديس بطرس خاتم الشهداء، اضطر أنطونيوس إلى الذهاب إلى الأسكندرية لكي يشدد من عزيمة المؤمنين وهو ما يؤكد أن عزلة وتوّحد أنطونيوس لم يقطعا محبة الكنيسة والاهتمام بالإيمان من قلبه مُطلقًا. وبعد هذه الرحلة توغل بشكل أعمق في البرية فعاد من الأسكندرية إلى البحر الأحمر إلى البقعة الكائن فيها ديره الآن (وهي تُسمّى بالبرية الداخلية). وقام بزراعة جزء صغير من الأرض لكي يقيت نفسه.

          واضطر أنطونيوس إلى العودة مرة ثانية إلى ألأسكندرية في سنة 335م يطلب البابا أثناسيوس الرسولي لكي يقاوم البدعة الآريوسية وظل في الأسكندرية مدة غير معروفة عاد بعدها إلى الصحراء حيث ظل فيها إلى أن رقد في الرب سنة 356 بعد أن قضى على هذه الأرض 105 عامًا.

الرسائل:

          يذكر البابا أثناسيوس في كتاب ” حياة أنطونيوس ” أن القديس أنطونيوس تلقى الكثير من الرسائل من الأباطرة قسطنطين، قسطنطينوس ، قنسطنس، وانه لم يهتم بهذه الرسائل، وقال للرهبان: ” لا تتعجبوا إذا كان الإميراطور يكتب لنا فهو إنسان مثلنا وجدير بكم أن تتعجبوا بالحرى من أن الله قد كتب الناموس للإنسانية ثم بعد ذلك كلمنا في ابنه الوحيد”. وبعد ذلك يذكر القديس أثناسيوس أن أنطونيوس كتب بعد ذلك إلى هؤلاء الأباطرة: ” يوصيهم أن يعبدوا المسيح وأعطاهم وصايا خلاصية بأن لا يهتموا بمجد هذا العالم وإنما أن يتذكروا دائمًا الدينونة الآتية وأن يعرفوا أن المسيح وحده هو الملك الأبدي والحقيقي. وقد توسل إليهم أيضًا أن يكونوا أكثر إنسانية وأن يهتموا بالعدل وأن يهتموا بالفقراء” (حياة انطونيوس81). وتسجل هذه السطور ليس فقط رسائل أنطونيوس التي كتبها لعظام عصره، بل تعطى لمحة عن شخصية المتوحد الذي يطلب من الحاكم أن يكون عادلاً وأن يهتم بالفقراء مما ينفي عن أنطونيوس تهمة “المانوية” التي لصقها به بعض مفكرى الغرب.

الرسائل السبع:

          احتفظت لنا الوثائق القديمة بسبعة رسائل للقديس أنطونيوس بالقبطية والسريانية واليونانية. وهي أقدم إشارة جاءت في كتاب “مشاهير الآباء” لجيروم: ” كتب أنطونيوس الراهب الذي سجل أثناسيوس ـ أسقف الأسكندرية ـ حياته، سبعة رسائل بالقبطية إلى عدة أديرة وهي رسائل رسولية في منهجها واسلوبها وقد تُرجمت إلى اليونانية. وأهم هذه الرسائل، الرسالة إلى الذين في أرسينوي” (فقرة88). وبالتالي حصر جيروم عدد الرسائل وذكر أهمها وهي الرسالة إلى أرسينوي ـ أي منطقة الفيوم (الرسالة السادسة). وقد وصلنا النص القبطي الأصلي لكل الرسائل السبع بل بداية الخامسة ونهاية السادسة وكل السابعة وبذلك تكون الترجمة اليونانية والسريانية ثم الأرمنية هي النص الكامل الوحيد. وقد وصلتنا الرسائل السبع مُضافًا إليها ثلاثة عشر رسالة أخرى باللغة العربية. ويقف علماء كتابات الآباء موقف الشك من باقي الرسائل ويتمسكون فقط بما ذكره جيروم، أي الرسائل السبع فقط، وإن كان من الواضح أن العالم الكاثوليكي كواسن Quasten لا يرفض أن تكون باقي الرسائل ـ أي الثلاثة عشر رسالة ـ من وضع أحد تلاميذ أنطونيوس وهو الأنبا اموناس، وتظهر فيها أيضًا روح أنطونيوس وأفكاره.

الطبعات الهامة للرسائل السبع والترجمات:

          تُعد الترجمة اللاتينية في مجموعة الآباء باليونانية طبعة Migne هي أهم طبعة يستخدمها علماء الرهبنة من الأجانب (مجلد977:40ـ1000) وبعدها الترجمة السريانية ثم الأرمنية مع ما تبقى من النصوص القبطية.

          أما الترجمات الحديثة فقد كانت أهم الترجمات والدراسات للعالم الكاثوليكي L. Bouyer في كتابه المعروف باسم “حياة أنطونيوس” دراسة للحياة الروحية الرهبانية، وقد صدر عام 1950م. ثم جاءت الترجمة الإنجليزية مع مقدمة مختصرة للعالم الأنجيلكاني الذي كرس حياته لدراسة الرهبنة Fr. Derwas Chitty الأب درواس شيتي، والتي صدرت عام 1975م بأكسفورد بإنجلترا وهي أول مرة تظهر فيها الرسائل السبع بالإنجليزية.

          وهي الترجمة التي عرّب عنها بيت التكريس لخدمة الكرازة الرسائل السبع سنة 1979 وطُبعت مرتين بعد ذلك في 1984، و1997.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *