June 2017
S M T W T F S
« May    
 123
45678910
11121314151617
18192021222324
252627282930  

لتحميل Pdf إضغط هنا

تدبير الله للخلاص:

            “بعد أن عاقب الله الإنسان أولاً ـ بطرق كثيرة، لأن خطاياه كانت كثيرة (من التي نبتت من جذر الشر، والتي نشأت من أسباب مختلفة وفي أزمنة متفرقة)، أدبه بالقول، والناموس، والأنبياء، والإحسانات، والتهديدت، والفيضانات والنيران، والحروب، والإنتصارات، والهزائم، والعلامات في السماء، وعلامات في الهواء وفي الأرض وفي البحر، وبتغييرات مفاجئة للرجال والمدن والشعوب ـ كل هذه الأمور كانت تهدف لإبادة الشر ـ وأخيرًا إحتاج الإنسان لدواء أكثر قوة لأن أمراضه كانت تزداد سوءً: مثل قتل الأخ والزنى والقسم الكاذب، والجرائم الشاذة، وأول وآخر كل الشرور أى عبادة الأصنام وتحويل العبادة إلى المخلوقات بدلاً من الخالق (انظر رو18:1ـ32).

وبما أن هذه كانت تحتاج إلى معونة أكبر، لذلك حصلت على مَن هو أعظم. ذلك هو كلمة الله ذاته ـ  الأبدى الذي هو قبل كل الدهور، وهو غير المنظور، غير المفحوص وغير الجسدى، البدء الذي من البدء، النور الذي من النور، مصدر الحياة والخلود، صورة الجمال الأصلى الأول، الختم الذي لا يزول، الصورة التي لا تتغير، كلمة الآب وإعلانه[1]، هذا أتى إلى صورته[2]، وأخذ جسدًا لأجل جسدنا، ووحد ذاته بنفس عاقلة لأجل نفسى لكى يطّهر الشبه بواسطة شبهه، وصار إنسانًا مثلنا في كل شئ ماعدا الخطية إذ وُلد من العذراء التي طُهّرت أولاً نفسًا وجسدًا، بالروح القدس (لأنه كان يجب أن تُكرم ولادة البنين وأيضًا أن تنال العذراوية كرامة أعظم)، وهكذا ظلّ إلهًا من بعد اتخاذه للطبيعة البشرية، شخص واحد بطبيعتين، أى الجسد والروح ألّه الجسد. ياله من اختلاط جديد، الكائن بذاته يأتى إلى الوجود، غير المخلوق يُخلق[3]، غير المحوى يُحوى بواسطة نفس عاقلة تتوسط بين الألوهة والجسد المادى. ذاك الذي يمنح الغنى يصير فقيرًا، لأنه أخذ على نفسه فقر جسدى، لكى آخذ غنى ألوهيته. ذاك الذي هو ملئ يخلى نفسه، لأنه أخلى نفسه من مجده لفترة قصيرة، ليكون لى نصيب في ملئه. أى صلاح هذا؟! وأى سر يحيط بى؟! إشتركت في الصورة؛ ولم أصنها فإشترك في جسدى لكى يخلّص الصورة ولكى يجعل الجسد عديم الموت. هو يدخل في شركة ثانية معى أعجب كثيرًا من الأولى، وبقدر ما أعطى حينئذ الطبيعة الأفضل، فهو الآن يشترك في الأسوأ[4]. هذا العمل الأخير (التجسد) يليق بالله أكثر من الأول (الخلق)، وهو سامى جدًا في نظر الفاهمين.

            * ما الذي سوف يقوله المعترضون والمجدفون على الألوهية، أولئك المشتكون ضد كل الأمور الجديرة بالمديح، أولئك الذين يجعلون النور مظلمًا، والذين لم يتهذبوا بالحكمة، أولئك الذين مات المسيح لأجلهم باطلاً، أولئك المخلوقات غير الشاكرة الذين هم من صنع الشرير؟ هل تحوّل هذا الإحسان إلى شكوى ضد الله؟ هل تنظر إليه على أنه صغير بسبب أنه اتضع لأجلك؟ وهل تعتبره صغيرًا لأنه هو الراعى الصالح الذي يبذل نفسه عن الخراف (يو11:10)، والذي أتى ليطلب الخروف الذي ضلّ فوق التلال والجبال والتي كانت تقدم فيها ذبائح لآلهة غريبة، وعندما وجده، حمله على منكبيه ـ اللتين حمل عليهما خشبة الصليب، وأعاده إلى الحياة الأسمى، وعندما أعاده حسبه مع أولئك الذين لم يضلوا أبدًا؟ هل تحتقره لأنه أضاء سراجًا الذي هو جسده، وكنس البيت، مطهرًا العالم من الخطية، وفتش عن الدرهم، أى الصورة الملكية التي دُفنت وغطتها الشهوات. وجمّع الملائكة أصدقاءه؛ عندما وجد الدرهم جعلهم شركاء في فرحه والذين جعلهم أيضًا مشاركين في سر التجسد؟ فبعد سراج السابق الذي أعّد الطريق، يأتى النور الذي يفوقه في البريق، وبعد “الصوت” أتى “الكلمة” وبعد صديق العريس جاء العريس، صديق العريس الذي أعد الطريق للرب شعبًا مختارًا، مطهرًا إياهم بالماء ليجهزهم للروح القدس؟ هل تلوم الله على كل هذا؟ هل على هذا الأساس تعتبره وضيعًا لأنه شد الحزام على وسطه وغسل أرجل تلاميذه (يو4:13)، وأظهر أن التواضع هو أفضل طريق للرفعة؟ لقد اتضع لأجل النفس التي إنحنت إلى الحضيض لكى يرفعها معه، تلك النفس التي كانت تترنح لتسقط تحت ثقل الخطية؟ كيف لا تتهمه أيضًا بجرم الأكل مع العشارين وعلى موائد العشارين (انظر لو27:5)، وأنه يتخذ تلاميذًا من العشارين، لكى يربح … وماذا يربح؟ خلاص الخطاة. وإن كان الأمر هكذا، فيجب أن نلوم الطبيب بسبب أنه ينحنى على الجروح ويحتمل الرائحة النتنة لكى يعطى الصحة للمرضى، أو هل نلوم ذاك الذي من رحمته ينحنى لكى ينقذ حيوانًا سقط في حفرة كما يقول الناموس (انظر تث40:22، لو5:14).

          *  المسيح أُرسل، لكنه أُرسل كإنسان لأنه من طبيعة مزدوجة[5]. لأنه شعر بالتعب وجاع وعطش وتألم وبكى حسب طبيعة كائن له جسد. وإذا استعمل تعبير “أُرسل” عنه، فمعناه أن مسرة الآب الصالحة يجب أن تعتبر إرسالية، فهو يرجع كل ما يختص بنفسه إلى هذه الإرسالية، وذلك لكى يكرم المبدأ الأزلى وأيضًا لأنه لا ينبغى أن يُنظر إليه على أنه مضاد لله. فقد كتب عنه أنه سُلم بخيانة وأيضًا سلّم ذاته، وأيضًا كتب عنه أنه أُقيم بواسطة الآب وأنه أُصعد، ومن جهة أخرى أنه أيضًا أقام ذاته وصعد. فما ذكر أولاً في كل عبارة فهو من إرادة الآب (أنه سُلِّم وأنه أُقيم)، أما الجزء الثانى من كل عبارة فيشير إلى قوته هو. فهل تفكر في الأمور الأولى التي تجعله يبدو وضيعًا، أما الثانية التي ترّفعه فأنت تتغافل عنها. وتضع في حسابك أنه تألم، ولا تحسب أن هذا الأم تم بإرادته. انظر فحتى الآن      لا يزال الكلمة يتألم. فالبعض يكرمونه كإله ولكن يخلطون بينه وبين الآب، والبعض الآخر يحقرونه كمجرد جسد ويفصلونه عن اللاهوت. فعلى مَن يصب جام[6] غضبه بالأكثر؟ أو بالأحرى مَن هم الذين يغفر لهم؟ هل الذين يخلطونه بطريقة خارجة أم أولئك الذين يقسمونه؟ فالأولون كان يجب أن يميزوا (بين الأقانيم) والآخرون كان يجب أن يوحدوه[7] (مع الآب). الأولون من جهة عدد الأقانيم والآخرون من جهة الألوهية. هل تتعثر من جسده؟ هذا ما فعله اليهود. ربما تريد أن تدعوه سامريًا؟ ولن أذكر ما قالوه عن المسيح بعد ذلك (انظر يو48:8) هل تنكر ألوهيته؟ هذا لم يفعله حتى الشياطين. للأسف كم أنت أقل إيمانًا من الشياطين! وأكثر جهلاً من اليهود! فهؤلاء اليهود قد فهموا أن اسم ابن يدل على أنه مساوى في الرتبة (أى مساوى لله)، أما أولئك الشياطين فعرفوا أن الذي طردهم هو إله، لأنهم إقتنعوا بذلك بسبب ما حدث لهم. أما أنت فلا تعترف بالمساواة ولا تقر بلاهوته. كان من الأفضل أن تكون إما يهوديًا أو شيطانًا (لو عبّرت عن ذلك بطريقة مضحكة) عن أن يتسلط على ذهنك الشر والكفر وأنت أغلف وبصحة جيدة.

          *    بعد قليل سوف ترى يسوع ينزل ليتطهر في الأردن (مت17:3) لأجل تطهيرى أنا، أو بالحرى ليقدس المياه بطهارته (لأنه لم يكن في إحتياج إلى التطهير ذاك الذي يرفع خطية العالم). وإنشقت السماوات، وشهد له الروح الذي من نفس الطبيعة الواحدة معه؛ وسنراه يُجرب وينتصر على التجارب ويُخدم من الملائكة (انظر مت1:4ـ11)، ويشفى كل مرض وكل ضعف (مت23:4)، ويمنح الحياة للأموات (وليته يهبك الحياة أنت الذي مت بسبب هرطقتك)، ويطرد الشياطين (مت33:9) أحيانًا بنفسه وأحيانًا أخرى بواسطة تلاميذه. ويُطعم بخبزات قليلة آلاف من البشر (مت14:14)، ويمشى على البحر كأرض جافة (مت25:14)، ويُسلّم ويُصلب صالبًا خطيتى معه، وقُدم ذبيحة كحمل، وأيضًا قدم ذاته ككاهن يقدم ذبيحة، ودُفن كإنسان وقام ثانية كإله، ثم صعد إلى السموات لكى يعود ثانية في مجده. كم من الأعياد توجد لأجلى في كل سر من أسرار المسيح! وغاية كل هذه الأسرار تجديدى وتكميلى أنا لكى أرجع إلى حالة آدم الأولى.

          *  إذًا، أرجوكم إقبلوا حمله في داخلكم (كما حملته العذراء في بطنها)، وإقفزوا فرحًا أمامه إن لم يكن مثل يوحنا المعمدان وهو في بطن أمه (لو1:1)، فعلى الأقل مثل داود أما تابوت العهد (2صم14:6). وعليك أن تحترم الإكتتاب الذي بسببه كُتبت أنت في السموات، واسجد للميلاد (لو1:2ـ5) الذي بواسطته فُككت من ولادتك الجسدية، واكرم بيت لحم الصغرى التي أرجعتك مرة أخرى إلى الفردوس، واسجد لطفل المزود الذي به تغذيت باللوجوس (الكلمة) بعدما كنت ضالاً. اعرف قانيك كما يعرف الثور قانيه، والحمار معلف صاحبه، حسب قول إشعياء (3:1)، ذلك إن كنت من الطاهرين الذين يكرمون الناموس وينشغلون بترديد أقواله باحترار، واللائقين للذبائح. أما إن كنت من أولئك الذين لا يزالون نجسين ولم يكن يحق لهم أن يأكلوا من المقدسات، وغير لائقين لتقديم الذبائح، وهم من الأمم الوثنيين، فإسرع مع النجم وقدم هدايا مع المجوس ذهبًا ولبانًا ومرًا كما لملك وإله ولواحد قد مات لأجلك. مجّده مع الرعاة، وسبحه مع خورس الملائكة، ورتل تسابيحك مع رؤساء الملائكة. فليكن هذا الإحتفال مشتركًا بين القوات السماوية والقوات الأرضية. لأننى أؤمن أن الأجناد السماوية يشتركون في التمجيد معنا، ويحتفلون بالعيد العظيم معنا اليوم، لأنهم يحبون البشر ويحبون الله، كما كتب داود عن أمثال هؤلاء الذين صعدوا مع المسيح بعد آلامه لكى يستقبلوه وهم ينادون أحدهم الآخر ان يرفعوا الأبواب الدهرية (مز7:24ـ9).

            *  هناك أمر واحد فقط مرتبط بمناسبة ميلاد المسيح، أريدكم أن تبغضوه، ألا وهو قتل الأطفال على يد هيرودس، أو بالحرى يجب أن تكرموا أيضًا، هؤلاء الذين ذُبحوا وهم من نفس عمر المسيح، هؤلاء صاروا ذبيحة قُدمت قبل الذبيحة الجديدة (أى الصليب). عندما يهرب إلى مصر اهرب أنت معه؛ وترافقه فرحًا في المنفى. إنه عمل عظيم أن تشترك مع المسيح المضطهد. وإن أبطأ كثيرًا في مصر فادعوه من هناك بتقديم عبادة خاشعة له هناك. إتبع المسيح بلا لوم في كل مراحل حياته وكل صفاته. تطهر واختتن؛ إنزع البرقع الذي كان يغطيك منذ ولادتك. بعد ذلك علّم في الهيكل واطرد التجار من هيكل الله، اسمح لهم أن يرجموك لو لزم الأمر، فإنى أعرف جيدًا أنك سوف تفلت من بين هؤلاء الذين يرجموك مثل الله (انظر يو59:8). لأن الكلمة لا يُرجم. إن جاءوا بك إلى هيرودس لا تعطيه إجابة عن أغلب أسئلته؛ فسوف يحترم صمتك أكثر من احترامه لأحاديث الشعب الكثيرة. إذا جلدوك اطلب منهم أن يتمموا كل الجلدات. ذُق المر واشرب الخل؛ واطلب أن يبصقوا على وجهك؛ اقبل منهم اللطمات والشتائم، وتوج رأسك بإكليل الشوك، أى بأشواك حياة التقوى. إلبس ثوب الأرجوان وامسك القصبة في يدك، واقبل السجود بسخرية من أولئك الذين يسخرون من الحق؛ أخيرًا فلتُصلب مع المسيح واشترك في موته ودفنه بفرح لكى تقوم معه وتتمجد معه وتملك معه، انظر إلى الله العظيم الذي يُسجد له ويمجد في ثالوث، ودعه ينظر إليك وليته يظهر الآن بوضوح أمامك، بقدر ما تسمح قيود الجسد، بيسوع المسيح ربنا الذي له المجد من الآن وإلى الأبد آمين.”


[1]  انظر القداس الغريغورى الذي يخاطب المسيح الكلمة بقوله ” الذي لا ينطق به، غير المرئى، غير المحوى، غير المبتدئ، الأبدى، غير الزمنى، الذي لا يحد، غير المفحوص، غير المستحيل (أى غير المتغير). وهذا يوضح أن القداس هو من وضع القديس غريغوريوس نفسه الذي تفوه بهذه العظة وغيرها من الخطب والعظات المعروفة باسمه.

[2]  أى إلى الإنسان الذي خلق على صورته.

[3] بناسوت خلقه هو فى أحشاء العذراء.

[4]  أعطى الله في الخلق نعمة الخلق “على صورة الله” بينما في التجسد يأخذ الجسد: “أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له”.

[5]  طبعًا من جهة طبيعته التي فيها اللاهوت متحد بالناسوت.

[6]  يقصد أصحاب بدعة سابيليوس الذي قال إن الآب هو نفسه صار المسيح وصلب وبعد صعود المسيح جاء باسم الروح القدس أى الثالوث أقنوم واحد وليس ثلاثة أقانيم للاهوت واحد.

[7]  يقصد الآريوسيين.

One Response to تدبير الله للخلاص للقديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات – ترجمة د. جورج عوض

  • michaelashaia:

    مقالة رائعة بس …بعد أن عاقب الله الإنسان أولاً … ازاى عاقب الله الانسان بس با دكتور مش السقوط نتيجة و ليس عقاب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *