November 2018
S M T W T F S
« Oct    
 123
45678910
11121314151617
18192021222324
252627282930  

 1 ـ مقدمة : معنى المصطلح اليوناني : باروسيا Παρουσία

ورد هذا المصطلح 24 مرّة بالعهد الجديد منها 16 مرّة عُبّر فيها عن مجىء أو حضور أو ظهور المسيح ثانيةً في مجده، ويدل هذا المصطلح على الحضور الفعلى للشخص.مصطلحات كتابية مرادفة :

لمصطلح باروسيا، مصطلحات كتابية مرادفة نذكر منها :

1 ـ يوم الرّب 1كو5:5 (ورد 17 مرة عند بولس الرسول وخمس مرات فى الرسائل الجامعة) . 2 ـ يوم المسيح (فيلبى10:1).

3 ـ يوم افتقاد (لو44:19). 4 ـ اليوم الأخير (يو48:12).

في الثقافة اليونانية: أصبح هذا المصطلح “Παρουσία”، مصطلح تقنى له مدلول خاص للتعبير عن الحضور أو الزيارة الرسمّية لملك أو إمبراطور ، والتي كانت تجرى فيها احتفالية عظيمة ، حيث يبدأ بعدها ـ في مرّات عديدة عصرًا جديدًا. (أنظر على سبيل المثال أع22:12).

2 ـ الباروسيا بين الوعد والرجاء ، البداية والخاتمة :

تُعبّر نصوص العهد الجديد في الأساس عن ظهور المسيح الذي تمّ كما تتحدث عن ظهوره الآتي.

فقد عبّر بولس الرسول عن مجىء المسيح الأول بقوله ” أُظهرت الآن بظهور مخلّصنا يسوع المسيح الذي أبطل الموت وأنار الحياة والخلود ” (2تي10:1) ، كما تحدّث بطرس عن حضوره أو عن ” استعلان يسوع المسيح ” (1بط7:1ـ13).

وحضور المسيح الأول هذا قد بدأ بميلاده بالجسد وسيصل إلى قمته بظهوره الثاني كملك ودّيان لكل المسكونة. والباروسيا هي تجديد الظهور الإلهي، تكميل يوم الرب كما قال إشعياء (6:13). ويُسمى القديس أغناطيوس الأنطاكى التجسد بالباروسيا . وكانت الباروسيا هي أول موضوعات البشارة المفرحة “الإنجيل”، ” لأننا لم نتبع خرافات مصنعة إذ عرّفناكم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه بل كنا معاينين عظمته” (2بط16:1) . فحضور المسيح هو البداية وهو الخاتمة، وهو الأساس والنتيجة، هو موضوع الإيمان و” الرجاء المبارك ” كما يكتب بولس الرسول إلى تيطس ” منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلّصنا يسوع المسيح” (تيطس13:2). أو كما يكتب لأهل كولوسى ” فإن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله، اهتموا بما فوق لا بما على الأرض، لأنكم قد متم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله، متى أُظهر المسيح حياتنا فحينئذ تظهرون أنتم معه في المجد” (كو1:3ـ4).

3 ـ مجيء المسيح الثاني رجاء الكنيسة :

بعد صعود المسيح إلى السماء ومجيء الروح القدس أصبح رجاء الكنيسة مركزًا في عودة الرب يسوع من السماء حسب وعده الذي أعطاه للتلاميذ ” آتى وآخذكم إلى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضًا” (يو3:14). وقد أكد المسيح وعده في نفس يوم صعوده إذ أرسل ملاكين للرسل بينما كانوا يشخصون إلى السماء وهو منطلق قائلين لهم ” إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقًا إلى السماء” (أع11:1).

ولا تكاد رسالة من رسائل الرسل تخلو من تأكيد هذا الوعد بمجيء المسيح ثانية من السماء على أنه موضوع رجاء الكنيسة وباعتباره أحد عناصر الكرازة بإنجيل المسيح. أما سفر الرؤيا الذي يختم كتاب العهد الجديد فإنه يبدأ وينتهي بهذا الوعد الإلهي عن عودة المسيح من السماء لينهى كل الأزمنة ويكمّل استعلان ملكوت الله الأبدي استعلانًا كاملاً ويختم سفر الرؤيا بقول الرب يسوع ” ها أنا آتى سريعًا” ويجاوبه يوحنا الرائي بلسان الكنيسة العروس قائلاً ” أمين تعال أيها الرب يسوع″ (رؤ20:22) هذا الوعد الإلهي بمجيئه ثانية من السماء أشعل رجاء حارًا ملتهبًا في الكنيسة الأولى.

ولذلك نجد أن رجاء عودة المسيح من السماء يشغل حيزًا رئيسيًا في تعليم الرسل وفى ليتورجية العبادة في الكنيسة الأولى . أنظر مثلاً كيف يربط الرسول بولس ربطًا وثيقًا بين إيمان أهل تسالونيكي وبين إنتظارهم لمجيء المسيح من السماء فيقول: ” أي دخول كان لنا إليكم وكيف رجعتم إلى الله من الأوثان لتعبدوا الله الحي الحقيقي وتنتظروا ابنه من السماء… الذي ينقذنا من الغضب الآتي ” (1تس9:1ـ10) .

ويقول لأهل كورنثوس بعد أن ذَكَرَ ثباتهم فى الإيمان “وأنتم متوقعون استعلان ربنا يسوع المسيح ” (1كو7:1). ويقول فى رسالة تيطس بعد أن تحدّث عن ظهور نعمة المخلّص ” منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلّصنا يسوع المسيح” (تى11:2ـ13). ويتحدّث الرسول بولس لأهل فيلبى قائلاً ” فإن سيرتنا نحن فهي في السموات التي منها أيضًا ننتظر مخلّصًا هو الرب يسوع المسيح الذي سيغيّر شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده … ” (فى20:3ـ21) . وهكذا يتحدّث أيضًا إلى أهل تسالونيكى قائلاً: ” لكي يثبت قلوبكم بلا لوم في القداسة أمام الله أبينا في مجيء (Παρουσία) ربنا يسوع المسيح مع جميع قديسيه” (1تس13:3) . ويقول أيضًا ” لأن الرب نفسه بهتاف بصوت رئيس ملائكة سوف ينزل من السماء والأموات في المسيح سيقومون أولاً ثم نحن الأحياء الباقين سنخطف جميعًا معهم في السحب لملاقاة الرب في الهواء وهكذا نكون كل حين مع الرب” (1تس16:4ـ17). وفى الرسالة الثانية يحدّثهم عن مجيء (Παρουσία) الرب يسوع ثانية أنه سيتم بعد الارتداد واستعلان إنسان الخطية ” الذي سيبيده الرّب بنفخة فمه ويبطله بظهور مجيئه” (أنظر2تس1:2ـ12). ويوصى تلميذه تيموثاوس الأسقف أن يحفظ الوصية بلا دنس أو بلا لوم إلى ظهور ربنا يسوع (1تى14:6) . ويقول له أيضًا ” أناشدك أمام الله والرب يسوع المسيح العتيد أن يدين الأحياء والأموات عند ظهوره وملكوته أكرز بالكلمة في الوقت المناسب وغير المناسب” (2تى1:4، 2). ويقول في الرسالة إلى العبرانيين ” هكذا المسيح أيضًا بعدما قدّم مرّة ليحمل خطايا كثيرين سيظهر ثانية بلا خطية للخلاص للذين ينتظرونه” (عب28:9).

كما يقول بطرس الرسول ” فألقوا رجاءكم بالتمام على النعمة التي يُؤتى بها إليكم عند استعلان يسوع المسيح” (1بط13:1). وأيضًا ” سيأتي كلص في الليل كيوم الرب الذي فيه تزول السموات بضجيج وتنحل العناصر محترقة وتحترق الأرض والموضوعات التي فيها … منتظرين وطالبين سرعة مجيء يوم الرب ….” (2بط10:3ـ12) .

والرسول يوحنا يقول ” أيها الأولاد أثبتوا فيه حتى إذا ظهر يكون لنا ثقة ولا نخجل منه بمجيئه …” وأيضًا ” نعلم أنه متى أظهر نكون مثله لأننا سنراه كما هو، وكل ما عنده هذا الرجاء به يطهر نفسه كما هو طاهر” (1يو28:2)، (1يو3:2).

4 ـ عودة المسيح من السماء في عبادة الكنيسة (الليتورجيا) :

أصبح وعد المسيح الإلهي بمجيئه ثانية من السماء سببًا فى إلهاب قلوب المؤمنين في الكنيسة الأولى في رجاء حار، امتد إلى كل العصور. وقد عبّرت الكنيسة عن هذا اليقين وذلك الرجاء في نصوص وقوانين للإيمان والتي هي أساس عبادتنا الليتورجية. تلك النصوص التي ظهرت في عصر الرسل وحتى قانون إيمان نيقيا ـ القسطنطينية، كما سنرى :

أ ـ في عصر الآباء الرسوليين:

تمدنا كتابات الآباء الرسوليين بنصوص هامة عن مضمون الإيمان أو اعتراف الإيمان في ذلك العصر:

1 ـ الشهيد بوليكاربوس: (+155م )

فالإيمان والاعتراف بالمسيح لا يشمل فقط الاعتراف بظهوره متجسدًا بل الاعتراف بالإيمان بظهوره الآتي من السماء للدينونة كما كتب الشهيد بوليكاربوس في القرن الثاني في رسالة إلى أهل فيلبى يعرفنا في بدايتها بالتعاليم التي تسلّمها منذ البدء والتي تمثل بالنسبة له “إيمان” يجب التمسّك به وعدم التفريط فيه فيقول:

{شدوا أحقاؤكم واتقوا الله بالمخافة والحق طارحين جانبًا كلام الثرثرة الفارغ وضلال الأمم موطدين الإيمان على مَنْ أقام ربنا من الموت وأعطاه المجد والملك عن يمينه وله يخضع كل ما في السماء وعلى الأرض ويعطى كل مَنْ فيه نسمة حياة وعندما يأتي ليدين الأحياء والموتى سيقاضى عن دمه كل من رفض الإيمان به} (2ـ7).

2 ـ القديس إيريناوس: (كتب ما بين 150ـ210)

في هذه الفترة كثرت الهرطقات وانتشرت ومع هذا فهو يكتب { إن الكنيسة مبعثرة في كل أرجاء المسكونة لكن لها إيمان واحد سُلِّم من الرسل ثم إلى تلاميذ الرسل } . ولهذا فقد اجتهد أن يُظهر إيمان الكنيسة في كتابه ضد الهرطقات في صياغة محددة ومعروفة: {لأن الكنيسة المبعثرة في كل أرجاء المسكونة وحتى إقصاء الأرض قد استلمت من الرسل والتلاميذ ما وصل إلينا: إيمانهم في الله الواحد الآب ضابط الكل الذي خلق السماء والأرض والبحار وكل ما فيها. وبالمسيح الواحد يسوع ابن الله الذي تجسد لأجل خلاصنا وبالروح القدس الذي أعلن من خلال الأنبياء التدبير الخلاصي الذي تضمن مجيء (الابن) والميلاد من العذراء والآلام والقيامة من بين الأموات وبصعوده إلى السموات ومجيئه الثاني من السموات بمجد الآب لكي يجمع كل الأشياء ويقيم من جديد أجساد البشرية كلها.. لكي يدين بالعدل كل البشر لأنه سيرسل إلى النار الأبدية كل قوّات الشرّ الروحية والملائكية الذين أخطأوا أو عصوا وكل الأشرار من الناس. أما الأبرار فإنه سيعطيهم الحياة والخلود ضامنًا لهم المجد الأبدي} (ضد الهراطقات 10:1 مجلد 549:7).

وإن كانت الأسفار المقدسة قد احتوت اعترافًا بالإيمان إلاّ أن وجود صيغة محددة للإيمان ومعروفة كانت ضرورية لمن ليس لديهم هذه الأسفار بلغتهم من الشعوب غير اليونانية واللاتينية، فعلى أساس هذه الصيغة الإيمانية كانت تُمارس العبادات الليتورجية فيقول القديس إيريناؤس: { هؤلاء ليس لديهم الأسفار المقدسة بلغتهم لكنهم يعرفون محتويات الرسالة والإيمان المسيحي لأنه مكتوب على قلوبهم وهم يعلنون مع الذين لديهم الأسفار الإيمان بإله واحد خلق السماء والأرض وكل ما فيهما في المسيح يسوع ابن الله الذي جاء من أجل عظم محبته للخليقة وولد من العذراء لكى يتمجد فيه الإنسان بالله، ومات على عهد بيلاطس البنطى وقام وصعد بمجد عظيم وسيأتي في اليوم الأخير.. بالروح القدس…….} .

2 ـ القديس هيبوليتوس: (استشهد عام 235م)

يذكر ق. هيبوليتوس أو أبوليدس كما نسميه بالعربية في كتابه ضد هرطقة نوئيتس، الصيغة التي أقرها الأساقفة بسميرنا في أسيا الصغرى عن الاعتراف بالإيمان الذي يُمارس في عبادة الكنيسة ، فيقول { نمجد الإله الواحد ولكن كما نعرفه ونقبل المسيح ابنًا لله الذي تألم كما هو معروف لنا ومات بالطريقة المعروفة (الصليب) وقام في اليوم الثالث وهو عن يمين الآب وسيأتي ليدين الأحياء والأموات} (ضد نوئيتس1،235ـ237).

3 ـ القرن الثالث الميلادي :

تمدنا مصادر القرن الثالث الميلادي بطريقة ممارسة الاعتراف بالإيمان، الإيمان لا في صيغته الثالوثية البسيطة فقط بل الإيمان مُصاغ في نصوص تُعبّر عن حقائق سر التدبير الإلهي الذي استعلن لنا محبة الله، بتجسد الرب يسوع وميلاده من الروح القدس ومن مريم العذراء وصلبه وموته وقيامته وجلوسه عن يمين الآب وبالطبع ظهوره الثاني الآتي من السماء وقيامة الأموات وحياة الدهر الآتي. هذا الإيمان يُمارس ليتورجيًا في أسرار الكنيسة وفى تسبحتها وصلواتها كما سنرى.

وأول هذه الأسرار هي سرّ المعمودية فلقد كانت المعمودية هي من أهم المناسبات للاعتراف بهذا الإيمان أي الاعتراف بالمسيح يسوع حيث إن المعمودية كانت تُجرى باسم الرب يسوع كما يشهد سفر الأعمال (16:8، 5:19). غير أن هذا الاعتراف والذي هو أساس لإجراء المعمودية مرَّ بمراحل عديدة بداية من زمن العهد الجديد وحتى المجمع المسكوني الثاني في القرن الرابع الميلادي كما سبق القول.

فكما كانت فرصة القدوم للمعمودية هي المناسبة الأولى التي تلزم ضرورة الاعتراف بالإيمان. فقد كانت طقوس المعمودية ذاتها هي المناسبة الثانية لما يتم فيها من “استجواب” في الماء للوقوف على مدى استعداد المُعَّمد لقبول هذا الإيمان والاعتراف به فيقول العلامة ترتليان “عندما نغطس ثلاث مرات نجيب إجابة أطول من تلك التي قررها الرب في الإنجيل” ، أي اعتراف بالإيمان أكثر تفصيلاً من صيغة التعميد كما جاءت في مت 19:28. وهذا الاستجواب كان في صورة أسئلة محددة يسألها الكاهن وهو يضع يده على رأس المعمد في الماء والذي يجيب في كلِّ مرّة بأؤمن.

والذي يهمنا في سياق موضوعنا هو السؤال الثاني إذا كان يجب على الكاهن التأكد من خلال إجابة المُعمّد من إيمانه ليس فقط بالسيد المسيح ومجيئه في الجسد وإتمامه لسر الفداء بصلبه وموته وقيامته ، بل أيضًا التيقن من إيمانه بعقيدة ظهور المسيح الآتي من السماء فكان يسأله كالآتي:

1ـ هل تؤمن بالله الآب ضابط الكل؟ فيرد المُعمّد قائلاً: أؤمن به. عندئذ فليعمّده للمرِّة الأولى ويده على رأسه ثم يقول:

2ـ هل تؤمن بالمسيح يسوع ابن الله الذي ولد بفعل الروح القدس ومن العذراء مريم ومات وقُبر وقام حيًا من بين الأموات فى اليوم الثالث وجلس عن يمين الآب وسيأتي ليدين الأحياء والأموات؟ فيقول المُعمّد: أؤمن. عندئذ يعمده للمرة الثانية ويعود فيسأله:

3ـ هل تؤمن بالروح القدس وبالكنيسة المقدسة وبقيامة الجسد؟ فيقول المُعمّد: أؤمن. وعليه يعمّده للمرّة الثالثة، وعندما يخرج من الماء يدهنه الكاهن بالزيت المقدس باسم يسوع المسيح” .

غير أنه بانتهاء طقس المعمودية لا تنتهي الفرصة للاعتراف بالإيمان وذلك لأن كل صلاة واجتماع مسيحي يعنى الاعتراف بالإيمان بهذه الباروسيا أو هذا الحضور الآتي من السماء، في احتفالية ليتورجية كما كان يجرى قديمًا، مثلما شرحنا في المقدَّمة.

5 ـ الباروسيا وليتورجيا الإفخارستيا:

كانت عبادة الكنيسة الليتورجية منذ عصر الرسل مشدودة بقوة برجاء وعودة المسيح من السماء. فقد تركزت عبادة الكنيسة حول آلام المسيح الخلاصيّة وقيامته من الأموات وصعوده إلى السموات إلى عرش المجد وانتظار مجيء المسيح ثانية.

فما اجتماع الكنيسة في عشاء الرب أو الإفخارستيا إلاّ لكي تذكر آلامه وقيامته وصعوده وتتحد بجسده المُمجد ودمه المحيّ وذلك في انتظار مجيئه ثانية، كما يعبر الرسول بولس عن عبادة الكنيسة وهى مجتمعة في احتفالية الباروسيا ” فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تخبرون بموت الرب إلى أن يجيء” (1كو26:11). فالأكل من هذا الخبز والشرُّب من هذه الكأس يتطلّب اجتماع المؤمنين بهذه الباروسيا حيث المسيح في مجده والكنيسة تصلى إليه “ماران آثا” تعال أيها الرب.

وما دعوة وطِلبة الكنيسة هذه “ماران آثا” إلاّ تعبيرًا عن نفس الحقيقة في أن الرَّب يسوع آتى وأسس الكنيسة وهو يأتي مع كنيسته في الإفخارستيا وأنه سيأتي ثانية من السماء .

وعلى هذا الأساس فالكنيسة تقدّم عبادتها فى ليتورجية الإفخارستيا على رجاء مجيء المسيح أو ” إلى أن يجيء” (1كو26:11). ولا تزال الكنيسة تعلن في ليتورجية الإفخارستيا عن هذه الحقيقة في إحساسها الروحي بمجيء المسيح : أتى ويأتي وسيأتي.

أتى: بتجسده وميلاده الزمني وتأسيسه لسر الإفخارستيا.

يأتي: في كل مرَّة تقيم فيها سر الشكر ولهذا فالإفخارستيا هي احتفال وشكر بحضوره ولهذا تصرخ الكنيسة في قداس القديس غريغوريوس قائلة ” قدوس قدوس قدوس ربّ الصاباؤوت السماء والأرض مملؤتان من مجدك الأقدس، هوشعنا في الأعالي مبارك الذي أتى ويأتي باسم الرب” .

سيأتي: إذ تذكر الكنيسة أنها تقدّم القرابين في انتظار ظهور المسيح الثاني فتقول ” ففيما نحن نصنع ذكر آلامه المقدسة وقيامته من الأموات وصعوده إلى السموات وجلوسه عن يمينك وظهوره الثاني الآتي من السموات المخوف المملوء مجدًا .. نقدم لك قرابينك” .

6 ـ الباروسيا وليتورجية التسبحة :

صاغت الكنيسة إيمانها بظهور المسيح الثاني، ليس فقط في نصوص ليتورجية المعمودية والإفخارستيا، كما رأينا ، بل نجد هناك صياغة واضحة لتلك الحقيقة في نصوص التسبحة اليومية.

أ ـ إبصالية الخميس:

والمعروف أن الإبصاليات هي صلوات يومية لتسبيح اسم الرب يسوع، غير أن إبصالية الخميس تدعونا لكي “نبارك اسم الخلاص الذي لربّنا يسوع المسيح”. واضح أمامنا ـ في ثمانية أرباع ـ ما أتمه الربّ يسوع المولود من الآب قبل كل الدهور بميلاده من العذراء في بيت لحم، واعتماده في نهر الأردن وصومه الأربعين عنّا وصلبه على الصليب وقبره وقيامته. وفى ختام هذه الأرباع ندعو “يا ربى يسوع المسيح الآتي في ظهوره الثاني أصنع معنا محبة أمام منبرك المخوف”.

ب ـ ختام الثاؤطوكيات الواطس:

تختم الكنيسة صلواتها المعروفة بالثاؤطوكيات والتي تُعبّر فيها عن إيمانها بشخص المسيح المخلّص، كلمة الله المتجسد، وفى رجاء ظهوره الثاني تضرع إليه أن تكون قد أرضَتْ الربّ بأعمالها لتسمع صوته الممتلئ فرحًا فتقول ” يا ربنا يسوع المسيح حامل خطية العالم، احسبنا مع خرافك الذين عن يمينك، عند ظهورك الثاني المخوف فلا نسمع برعدة أنى لست أعرفكم، بل فلنستحق سماع الصوت الممتلئ فرحًا “.

ج ـ ذكصولوجية أحد الشعانين:

هناك مقارنة تُعبّر عن فرح الكنيسة وهى منتظرة مجيئه في مجده من السماء تستقبل بفرح وتهليل المسيح الآتي لخلاصها في دخوله إلى أورشليم وبالأكثر تبارك ظهوره الثاني فتقول: “مبارك الآتي باسم الرب رب القوات، وفى ظهوره الثاني يرتفع بالأكثر إلى الأبد”.

دـ إبصالية آدام لعيد التجلي:

في عيد التجلي ظهر مجد الربّ واضحًا على جبل طابور، واستعلنت إلوهية الابن المتجسد. فالكلمة الأزلىّ أتى إلى عالمنا وخلّصنا لأنه هو الله الكلمة وله أُعطيت الدينونة في مجيئه الثاني ولهذا تسبحه الكنيسة قائلة “الكائن الذي كان الذي أتى إلينا وأيضًا يأتي ثانية ليحاكمنا”.

وهكذا عبّرت نصوص عبادتنا الليتورجية عن الحقيقة الإيمانية بظهور المسيح الآتي من السماء، إذ هو موضوع الرجاء المسيحي للكنيسة في كل العصور وجعلته الكنيسة أحد البنود الثابتة في جميع قوانين الإيمان منذ عصر الرسل وحتى قانون إيمان نيقية ـ القسطنطينية الذي نعترف به إلى الآن في صلواتنا فنردد في إيمان ” وأيضًا سيأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات … وليس لملكه إنقضاء … وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي آمين”.


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *