July 2019
S M T W T F S
« Jun    
 123456
78910111213
14151617181920
21222324252627
28293031  

أولاً: نظرة العهد القديم إلى الرجاء

           فى العهد القديم لا يوجد مفهوم محايد “ للتوقع” أى الرجاء. فالتوقع يكون إما توقع للخير أو توقع للشر، ولذلك فهو إما “رجاء” أو “خوف”. لذلك فالرجاء يختلف لغويًا عن الخوف من المستقبل. الرجاء كتوقع للخير مرتبط ارتباطًا وثيقًا “بالثقة”، والتوقع هو أيضًا اشتياق، وهو ما يتم التأكيد فيه على عنصر “الانتظار الصبور” أو على الهروب إلى الملجأ.

          وهكذا فالرجاء هو ترجى الخير، وطالما توجد حياة يوجد رجاء.

          ولكن هذا الرجاء ليس حلمًا منعشًا من نتاج الخيال يجعلنا ننسى مشاكلنا الحاضرة.

1 ـ حياة الأبرار مؤسسة على الرجاء. فأن يكون عندك رجاء أو أن يكون لك مستقبل، فهذا يدل على أن الأمور تسير معنا سيرًا حسنًا[1].

          + فإن تلاشى الرجاء، ضاع كل شئ: فنقرأ فى المراثى: “ وقلت بادت ثقتى ورجائى من الرب “ (مر18:3)؛ وأيضًا فى أيوب “ ما هى قوتى حتى أنتظر وما هى نهايتى حتى أُصبّر نفسى“ (أى11:6)،            “ أيامى تنتهى بغير رجاء” (أى6:7).

          + والرجاء يتلاشى مع الموت: “ الهابطون إلى الجب لا يرجون أمانتك “ (إش18:38؛ “… ها هم يقولون يبست عظامنا وهلك رجاؤنا. قد انقطعنا” (حز11:37)؛ “ فأين إذاً آمالى. من يعاينها”.

 2 ـ هذا الرجاء متجه إلى الله بشكل طبيعى:

          + فالذى يتكل على الله ينال عونًا[2].

          + والذى يتكل عليه لا يخزى[3].

          + الآباء اتكلوا عليه ولم يخزوا: “ عليك اتكل آباؤنا. اتكلوا فنجيتهم،.. عليك اتكلوا فلم يخزوا” (مز5،4:22).

          + البار يتكل على رحمة الله: “ أما أنا فعلى رحمتك توكلت” (مز5:13)؛ “ هوذا عين الرب على خائفيه الراجين رحمته… يارب لتكن رحمتك علينا حينما انتظرناك” (مز22،18:33)؛ “ توكلت على رحمة الله إلى الدهر والأبد “ (مز8:52).

          + البار ينتظر الله: “ لا أخزى لأنى عليك توكلت” (مز20:25)، وينتظر أحكامه “ ففي طريق أحكامك يا رب انتظرناك “ (إش8:26).

          + الله هو رجاء البار ومتكله: “ الله لا ينسى المسكين إلى الأبد. رجاء البائسين لا يخيب إلى الدهر” (مز18:9)، “ إله خلاصنا يا مُتَكْل جميع أقاصي الأرض والبحر البعيدة” (مز5:65)؛ “ لأنك أنت رجائي يا سيدي، متكلى منذ صباي “؛ “ لأنك قلت: أنت يا ربى ملجأي” (مز9:91).

          + الخلاص هو لمَن يتكلون على الله: “ أقول الرب ملجأي وحصني إلهي فأتكل عليه، لأنه ينجيك من فخ الصياد ومن  الوبأ الخطر” (مز1:91ـ3).

          + البار يجب أن يتكل على الله وينتظره: “ اذبحوا ذبائح البر وتوكلوا على الرب “ (مز5:4)؛ “ انتظر الرب ليتشدد ويتشجع قلبك وانتظر الرب “ (مز14:27).

 3 ـ وهذا الرجاء يُشار إليه كثيرًا حينما يكون الإنسان في ضيق واضطراب ويرجو أن ينقذه الله ويعينه. ولذلك فهو اتكال وثقة:  “ إليك يا رب رفعت نفسي يا إلهي عليك توكلت … فلا تدعني أخزى … أيضًا كل منتظريك لا يخزوا …” (مز1:25ـ3).

          + وهذا الاتكال المملوء بالرجاء مطلوب دائمًا حتى في أوقات البركة: “ طوبى للرجل الذي جعل الرب متكله” (مز4:40)؛ “ توكلت على رحمة الله إلى الدهر والأبد” (مز8:52)؛  “ مبارك الرجل الذي يتكل على الرب، وكان الرب متكله” (ار7:17). “ هوذا الله خلاصي فأطمئن ولا ارتعب لأن ياه يهوه قوتى وترنيمتى وقد صار لى خلاصًا” (إش2:12).

          وحينما نتذكر أن المزامير صارت هى كتاب الصلاة للكنيسة، يمكننا حينئذٍ أن ندرك أن هذا المطلب قد أصبح مطلقًا.

          فالأبرار دائمًا ينظرون إلى ما سوف يفعله الله، حتى أن الرجاء لا يكون متجهًا إلى أى شئ خاص، كما أنه لا يعرض وجهة نظره الخاصة للمستقبل، بل بالحرى فإن الرجاء يتكون من ثقة عامة فى حماية الله ومعونته. وهذا يتضح بنوعٍ خاص بقوة :

          أ ـ حينما يقول الكتاب إن الله بالحرى يعطى الرجاء أكثر مما يعطى المعونة [مثلاً فى إر11:29          “ الأفكار التى أنا مفتكر بها عنكم يقول الرب، أفكار سلام لا شر لأعطيكم آخرة ورجاءً”، “ ويوجد رجاء لآخرتك يقول الرب” (إر17:31)، وأيضًا “ وأعطيها وادى عخور بابًا للرجاء ..” (هو15:2)].

          ب ـ وأيضًا يتضح حينما يُوصف وقت الخلاص بأنه وقت اطمئنان وسلام: [مثلاً “ويسكن شعبى فى مساكن السلام وفى مساكن مطمئنة وفى محلات أمينة” (إش18:32)، وأيضًا “ ويسكنون فيها آمنين.. ويسكنون فى آمنٍ..” (حز26:28)].

          ج ـ وهذا أيضًا ما يعبر عنه بأنه فى التصريحات عن الرجاء، فإن الأمر الذى يُرجى ـ لا يُذكر فى مرات كثيرة، بينما ما يُذكر هو أساس الرجاء (أى الله نفسه، أو أمانته، أو اسمه).

          + ولذلك يمكن أن يُقال إن الله هو رجاء الأبرار أو مُتَكّلهم (“ مبارك الرجل الذى يتكل على الرب” (إر7:17)؛ “ احتمى بستر جناحيك” (مز4:61)؛ “ لأنك أنت رجائى يا سيدى الرب متكّلى منذ صباى” (مز5:71). وهنا يظهر الاختلاف بين الرجاء وبين الأمل البشرى أو التوقعات الذاتية التى تتم بأية وسائل تقع تحت سيطرة الإنسان. فحتى الحاضر الذى يظن الإنسان أنه يستطيع التحكم فيه، هو غير مؤكد ولا يمكن حسابه بالضبط. وهكذا يتضاءل الفرق بين “الرجاء” و”الاتكال”. فالثقة واليقين يكونان عادة مبنيان على رجاء أن الحالة الحاضرة سوف تظل موجودة حتى أن العوامل التى يعتمد عليها الإنسان لن تتغير. ولكن حينما لا تكون هذه الثقة وهذا اليقين مبنيان على الرجاء فى الله، فإن هذه الثقة تكون أمانـًا غير مسئول وبدون أساس، ومثل هذا الأمان يتبدد فجأة ويتحول إلى خوف وقلق (أنظر مثلاً إش10،9:32 “ أيتها النساء المطمئنات قمن واسمعن صوتي، أيتها البنات الواثقات أصغين لقولى. أيامًا على سنة ترتعدن أيتها الواثقات لأنه قد مضى القطاف الاجتناء لا يأتى”، وأيضًا صفنيا15:2 “ هذه هى المدينة المبتهجة الساكنة مطمئنة القائلة فى قلبها أنا وليس غيرى. كيف صارت خرابًا”).

 4 ـ يجب ألاّ يتكل الإنسان على:

          أ ـ غناه: أنظر مز7:52 حيث ينتقد الإنسان الذى يتكل على كثرة غناه ولم يجعل الله حصنه. وأيضًا فى أى24:31 حيث يعتبر الاعتماد على الذهب أو الاتكال على الإبريز من بين الأمور “ الآثمة التى تعرض للدينونة، إذ يكون قد جحد الله”.

          ب ـ ولا على بره الذاتى: “ إن اتكل البار على بره وأثم… يموت” (حز13:33).

          ج ـ ولا على الناس: “ ملعون الرجل الذى يتكل على الإنسان ويجعل البشر ذراعه. وعن الرب يحيد قلبه” (إر5:17).

          د ـ ولا على ميراثه الدينى، سواء كان الهيكل “.. لا تتكلوا على كلام الكذب قائلين هيكل الرب هيكل الرب هو” (إر4:7)، أو بيت إيل (أنظر إر13:48)، أو الأوثان “ ويل للقائل للعود استيقظ وللحجر الأصم انتبه..” (أنظر حبقوق19،18:2).

 5 ـ أفكار الناس وحساباتهم باطلة: “ الرب يعرف أفكار الإنسان أنها باطلة”(مز11:94)، والرب يلاشيها: “.. الرب لاشي أفكار الشعوب” (مز10:33).

قلب الإنسان يفكر فى طريقه ولكن الرب يهدى خطواته” (أم9:16).

 6 ـ الأمة وقادتها ومفكريها سوف يخزون إذ هم اعتمدوا على قوى يمكن حسابها وعلى معاهدات مع بلاد أخرى “ ويل للذين ينزلون إلى مصر للمعونة ويستندون على الخيل ويتوكلون على المركبات الكثيرة وعلى الفرسان الأقوياء ولا ينظرون إلى قدوس إسرائيل ولا يطلبون الرب” (إش1:31) (وأيضًا أنظر هو13:10 و2مل24:18…).

          مثل هذا الاتكال يظن أنه يمكن أن يعتمد على عوامل يمكن التحكم فيها، ولكن الرجاء ينبغى أن يتجه نحو ذلك الذى لا يمكن التحكم فيه أى الله.

          + هذا الرجاء الواثق فى الله هو خالٍ من كل قلق: [ “ هوذا الله خلاصي فاطمئن ولا أرتعب لأن ياه قوتى وتسبحتى وقد صار لى خلاصًا” (إش2:12)، وأيضًا أنظر إش4:7؛ مز2:46؛ وأم1:28). ولكن هذا الرجاء ينبغي أن يكون مصحوبًا بمخافة الله [ “ فى مخافة الرب ثقة شديدة ويكون لبنيه ملجأ” (أم16،26:14) وأيضًا أنظر إش11:32؛ ومز18:33؛ ومز4،3:40)].

          + لهذا السبب يجب أن يكون الرجاء انتظارًا لله بهدوء: “ بالرجوع والسكون تخلصون، بالهدوء والطمأنينة تكون قوتكم…” (إش15:30)؛ وأنظر أيضًا (مز5:37ـ7).

          + وإن كان العون المتوقع من الله ينقذ الإنسان من الشدة الحاضرة: “ أما أنا فعلى رحمتك توكلت يبتهج قلبى بخلاصك” (مز5:13) وأيضًا (مز21،17:33؛ مز123،81:119)، فهو بنوع خاص ينظر إليه على أنه هو العون السماوى الأخروى الذى يضع نهاية لكل شدة: “ ويُقال فى ذلك اليوم هوذا هذا إلهنا انتظرناه فخلصنا. هذا هو الرب الذى انتظرناه نبتهج ونفرح بخلاصه” (إش9:25) وأنظر أيضًا إش8:26؛ 15:30؛ 5:51 وكما يقول في أرميا “ … يقول الرب لأعطيكم آخرة ورجاء “ (أر11:29) وأنظر أيضًا (أر16:31، ميخا7:7)

+ موقف الرجاء المنتظر والواثق يعبر بشكل متزايد عن حقيقة أن كل شئ في الحاضر الأرضى هو مؤقت، ولذلك فإن الرجاء يصير أكثر فأكثر رجاء في المستقبل الأخروى.

 ثانيًا: الرجاء المسيحى

حسب العهد الجديد والكنيسة الأولى

           معنى الرجاء في العهد الجديد مستقى أساسًا من نظرة العهد القديم للرجاء:

1 ـ فإن كان الرجاء مثبتًا في الله، فهو يشمل العناصر الثلاث معًا وهى:

أ ـ توقع المستقبل                             ب ـ الثقة                                                ج ـ صبر الانتظار

وقد يحدث التأكيد على أحد هذه العناصر أكثر من العنصرين الآخرين.

          تعريف الإيمان “ بالثقة فيما يُرجى” (عب1:11) يتمشى مع استعمال الترجمة السبعينية الذي يربط بشدة بين “الإيمان” و”الرجاء”، إذ يوجد تأكيد على يقينية الثقة في مستقبل مُقدّم من الله. وعبارة “ وبرهان الأمور التي لا ترى” (عب1:11) تشدد أكثر على صفة التضاد في هذه الثقة الراجية لدرجة أنها لا تستطيع أن تستند على عوامل يمكن التحكم فيها.

2 ـ بولس الرسول

أ ـ يقول الرسول بولس عن الرجاء في (رو24:8) “ الرجاء المنظور ليس رجاء، لأن ما ينظره أحد كيف يرجوه أيضًا”. وعلى هذا الأساس يكون الرجاء ممكنًا كموقف من جهة المستقبل فقط، عندما يكون الأمر الذي يُرجى ليس حاضرًا بعد، وبذلك يكون المعنى الإيجابى هو أن الرجاء لا يمكن أن يرتبط      “ بالأمور التي تُرى لأنها وقتية” (2كو18:4)، فكل ما هو مرئى ينتمى إلى دائرة الجسد، الذي لا يمكن أن يؤسس عليه “رجاء”.

ب ـ ثم يؤكد الرسول بولس على عنصر “ الانتظار الصبور” في “الرجاء” (1كو13:1).     “ المحبة … ترجو كل شئ وتصبر على كل شئ”، ويقول أيضًا ”… إن كنا نرجو ما لسنا ننظره فإننا نتوقعه بالصبر” (رو25:8). هذا العنصر في الرجاء نجده في التضاد الوارد في (رو18:4) “ فهو على خلاف الرجاء آمن على الرجاء”، وهنا حينما لا نعود بعد نعتمد على عوامل يمكن التحكم فيها، فإننا نحتاج أن نثق في المستقبل الإلهى.

ج ـ كلمة “رجاء” يرجو[4]، تحوى عنصر الثقة الأكيدة في (1كو15) “ إن كان لنا رجاء في المسيح في هذه الحياة فقط”، (2كو10:1) “ الذي لنا رجاء فيه أنه سينجى أيضًا فيما بعد”، (2كو12:3) “ وإذ لنا رجاء مثل هذا..”، (في20:1) “ حسب انتظارى ورجائى…”، (عب6:3) “… إن تمسّكنا بثقة الرجاء وافتخاره”، (1بط21:1) “ حتى أن إيمانكم ورجاءكم هما في الله”. ويمكن أن تترجم حتى أن إيمانكم هو أيضًا رجاء في الله. وفي هذه الحالة يتم التأكيد على أن الانتظار الواثق للمستقبل الإلهى هو جزء من الإيمان. بينما في (رو4:5) “ الصبر ينشئ رجاء”، و(رو4:15) “ بالصبر يكون لنا رجاء”، و(1تس3:1) “ صبر رجائكم” نجد ان التشديد الأساسى هو على “الاحتمال الصبور” كما نجده في (1تس8:5) “ رجاء الخلاص “. أنظر أيضًا (مز22:77) “ غضب الرب.. لأنهم لم يتكلوا على خلاصه”، و(عب11:6) “ يظهر هذا الاجتهاد عينه ليقين الرجاء إلى النهاية “؛ و(عب23:10) “ لنتمسك بإقرار الرجاء راسخًا ..”. والمهم في الأمر أنه لا يمكن فصل عنصر بمفرده عن بقية العناصر[5].

د ـ مفهوم الرجاء في العهد الجديد يختلف عن العهد القديم من جهة موقف الشخص الذي يرجو كما نرى بوضوح في (2كو1:3ـ18). بالثقة التي يفتخر بها بولس في عدد 4 والرجاء الذي يفتخر به في عدد 12 من هذا الإصحاح (2كو3) هما أساسًا “ثقة” و”يقين” يملكهما كخادم للعهد الجديد وهما يعادلان “الحرية” في عدد 17 التي هى حرية من الناموس ومن الموت، حتى أن المجاهرة (عدد 12) “ مجاهرة كثيرة”، و(2كو4:7) “ لى ثقة بكم”. والافتخار ( 2كو12:1 “ فخرنا هو شهادة ضميرنا “؛ 2كو4:7 “ لى افتخار كثير”؛ (2كو8:10) “ إن افتخرت”؛ (2كو16:11) “ لافتخر أنا أيضًا”؛ (2كو17:11) “ في جسارة الافتخار هذه”؛ هما مؤسسان على هذه الحرية.

هـ ـ وهكذا فإن الرجاء المسيحى يعتمد على فعل الخلاص الإلهى الذي تم في المسيح وحيث إن هذا الخلاص هو متصل بالنهاية (أخروى)، فالرجاء نفسه يكون حركة أخروية، أى أن الآن (أى عصر التجسد والكنيسة) هو الوقت الذي يوجد فيه الرجاء بمعنى الثقة[6].

          + والانتظار الذي هو جزء من الرجاء يتحقق بواسطة الروح القدس الذي هو عطية الزمان الأخير (إش10:11 ، رو2:15). وهذا الرجاء يعتمد على الإيمان بعمل الخلاص (غلا5:5  “ فإننا بالروح من الإيمان نتوقع رجاء بر”)، مثلما أن الوجود في الرجاء في (رو24:8) “ بالرجاء تخلص”، يوصف بعدها مباشرةً على أننا محمولون بالروح “ الروح يعين ضعفاتنا” (رو26:8 وما بعدها).

و ـ وهكذا فإن الرجاء مع الإيمان يُكوِّنان الوجود المسيحى. وهذا هو سبب الصلاة الموجودة في (رو13:15) “ وليملأكم إله الرجاء كل سرور وسلام في الإيمان لتزدادوا في الرجاء بقوة الروح القدس”، وهذا أيضًا هو سبب وصية المؤمنين أن يكونوا “ فرحين في الرجاء” (رو12:12)، ووصف الوثنيين بأنهم “ لا رجاء لهم” (1تس13:4). وواضح أن هذا الوصف لا يعنى أنهم لا يتصورون وجود حياة بعد الموت وأيضًا (أف12:2) بل معناه أنه ليس عندهم ثقة وطيدة في هذه الحياة الآتية.

          + وحيث إن الإيمان يعمل بالمحبة (غلا6:5)، فإن الإيمان والمحبة والرجاء يشكّلون كيان المسيحى كما يصف بولس هذا الكيان في (1تس3:1) “ عمل إيمانكم وتعب محبتكم وصبر رجائكم”. وفي (1كو23:13) “ أما الآن فيثبت الإيمان والرجاء والمحبة”.

          ز ـ الرسول بولس يقول إن الرجاء “يثبت” حتى بعد أن “ينظر” وذلك لأن الرجاء لا يختص بتحقيق حلم بشرى للمستقبل، بل يختص بالثقة التي إذ تتوجه إلى الله بعيدًا عن العالم، فإنها تنتظر عطية الله بصبر، وحينما تنال العطية، فهى لا تستريح إلى ما نالته، بل تستريح في اليقين أن الله سيحفظ ما قد أعطى.

          + وحتى في “النهاية”، فإن الوجود المسيحى ـ لا يمكن أن يفهم بدون “الرجاء”.. أما قبل “النهاية” فإن عنصر المثابرة والانتظار الصبور يمكن التأكيد عليهما مثل:

(رو2:5، 4) “ ونفتخر على رجاء مجد الله”،

(رو20:8، 24) “ .. من أجل الذي أخضعها على الرجاء”، “  لأننا بالرجاء خلصنا. ولكن الرجاء المنظور ليس رجاء .. “.

(1كو19:15) “.. إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح..”.

(غلا5:5) “ فإننا بالروح من الإيمان نتوقع رجاء بر”.

(1تس19:2) “ لأن مَن هو رجاؤنا وفرحنا… أم لستم أنتم أيضًا أمام ربنا يسوع في محبته”.

          رغم أن هذا الانتظار يمكن أن يُساء فهمه إن كنا لا نشدد على كلمة خلصنا في (رو24:8)، وإن لم ينتج عن هذا الانتظار ثقة وافتخار.

 3 ـ الرسول يوحنا:

يتحدث الرسول يوحنا عن الرجاء المتجه نحو النهاية المستقبلة في (1يو3:3) “ وكل مَن عنده هذا الرجاء (رجاء ظهور المسيح ثانية بالمجد) به يظهر نفسه “.

          أما المقصود بمعنى “ الرجاء “ فنجده عند يوحنا ضمن معنى “ الإيمان “ ويمكن أن نستغرب لعدم استعمال كلمة “ رجاء “ في سفر الرؤيا، ولكن تزول دهشتنا إذا عرفنا أن معنى الرجاء موجود ضمن مفهوم “ الصبر “ في هذا السفر.

 4 ـ مواضع أخرى في العهد الجديد:

          أ ـ نجد في المواضع التي بها تأكيد يهودى قوى أن عنصر “ الانتظار “ للمستقبل الأخروى بارز بوضوح:

+ “ من أجل الرجاء الموضوع لكم في السموات “ (كو5:1)

+ “ التقوى لها موعد الحياة الحاضرة والعتيدة.. لأننا لهذا نتعب ونُعَيِّر لأننا قد ألقينا رجاءنا على الله الحى “ (1تي8:4، 10)

+ “ منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلّصنا يسوع المسيح “ (تي13:2)

+ “ حتى إذا تبررنا بنعمته بصيرورته حسب رجاء الحياة الأبدية “ (تي7:3)

+ “ … الله .. وَلدنا ثانية لرجاء حى .. لميراث “ (1بط3:1)

+ “ فالقوا رجاءكم بالتمام على النعمة التي يؤتى بها إليكم عند استعلان يسوع المسيح “ (1بط13:1)

+ “ نحن الذين التجأنا لنمسك بالرجاء الموضوع أمامنا. الذي هو كمرساة للنفس مؤتمنة وثابتة تدخل إلى ما داخل الحجاب حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا صائرًا على رتبة ملكى صادق رئيس كهنة إلى الأبد “ (عب18:6ـ20)

        ب ـ في سفر الأعمال بنوع خاص يشير إلى القيامة الآتية:

+ “ على رجاء قيامة الأموات أنا أحاكم “ (أع6:23)

+ “ ولى رجاء بالله في ما هم أيضًا ينتظرونه أنه سوف تكون قيامة للأموات الأبرار والأثمة” (أع15:24)

+ “ والآن أنا واقف أحاكم على رجاء الوعد الذي صار من الله لآبائنا… لماذا بعد عندكم أمرًا لا يُصدق إن أقام الله أمواتًا “ (أع6:26)

+ “.. من أجل رجاء إسرائيل أنا موثق بهذه السلسلة “ (أع20:28)

+ “ حتى جسدى أيضًا سيسكن على رجاء “ (أع26:2). حيث يربط مزمور 9:15 بقيامة المسيح [7].

          ج ـ التضاد من جهة أن “ الرجاء “ المسيحى هو نفسه بركة أخروية بسبب أن الرجاء في العهد القديم قد تحقق في إرسالية يسوع للعالم، يظهر بأكثر وضوح في (مت21:12) “ وعلى اسمه يكون رجاء الأمم “ الذي يفسر إشعياء بتحققها في الرب يسوع (أنظر أيضًا رو12:15) “ عليه سيكون رجاء الأمم “.

          د ـ وفي 1بط3:1 إذ يربط الرجاء الحى بقيامة يسوع المسيح من الأموات [8].

          هـ ـ وهذا التضاد يظهر بوضوح أقل عندما يوصف المسيح بأنه “ رجاؤنا“ أنظر: (1كو27:1)            “ المسيح رجاء المجد “، (1تيمو1:1) “ وربنا يسوع المسيح رجاؤنا[9].

+ وحينما يشار إلى الرجاء الذي يعطى لنا (2تس16:2) “ وأعطانا رجاء صالحًا بالنعمة “.

+ وحينما يقدم “ الرجاء “ سواء مرتبطًا بصفات أخرى، أو بمفرده، على أنه السمة المميزة للمسيحية (أنظر كو4:1 … الخ) “ من أجل الرجاء الموضوع لكم في السموات“، (تي1:1) “ على رجاء الحياة الأبدية“، (عب22:10ـ24) “… لنتمسك بإقرار الرجاء راسخًا .. “.

+ “  إن ثبتم … غير منتقلين عن رجاء الإنجيل ” (كو23:1)

+ “ … لتعلموا ما هو رجاء دعوته “ (أف18:1)

+ “ … كما ادعيتم في رجاء دعوتكم الواحد “ (أف4:4)

+ “ … عن سبب الرجاء الذي فيكم “ (1بط15:3)

          و ـ ومع ذلك فإنه لا توجد صور عن المستقبل (ما عدا في سفر الرؤيا)، وهكذا يمكن أن نرى الثقة في عمل الله كعنصر أساسى للتوقع المملوء بالرجاء، ويظل ثابتًا كما هو، كما نرى مثلاً في (1بط3:1)       “ ولدنا ثانية لرجاء حى ”، وفي (تي2:1) “ على رجاء الحياة الأبدية “، وفي (تي13:2) “ منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم “.

          ز ـ وأيضًا فإن ناحية “ الانتظار الصبور “ يتم التأكيد عليها أحيانًا كما في (كو23:1) “ وغير منتقلين عن رجاء الإنجيل“، (عب18:6ـ20) “ لنتمسك بالرجاء الموضوع أمامنا“، (عب23:10) “ لنتمسك بإقرار الرجاء راسخًا “.

الرجاء ليس جانبًا منفصلاً بذاته في الوجود المسيحى، بل يحقق نفسه في موقف جديد في مواجهة العالم، ولكن هذا قليلاً ما يَبْرُز في هذه الأوصاف الرسمية، رغم أنه في بعض الأحيان يتم التشديد عليه، مثل “ كل مَن عنده هذا الرجاء به يطهر نفسه“ (1يو3:3)؛ “ كما دعيتم في رجاء دعوتكم الواحد“ (أف1:4ـ4)؛ أنظر أيضًا (1تي5:5، تي11:2ـ14)، و“ القوا رجاءكم بالتمام على النعمة“ (1بط13:1). 



1 أنظر أم18:23 “ لأنه لابد من ثواب ورجاؤك نجيب” وأم14:24؛ “ إذا وجدت الحكمة فلابد من ثواب، ورجاؤك لا يخيب”؛ وأى18:11 “ وتطمئن لأنه يوجد رجاء”.

2 أنظر مثلاً مز7:28 “ الرب عزى ونصيبى عليه اتكل قلبى فانتصرت “.

3 “ يارب عليك توكلت فلا تدعنى أخزى، كل منتظريك لا يخزوا “ (مز3،2:25)؛ “ يارب عليك توكلت فلا تدعنى أخزى مدى الدهر” (مز14،1:31)؛ “ لا يخزى منتظروك يا سيد رب الجنود” (مز6:69)؛ “ ولا تخزنى من رجائى” (مز116:119)؛ “ أنا الرب الذى لا يخزى منتظروه” (إش23:49).

4 الكلمة العبرية “ الرجاء “ ترجمت في السبعينية باليونانية إلى 3 كلمات. أنظر (أم7:11) وهى: “ رجاء “ Helpis ، و “افتخار” Kavchisis ، “ الإيقان “ Hypostasis .

5 فعل “يرجو” و”رجاء” يُستعمل أيضًا للدلالة على “ الوثوق والاتكال “ في رسالة اكليمندس الأولى 1:11، مع فعل يؤمن، 2 اكليمندس 7:17، رسالة برنابا 3:6، هرماس Just.Dia 1, 35, 2. Herm . m, 12, 5, 22, 6, 4. ، (أنظر يو45:5) “… موسى الذي عليه رجاؤكم” وأنظر رسالة برنابا 16,17 .

6  أنظر أيضًا برنابا11:11

7  ويشار إلى القيامة أيضًا في اكليمندس الأولى 1:27.

8  في رسالة اغناطيوس إلى مغنيسيا 1:9 “ يتحدث عن الرجاء الجديد”، + وفي رسالة برنابا 8:16 “..نضع رجاءنا على الرب ونتجدد ونبنى من جديد “.

9  أغناطيوس (أف2:21) “ تشددوا بالله الآب وبيسوع المسيح رجائنا المشترك “؛ اغناطيوس (تراليا2:2) “… المسيح رجاؤنا الذي نشترك معه في الحياة الخالدة إذا عشنا فيه منذ الآن “؛ اغناطيوس (فيلادلفيا2:11) “… تقووا في الرب رجائنا المشترك “؛ برنابا (3:6) “ رجاؤنا في يسوع وليس في حجر “؛ برنابا (10:11) “.. مصعدين الماء وفي قلوبنا رجاء يسوع الذي نملكه في أرواحنا “؛ يوستينوس (حوار 4:160) “ … وترفضون الذين يضعون رجاءهم في المسيح “؛ يوستينوس (حوار 2:47) “ ويضعون رجاءهم في المسيح “؛ رجاء في صليب المسيح: برنابا (8:11) “ سعداء أولئك الذين إذ وضعوا رجاءهم في الصليب، نزلوا في الماء”؛ حوار يوستينوس (1:96) “رجاؤنا يستند على المسيح المصلوب”؛ حوار يوستينوس (3:110) “.. نعيش على الإيمان والرجاء.. الذي نلناه من الآب بواسطة المصلوب”؛ “والرجاء في اسمه” برنابا (8:16) “انتبهوا حتى يأتى البناء عظيمًا لأنه يبنى باسم الرب (يسوع)”. أنظر اكليمندس (3:29) “رجاء في اسمك يا الله “.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *