November 2017
S M T W T F S
« Oct    
 1234
567891011
12131415161718
19202122232425
2627282930  

إن مفاهيم الحرية والعدالة والسلام تمثل مجموعة من القيم المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالحضور الإلهى، لقد ظهرت كل القيم الجميلة التي تشكل الوجود الإنسانى وتعطى له معنى؛ نتيجة تجسد الكلمة. الكلمة صار جسدًا، صار واقعًا حيًا مرئيًا محسوسًا وملموسًا، “ الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة. فإن الحياة أظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأظهرت لنا “ (1يو1:1ـ3).

          هنا يشير القديس يوحنا بكل وضوح، ويؤكد على تلك الحقيقة المطلقة أن الحياة الحقيقية أُظهرت في كمالها، وهذه الحياة هى في الابن “ الله أعطانا حياة أبدية وهذه الحياة هى في ابنه. مَن له الابن فله الحياة. ومَن ليس له ابن الله فليست له الحياة “ (1يو11:5ـ12).

          وقد أكد المسيح نفسه على هذه الحقيقة حين قال لتلاميذه “ وتعلمون حيث أنا أذهب وتعلمون الطريق. قال له توما يا سيد لسنا نعلم أين تذهب. فكيف نقدر أن نعرف الطريق. قال له يسوع. أنا هو الطريق والحق والحياة “ (يو4:14ـ6).

 إذن، في نور المسيح تنكشف كل الحقائق، وتصير هذه القيم (الحرية ـ العدالة ـ السلام) قيم متجسدة وحيّة، لأن هذه القيم، بل وكل القيم الأخرى ظهرت واضحة في شخص الكلمة المتجسد. الاتحاد بالمسيح يقود بالضرورة إلى حياة روحية تتضمن كل هذه القيم. فالحرية هى من المسيح “ إن حرركم الابن فبالحقيقة تصيرون أحرارًا “ (يو36:8). والعدل هو من المسيح “وأما الآن فقد ظهر بر الله بدون الناموس مشهودًا له من الناموس والأنبياء. بر الله بالإيمان بيسوع المسيح” (رو21:3ـ22). والسلام أيضًا هو من المسيح “ لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحدًا ونقض حائط السياج المتوسط أى العداوة. مُبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض، لكى يخلق الاثنين في نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا صانعًا سلامًا “ (أف14:2ـ15). ولذلك فقد حل ملء الزمان حين تجسد الكلمة، هذا هو الملء الحقيقى، للزمان أن الكلمة صار جسدًا، صار واقعًا حيًا من أجل تجديد الإنسان، ورده إلى رتبته الأولى. لقد افتدى أولئك الذين هم تحت الناموس، والآن صارت لهم الإمكانية أن يحيوا في حرية وبر وسلام.

          إن الناموس أو أى قانون آخر لا يستطيع أن يحرر الإنسان، لأن دوره ينحصر في تنظيم العلاقات بين البشر وبيان الحدود التي يجب اتباعها، وأى تجاوز لهذه الحدود يقابل بتوقيع عقوبات، هذه العقوبات تضيق وتتسع وفقًا لحجم المخالفة. هذا هو دور القانون. أما النعمة فهدفها تحرير الإنسان لا عقابه[1]. وهذا هو ما دعى الرسول بولس أن يقارن بين حالة الإنسان تحت الناموس وحالته تحت النعمة: “ إذاً يا اخوتي أنتم أيضًا قد متم للناموس بجسد المسيح لكى تصيروا لآخر للذي قد أُقيم من الأموات لنثمر لله. لأنه كما كنا في الجسد كانت أهواء الخطية التي بالناموس تعمل في أعضائنا لكى نثمر للموت. وأما الآن فقد تحررنا من الناموس إذ مات الذي كنا ممسكين فيه حتى نعبد بجدة الروح “ الروح الجديدة “ لا بعتق الحرف “ (رو4:7ـ6). الكلمة أخذ جسدًا ليبرر الإنسان الخاطئ لا ليدينه، ويحرره من كل قيد ويهبه عطية الروح للحياة، لا ليتركه للفساد والموت. فقد مات الذي كنا ممسكين فيه: أى إنساننا العتيق الفاسد الذي صلب مع المسيح. ولأن الكلمة لا يمكن أن يموت، فقد أخذ جسدًا لكى يجتاز به الموت، دون أن يُمسك منه، وبهذا أمات الموت وقام حيًا. لقد أُستعلنت الحياة، ولا مجال لعودة الموت مرة أخرى. الأمر يحتاج فقط لأن نؤمن بهذه الحقيقة الإلهية؛ “ هذه هى مشيئة الذي أرسلنى أن كل مَن يرى الابن ويؤمن به تكون له حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير” (يو40:6). إذاً فالتمتع بالحياة الحقيقية يتطلب الإيمان بالابن الذي هو الحياة ومُعطى الحياة. إذا لم يؤمن الإنسان بالكلمة المتجسد تتشوه حياته وتتشوه معه الخليقة أيضًا. أى عندما يُقدم الإنسان على الظلم، أو الانتقام، أو الغيرة، أو الحقد، أو الحسد، أو القتل… فهذا معناه أن الكلمة المتجسد لم يملك بعد في حياته. أما في حالة الاتحاد بالمسيح فالأمر مختلف تمامًا حيث يتنسم الإنسان رائحة الحياة الجديدة، ويختبر قيمة السلوك تحت مظلة الروح القدس، ويغتنى بالنعمة الإلهية، ويطّلع على أسرار ملكوت الله، ويتملكه فرح كامل وبهجة كاملة، ويسعى في طريق الحق دومًا، ويقتفى آثار خطوات السيد الداعي للحرية والعدالة والسلام[2].

          الحرية والعدالة والسلام هى من المقومات الأساسية لوجود المجتمعات ولاستمرارها أيضًا، وغياب هذه القيم يعنى بالضرورة غيابًا لمعنى المجتمع. فالمجتمع الذي لا يمارس الحرية ولا يطبق مبادئ العدالة والسلام يظل ناقص التكوين مثل جنين لم يكتمل. فهذه القيم مرتبطة بالوجود الإنسانى فإذا لم تتحقق، فسيختفى معها جزء من حياة البشر الحقيقية، وإذا تحققت، اكتملت معها الصورة الحقيقية لمسيرة الإنسان.

          الحرية في جوهرها هى نوع من التجرد. هذا ما أكده القديس باسيليوس في رده على الحاكم ميدثتو “ماذا سيضرنى؟ هل سأخسر شئ؟ تروننى لست أملك سوى ثوبى الذي ألبسه، هل سأُرسل إلى المنفى. هذا أمر لا يشغلنى طالما أنى لست متعلقًا بمكان ما، هل سأموت؟ إن الموت سيكون بالنسبة لى عطية كبيرة، لأنه سيحملنى بأكثر سرعة إلى الله الذي هو حياتى” [3].

          هذه القيم لا تشكل فقط معاييرًا أخلاقية لضبط حركة المجتمع وإرساء حقوق أفراده في الحرية والعدالة والسلام، بل هى أيضًا قيم تكشف عن معنى الحياة الحقيقية. إن الحياة المسيحية هى في جوهرها أساس الحرية والعدالة والسلام. عندما دُفع للرب سفر إشعياء النبى ليقرأ، وجد الموضع الذي كان مكتوبًا فيه “ روح الرب علىّ لأنه مسحنى لأبشر المساكين، لأشفى المنكسرى القلوب، لأنادى للمأسورين بالإطلاق.. وأرسل المنسحقين للحرية “ (لو19:17). هنا السيد له المجد يحدد طبيعة رسالته، وهى موجهة بالأساس نحو المجتمع الإنساني المقهور.

          الحرية، والعدالة، والسلام هى قيم تستهدف المجتمع البشرى، ووجود البشر في الأساس مرتبط بمواقف وأحداث. فلا وجود لأشخاص بلا مواقف. فالظلم ينشئ ثورة، والبؤس والشقاء يدفعان نحو طلب العدالة، والحبس يثير السعى نحو الحرية. والتوتر والقلق يدعوان إلى طلب السلام. فلا وجود لواقع مجرد بلا أحداث وبلا مواقف، الحياة في المجتمعات تتشكل في إطار من العدل والظلم، من الحرية والعبودية، من الصدق والكذب، من المحبة والبغض[4]. لكن يظل الأساس الذي تقوم عليه المجتمعات هو العمل المشترك في إطار من احترام الحريات وإرساء مبادئ العدالة والسلام بين جميع أفراده. أما مصادرة الحريات وإثارة التوترات والقلاقل وانتشار الظلم، فهذا مؤشر واضح على خروج الإنسان الذي هو صورة الله عن مساره الطبيعى. الحياة المسيحية الحقيقية هى التي تتحرك تجاه البحث عن الأسباب التي تؤدى لظلم الإنسان وشقائه ويأسه وبؤسه وتعاسته، لأجل إزالة هذه الأسباب، ثم تقديم كل ما من شأنه أن يساهم في تحقيق معنى لحياته ووجوده. “ كان يسوع يطوف المدن كلها والقرى يعلّم بمجامعها ويكرز ببشارة الملكوت ويشفى كل مرض وكل ضعف في الشعب “ (مت35:9).

          إن الاكتفاء بمجرد الإشفاق على تعاسة الإنسان وظلمه دون المساهمة في تخفيف آلامه، يضع كثير من علامات الاستفهام حول حقيقة أن الإنسان هو صورة الله. لا يصح للمؤمن أن يتحدث عن الله بطريقة مجردة عن الواقع الحياتى، لأن الإيمان يفترض بذل مستمر للذات ولا يستطيع الإنسان أن يبذل ذاته ويحتفظ بها في نفس الوقت [5]. فالحديث عن الله هو في جوهره ممارسة حقيقية لعملية إماتة الذات من أجل الآخر. هكذا تتحقق صورة الله في الإنسان.

إن الوضع الحالى الذي آلت إليه المجتمعات، يكشف عن غياب لحضور الله في حياة الكثيرين، فسيادة النمط الاستهلاكى يكشف عن فكرة الانحصار في الذات، بسبب الرغبة في تحقيق أكبر قدر من المكاسب، ولو على حساب الآخر. لقد سادت ثقافة مغايرة اخترقت كل القيم والثوابت الاجتماعية، وهذا بدوره يؤدى إلى خلل أو هزة عنيفة في البنية الأخلاقية للمجتمعات الإنسانية. ولا تستطيع القيم الدينية الشكلية، أسيرة الحروف والمصطلحات، المحصورة في ممارسات شكلية، أن تغير في بنية المجتمع، لأنها لا تتلامس مع عمق الحقيقة. هذا التلامس يحدث إذا تفهم الإنسان حقيقة ذاته ورسالته في الحياة والهدف من وجوده “ مَن وجد ذاته يضيعها ومَن أضاع ذاته من أجلى يجدها” (مت25:16). على قدر تفهمه لهذه الحقيقة على قدر مساهمته في تحقيق القيم الإنسانية على أسس إلهية. وهذا هو سعى الإنسان دومًا، فالافتراض بوجود مجتمع خالٍ من الحقد والحسد والغيرة والظلم والانتقام أو الرغبة في الانتقام، هو افتراض خاطئ، لكنه افتراض خاطئ أيضًا أن  نرفض فكرة القدرة على التغيير من واقع يتسم بالظلم مثلاً إلى واقع تسوده العدالة. ولذلك فنقطة البداية أو محطة الانطلاق نحو إقامة مجتمع تسوده قيم الحرية والعدالة والسلام، يفترض سعى الإنسان إلى اكتشاف ذاته[6]. لكن إذا تجاهل الإنسان هذه الحقيقة الإلهية، سقط في فخ عبادة الذات والتصورات الكاذبة بقدرات وإمكانيات ذاتية. حياة الإنسان مرتبطة بحياة الله وحياة الله هى حياة المحبة. فالحياة والمحبة شئ واحد “ ومَن لا يحب لم يعرف الله لأن الله محبة “ (1يو8:4). عندما سأل أحد الاخوة أبيه الروحى: “ كيف يحدث بينما يجاهد بعض الاخوة ويمارسون نسكًا وتداريب كثيرة لا يحصلون على النعمة، مثل آبائنا القدماء؟” أجابه الأب الشيخ قائلاً: “فى ذلك الوقت كانت توجد محبة وكل واحد كان يجذب قريبه إلى أعلى، الآن تجمدت المحبة وكل واحد يسحب قريبه لأسفل ولهذا لا نحصل على النعمة” [7].

لذلك فالفكر الذي يرفض أهمية وضرورة الشركة مع الله، لن يحقق مجتمعًا قائمًا على الحب. لأنه لن يحدث تغير لمجتمع ما، إن لم يحدث تغير للحالة الباطنة للإنسان، أى تحدث حرية داخلية، وهذا التحرر مرتبط بخبرة الاتحاد بالله  [8]. هذه الحرية في الإنسان، من الممكن أن تصل إلى مستوى الحرية في الله، وذلك حينما يصل الإنسان إلى مستوى الشركة الكاملة مع الله. ولذلك فكل توجه نحو بذل حقيقى للذات، يعبّر عن نوع من السلوك المؤسس على حرية حقيقية.

           

الحرية

إن مشكلة الحرية في عصر الحرية الذى نحياه ليس في غياب الأفكار والنظريات الخاصة بالحرية، بل في غياب المعنى الصحيح والمعيار الدقيق لمفهوم الحرية. المشكلة ليست في قيمة الحرية، لكنها في الإنسان الذي يُعبّر عن هذه القيمة [9]. والتساؤل المطروح الآن هل يوجد فعلاً أُناس أحرار يستطيع العالم أن يجد فيهم مخرج لأزمته. تغيب الحرية الحقيقية، إذا فقد الإنسان الرؤية الصحيحة لذاته، وخضع لنزوات فردية وشهوات فاسدة لها عمر افتراضى بحسب طبيعتها. فقدان تلك الرؤية الصحيحة للذات يعنى استخدام كل شئ، حتى الأمور الدينية لتحقيق مصالح ذاتية (عبودية كاملة للذات) في كثير من الأحيان تُستخدم المصطلحات والتعبيرات الدينية كغطاء لتحقيق أهداف ذاتية، هى بعيدة كل البعد حتى عن مجرد الرغبة في اقتناء ولو جزء من الحقيقة. لقد سيطرت علينا قيم جديدة تُسمى بقيم السوق، وهى قيم مادية في مجملها، ونشأ صراع حول البقاء، لكنه بقاء يعتمد على الاقتناع بقدرات الذات. المحصلة أن هناك غياب لحضور الله في الحياة.

          تحولت الحرية من عملية خروج من الذات، وتضحية من أجل الآخرين إلى التضحية بكل شئ من أجل الذات. إن مشاهد العنف والحروب التي تطلعنا عليها وسائل الإعلام المرئية والمقروءة بشكل يومى في كل العالم تقريبًا، تكشف عن أن الإنسان لم يتغير بعد من الداخل، مازال أسير نفسه المدفوعة نحو سفك الدماء وممارسة العنف والتحكم في مصائر الشعوب والأفراد، واستخدام كل الوسائل المشروعة أو غير المشروعة لتحقيق الأهداف الخاصة دون اعتبار لكون الإنسان مخلوق على صورة الله. إن لم يكن الله موجودًا، فسيصير كل شئ مباحًا من أصغر الذنوب حتى أبشع الجرائم.

وبقدر غياب الحرية الحقيقية وانحصار الإنسان في ذاته، بقدر صعوبة تحقيق فكرة ملكوت الله، لأنه حيث يظهر الفرد تختفى الشركة، والشركة هى مجال حقيقى لاستعلان ملكوت الله. يقول القديس أنطونيوس: [الموت والحياة يعتمدان على القريب. لأننا إذا ربحنا أخانا، فإننا نربح الله، وإذا ما أعثرنا أخانا، نخطئ إلى الله ][10]. ولهذا فقد أكد القديس أثناسيوس فى كتابه حياة أنطونيوس [ إن مقابلة القديس أنطونيوس لزائريه لم تكن تقل أهمية عن صلواته الخاصة][11]. الفردية هنا لا تعنى الوحدة، لكنها تعنى الانحصار داخل الذات، حتى وإن كان يحيا داخل جماعة. الصراع هو صراع داخلي، وعلى قدر ما ينجح الإنسان في الانتصار على ذاته على قدر ما يساهم في تحقيق معنى الشركة، وفشله في هذا الصراع يعنى مساهمة مباشرة وغير مباشرة في إثارة التوتر والقلق والانزعاج، تصير الأنا مركز كل شئ. الحرية الحقيقية تبدأ عندما تكون هناك قناعة أنه لا يوجد شئ يستحق التمسك به أو يمكن فقدانه. هذه الحرية استعلنت في شخص المسيح “ الذي لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبد صائرًا بين الناس“ (فى6:2) ومَن يتحد بالمسيح فقد اقتنى الحرية الحقيقية، ودخل إلى أعماق الحياة الحقيقية وانتصر على كل مظاهر الفساد والموت. إن حرية الإنسان لا تُفهم خارج الحرية فى المسيح، التى يُعبر عنها من خلال الإخلاء، الذي تم بإعلان الصليب وبملء الإرادة. الحرية ليست مجرد فكرة مثالية، لكنه سر الشخص، هى سر المحبة. القديس يوحنا الإنجيلى لا يشير إلى أن الله لديه محبة، ولكنه يقول إن الله محبة، هذه الحقيقة هى الإجابة التي تعطيها الكنيسة عن الحياة والموت[12]. لأن المحبة هى النور الذي ينير سر الوجود، هى كشف عن جوهر الحياة الحقيقية، هى تحرر من سطوة الفساد والموت. وكمال الإنسان يتحقق في حريته الكاملة. هذه الحرية لا تتأتى إلاّ من خلال الاتحاد الكامل بالله، الاتكال على الذات يقود للموت، كما يشير إلى ذلك الرسول بولس “ وكان لنا في أنفسنا حكم الموت. لكى لا نكون متكلين على أنفسنا. بل على الله الذي يقم من الأموات.. “ (2كو9:1ـ10). الذي يُخلّص الإنسان ليس السلطة، لكن الحقيقة الإلهية، ليست القوة ولكن المحبة، لأنه بدون محبة لا توجد حرية حقيقية.

الحرية هى الجوهر الحقيقى للوجود الإنسانى. بدون الحرية لا يمكن أن تُفهم العلاقة الحقيقية بين الإنسان والله، ولا معنى للخير أو للشر ولا لحقيقة الكون المخلوق. الحرية تتخطى كل الحواجز الفردية وتتجاوز كل الحدود المغلقة. الحرية ليست أخذ، لكنها إخلاء، ليست تملّكًا ولكنها تنازل، هى عطاء لا يتوقف في سبيل تحقيق فكرة ملكوت الله داخل الزمن. الحرية المتمركزة حول الأنا في الحقيقة ليست حرية حقيقية، لأنها لا تنبع من الله، فهى تعنى الخلط والانغماس في مجال الشهوات الفردية، وهنا نحن لا نتحدث عن الحرية الشخصية ولا عن الشخص الحر ولكن عن حقوق فردية، أى حرية محصورة في فرد، غير منفتحة على جماعة [13].

 إن مفهوم الشخص لا يتحقق إلاّ مع وجود آخر يستطيع الشخص أن يفرغ فيه كل محبته. وأصل كلمة شخص في اليونانية هو prÒswpo (prosopo)، أى نحو الآخر، إن لم يوجد الآخر يتحول الإنسان من شخص إلى فرد. وهكذا فإن انحصار الإنسان في ذاته يعنى غياب الآخر بالنسبة له؛ حتى مع افتراض أنه يحيا وسط جماعة كما سبق وأشرنا، لأن الفردية هى حالة داخلية، مثلما أن الإحساس بالآخر هو حالة داخلية أيضًا. تتشوه الحرية الحقيقية داخل الفردية والإحساس بالأنا، لأن الفردية لها ملامح تختلف جذريًا عن ملامح الحرية الحقيقية المؤسسة على إخلاء الذات، والذي يعد شرطًا أساسيًا لاستعلان هذه الحرية. فإذا أراد الإنسان أن يتمتع بهذه العطية الإلهية  فعليه أن يتجاوز أولاً ذاته.

التحرر من الذات يقود إلى الإطلاع على أعماق لا نهائية في الله الذي هو بحسب الجوهر حر، وقدرته على الحرية هى قدرة على الإخلاء. ولذلك تظل كل دعاوى الحرية والمناداة بمزيد من الحريات، أمر غير مكتمل الملامح، لأنه غير مرتبط بالقدرة على التحرر من الداخل؛ وإن كان هذا أمرًا مطلوبًا لكنه يظل قاصرًا، لقد حققت الثورة الفرنسية الحرية لكل الشعب وتم هدم سجن الباستيل ، لكن هذه الحرية لم تصل إلى كمالها. لأن الذي حدث هو هدم لكل مظاهر الاستعباد ورموزه التي كانت تُمارس بعنف ضد كل الشعب، لكنها ظلت حرية محصورة ومحدودة طالما أنها لم تحقق تطهيرًا ونقاوة للداخل[14]. الحرية بالمفهوم المسيحى أُعطيت للإنسان من أجل أن تكتمل الصورة الحقيقية لملكوت الله، الإنسان الذي تحرر من ذاته، قد تحرر من كل شئ يجعله مُقيدًا بأمور هذا العالم. سعيه ينحصر في اكتشافه لذاته، واكتشافه لذاته يقوده لمعرفة الحق، ومعرفة الحق تعنى مسيرة نحو الاتحاد بالله، وهنا تتحقق الحرية الحقيقية، ويتمكن الإنسان من أن يساهم في بناء ملكوت الله ويحققه داخل الزمن؛ بمعنى آخر، يتمكن من ممارسة الحب نحو الجميع. الحب هو كشف عن الحرية الداخلية، وكل مَن تحرر باطنيًا ليس أمامه طريق آخر غير طريق الحب[15].

          إن معرفة الله اختباريًا تؤّسس على الحب، والحب يفترض خروج من الذات، وكل افتراض عكس ذلك، يُدخل الحب في دائرة النظريات والأفكار والفلسفات. يقول رونيه أوبير “ المربى الحقيقي ليس فقط الفرد الذى يحمل قيمًا روحية ولا الواضع لنظريات التربية. إنه الإنسان الذى يدفعه ميله الروحى العميق أن يكرس نشاطه وحياته لتحقيق هذه القيم لدى الآخرين”[16]. والحياة تحتوى دومًا على اتجاهين متناقضين، الواحد يكمن في دائرة الأنا (الذات) وهذا الاتجاه يرى في تحقيق الذات سر الوجود الإنسانى، ويرى في الآخر سببًا للتوتر والقلق والتعاسة. بينما يرى الاتجاه الآخر أن الحياة في أعماقها الحقيقية تؤسس على إنكار الذات، وهذا مبدأ من أساسيات التلمذة والتبعية للمسيح “ إن أراد أحد أن يأتى ورائى فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعنى” (مت24:16) وهنا حَمْل الصليب كما أشار رب المجد يتطلب إنكار للذات، بل أن التبعية تتطلب هذا الإنكار المستمر للذات. إن عملية الخروج من الذات هى في جوهرها عملية خلق مستمر، لأنه على قدر خروج الإنسان من ذاته؛ على قدر ما تُكتشف الحقيقة، حقيقة الله والكون وحقيقة ذاته. ملكوت الله يؤسس على هذا الخروج من الذات. لذلك كُتب على أحد حوائط دير أفيرون بجبل آثوس “ أن تموت قبل أن تموت فحين تموت لن تموت “. عندما قال القديس بطرس للرب يسوع “ ها نحن قد تركنا كل شئ وتبعناك “ أجابه على الفور “وهل أعْوَّزكم شئ“. الترك لا يعنى التنازل عن شئ، لكنه في الحقيقة تحرر من كل شئ، لتصير قادرًا على أن تعطى حتى ذاتك. الملكوت هو الآخرين. الله هو الآخرين. هكذا صنعت السامرية “ تركت جرتها ومضت إلى المدينة “ لكى تُبشّر الآخرين بالمسيا المنتظر ـ المسيا المخلّص. ويعلّق القديس كيرلس الأسكندرى على هذا الترك قائلاً “ إن السامرية لم تأخذ معها الماء الذي جاءت لتسحبه من أعماق البئر، ولم تحمل جرتها التي من الطين معها إلى بيتها، بل بالحرى حملت النعمة الإلهية السماوية والتعليم المملوء حكمة الذي للمخلّص والذي ملأ كل مكامن ذهنها وإدراكها[17].

 التحول من الأنا إلى الآخر هو جوهر الحياة المسيحية، والجحيم هو الحرمان من الآخرين. الإنسان له هوية (كيانية) شخصية خاصة، تتجاوز الزمان والمكان. ومشكلة الإنسان الوجودية تُحل في هويته الشخصية الممنوحة له من الله، هذه الهوية الشخصية تتجلى عندما تشترك في حرية الله، وتنطفئ في حالة انحصارها في اكتفائيتها وذاتيتها وفرديتها[18]. واللجوء لأى مخرج سواء كان مخرجًا ماديًا أو فلسفيًا، علميًا، أو سياسيًا، أو حتى دينيًا لن يجدى، مادام هناك اتجاه نحو الاكتفائية الداخلية، التي فيها يرتدى الإنسان قناع السلوك الأخلاقى المهذب المستعار من نظريات وأفكار عالمية، لكنه في الحقيقة متغرب عن ذاته بسبب تغربه عن الله.

هذه العلاقة المتفردة هى علاقة شركة، وليست علاقة اختلاف (كأفراد). هناك تمايز بين الأشخاص، لكن هذا التمايز هو الذي يدعو إلى الشركة، لأن التمايز لا يعنى الاكتفاء، لكنه يعنى التفرد في شئ، وهذا التفرد يكتمل حين يدخل في شركة مع تمايزات من نوع آخر، وهنا يتضح مفهوم الشركة الذي فيه يضيف الواحد للآخر ميزته الخاصة به كشخص[19]. فالشخص وجوده مرهون بهذه العلاقة التبادلية في إطار من الحب المشترك. التعليم الكتابى واللاهوتى يعتبران الإنسان كيانًا واحدًا في علاقته مع البيئة. فهو يوجد في حالة شركة دائمة. فالشركة هى أساس الوجود، وأى كيان حقيقى لا يمكن معرفته بدون شركة، هذا ما أكده الآباء. وبالتالى لا يمكننا أن نفهم الوجود كوجود في حد ذاته، لأن كل كائن لا يوجد في حالة عزلة ولا يحيا كفرد[20]. في كثير من الأحيان لا يتحدد على وجه الدقة مفهوم الشخص، بل في كثير من الأحيان يتطابق مفهوم الفرد مع مفهوم الشخص. لكن في الحقيقة تعبير الشخص (prÒswpo) يختلف عن تعبير الفرد (/Atomo).

مفهوم الشخص يُعرف ويُستعلن في إطار العلاقة المباشرة بالآخر، أى يُفهم في إطار الشركة، أى في إطار المحبة. والمحبة هى الطريق الوحيد والأكيد الذي يعلن عن مفهوم الشخص. لأنها لا تفترض في الآخر شروط وصفات معينة، لكنها تقبله كما هو، في كمال تفرده الشخصى[21]. هذا التمايز الشخصى يكشف عن صورة الله في الإنسان، عن خواص الحياة الثالوثية التي طُبعت في الإنسان. استعلان الله الشخصى داخل التاريخ يبين لنا حقيقة الإنسان. ولذلك فالوجود الشخصى هو وجود حر، أى متحرر من كل تحديد، لأنه انعكاس للصورة الإلهية. الشخص يُستعلن في حريته. إن مفهوم الحرية يتحدد في القبول والرفض، ولذلك فالحرية هى التي تُحدد هوية الشخص. الشخص يعنى الحرية. والحرية المقصودة هنا حرية من الانحصار في الذات والانفتاح على  الآخر.

 وكما أشرنا، فإن أول خطوات تحقيق هذه الحرية هو اكتشاف الذات، أما استسلام الإنسان لفرديته وأنانيته وعدم قبول الآخر، فهذا يعنى رفض اختيارى لقبول الله داخل الإنسان، ورحيل إلى اللا معنى وسعى نحو الموت دون أن يدرى. هذا الموت يُمكن أن يُستعلن في كل مرة يسقط فيه الإنسان أسيرًا لشهوات نفسه ولا يقوى على التحرر من ذاته. الفردية هى تنصل مقصود من المساهمة في بناء المجتمع الجديد، أى المجتمع القائم على الحب. لقد ساهمت الرهبنة القبطية مساهمة فعاّلة فى ترسيخ هذه المفاهيم قولاً وعملاً. فكانت ترى فى محبة القريب الأساس لكل عمل روحى. ويذكر كتاب تاريخ الرهينة المصرية [ أن رهبان البرية لم يهملوا قط رعاية الفقراء وباستمرار كانوا يرسلون قمحًا وملابسًا لفقراء الأسكندرية ] ويشير أيضًا إلى أمر يكشف عن الدور الحيوي الذى قام به الرهبان تجاه المجتمع فيقول [ كان يُعد أمرًا نادرًا جدًا أن نجد إنسانًا فقيرًا يعيش بجوار الأديرة] [22]. وهذا راجع بطبيعة الحال إلى أن الرهبنة كانت تحمل رسالة حب نحو الجميع وبالأولى نحو الفقراء. فكل منا مسئول مسئولية مشتركة نحو تأسيس هذا المجتمع. رفض هذه المسئولية، هو تشويه متعمد لصورة الله في  الإنسان. لأن الانحصار في الذات يقود إلى نتائج سيئة لا تنعكس فقط على صاحبها، بل أيضًا على محيطه الاجتماعى الذي ينتمى إليه، والذي يُفترض أن عليه مسئولية تجاهه, لأن وجود الإنسان مرهون بوجود الآخر “ ليس جيدًا أن يكون آدم وحده فأصنع له معينًا نظيره[23] غياب الآخر يُصّير الحياة بلا معنى. مَن يظن أنه يحقق ذاته في تحقيق المزيد من أمور هذا العالم الحاضر، باعتبار أن نمط الحياة المعاصرة يفرض مثل هذا السلوك، هو ظن خاطئ، لأن الحياة لا تنحصر في إطار هذا العالم، بل تمتد إلى حياة أبدية. فالحياة لا تنتهى بالموت البيولوجى، لقد صار هذا الموت معبرًا لحياة أبدية [24].

          تحددت ملامح الحياة الجديدة بتجسد المسيح “ فإن الحياة أُظهرت “ هكذا صارت الحياة التي نحياها الآن حياة قيامية، أى تحمل داخلها قوة قيامة المسيح، نعم تحمل في داخلها طريقًا للآلام، لكنه سينتهى حتمًا إلى الأرض الجديدة والسماء الجديدة. ولذلك فمَن يريد أن يتمتع بالحرية الحقيقية، عليه أن يتحد بالمسيح الذي يحرر من كل قيد يعوق النفس عن الانطلاق والاطلاع على أسرار ملكوت الله. ستبقى البشرية في حالة صراع دائم ومواجهات ساخنة ما دامت غير قادرة على تفهم حقيقة الحياة الجديدة المؤسسة على الحب، ولا نقصد الحب في إطاره الأخلاقى القائم على احترام معطيات اجتماعية هى بطبيعتها معطيات متغيرة، لكن في إطاره المسيحى المؤسس على تقديم الذات “ مَن وجد نفسه يُضَيعها ومَن أضاع نفسه من أجلى يجدها “ (لو24:9). المحبة الإنجيلية هى تجسيد لحالة الإخلاء، فهى لا تهدف لمجرد التحسن الأخلاقى، لكنها تهدف إلى حياة الوحدة على مثال الثالوث “ ليكونوا واحدًا كما نحن “ (يو21:17) “ وأنا أعطيتهم المجد الذي أعطيتنى ليكونوا واحدًا كما أننا نحن واحدًا “ (يو22:17).

           الناموس كله والأنبياء يتعلقون بوصيتين، هما “ محبة الرب من كل القلب، ومن كل النفس ومن كل الفكر، هذه هى الوصية الأولى والعظمى، والثانية مثلها، محبة القريب كالنفس”. ولذلك تصير الحياة بلا معنى عندما يبقى الإنسان أسيرًا لذاته. سر شقاء الإنسان وتعاسته، أنه يرى نفسه مركز الكون كله، وأن كل شئ حوله يجب أن يُسّخر لخدمته. بينما الخروج من هذه  الحالة يعنى  الدخول في مجال الحياة الحقيقية، والتي تتطلب بالضرورة وجود الآخر. الآخر هو الذي يُكمل شكل الحياة، أو أن الحياة لا تكتمل بدون  الآخر. كما قالت الكاتبة والأديبة المعروفة هيلن كيلر في عبارتها الشهيرة: “ أُفضّل أن أسير في الظلام مع رفيق على أن أسير في النور وحدى “.

          هذه المحبة هى المؤشر الذي يشير إلى عودة صورة الله في الإنسان والعودة إلى الوجود الحقيقى والحياة الحقيقية “ أيها الأحباء لنحب بعضنا بعضًا لأن المحبة هى من الله وكل من يحب فقد وُلد من الله ويعرف الله. ومَن لا يحب لم يعرف الله لأن الله محبة “ (1يو7:4) “ الله محبة ومَن يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه “ (1يو16:4).

          ويلاحظ استخدام القديس يوحنا لتعبير كل مَن يحب.. يعرف الله.. ومَن لا يحب لم يعرف الله مع صلاة يسوع للآب “ أيها الآب البار؛ العالم لم يعرفك.. أما أنا فعرفتك “ (يو25:17).

          إن تعبير المعرفة الوارد في الآيتين يعنى اختبار الوحدة، وليس مجرد المعرفة الذهنية، العالم لم يعرف  الله لأنه لم يمارس الحب بعد، أما المسيح فقد عرف الآب لأنه في حالة حب دائم مع الآب والروح القدس، ولذلك فقد أكد القديس يوحنا على هذه الحقيقة مشيرًا إلى أن “كل مَن يحب.. يعرف الله “ أى يختبر قوة حضوره ويختبر هذه الطاقة المجددة، التي تعطى إمكانية المزيد من المحبة. ولذلك، مَن لا يحب لم يعرف الله.. الله لا يحل في نفوس لا تعرف  الحب، لأن الله محبة. كما قال فاريون: المحبة ليست صفة من صفات الله، بل أن صفات المحبة هى صفات الله” [25].

          لن تأتى المحبة (أى الله) إلى نفوس لم تتدرب بعد على إنكار الذات وطلب النعمة المحررة من كل الرغبات والشهوات ومن الأَسر لقيود الخطية. وعكس ذلك سيبقى الآخر هو الجحيم كما قال سارتر.

 لقد تصدر الشرق الأوسط قائمة المستوردين للأسلحة في العالم، وكشف تقرير أصدره مركز الأبحاث التابع للكونجرس الأمريكى عن أن الدول النامية أنفقت 25.4 مليار دولار على شراء الأسلحة خلال عام 2000، في حين بلغ إجمالى مبيعات الأسلحة الدولية نحو 36.9 مليار دولار[26]، وهذا مؤشر له خطورته، لأنه يوضح الحالة التي وصل إليها الإنسان.

فمن يبيع يدرك خطورة استخدام هذه الأسلحة، ومَن يشترى يعرف لماذا اشتراها، فهو يعرف أنها صُنعت لقتل الآخر، وتدمير البيئة وخراب المجتمعات. تلك هى صورة من صور كثيرة تكشف عن أن غياب الحب، يعنى غياب الحياة، “ ونحن نعلم أننا  انتقلنا  من  الموت  للحياة  لأننا  نحب الاخوة “ (1يو14:3).

          هذه مؤشرات واضحة لسيادة الفردية وغياب مفهوم الشخص، أى غياب مفهوم الحب الحقيقى. الأصل في  الإنسان أنه شخص هكذا خلقه الله، وعندما خُلق آدم، فقد وجد الله أنه ليس حسنًا أن يبقى وحده. لأن مفهوم الشخص لا يتحقق في الوحدة، بل يتحقق بالآخر كما أشرنا، لم يكن من الممكن أبدًا أن يظل آدم وحده، لأن هذا يعنى عدم اكتمال صورة الله في الإنسان، الصورة تتحقق بالإخلاء لحساب الآخر، وإخلاء بدون آخر لا يُعد إخلاءً، وجود الآخر يُحفز على الإخلاء، هكذا تكتمل الصورة. لكن أن يتحول الإنسان المعاصر إلى وضع آخر ويبتعد بعيدًا عن بيئته الحقيقية التي أوجدها الله له؛ أى أن يتحول من الشخص للفرد، فهذا يعنى دعوة إلى الموت والدخول في دائرة اللامعنى. إن الحاجة ماسة اليوم لتأكيد مفهوم الشخص، لسيادة الحب بين البشر. والحقيقة أن هناك نماذج كثيرة جدًا لأولئك الذين قدموا حياتهم دفاعًا عن حق الإنسان في حياة كريمة حرة وعادلة. “ هكذا قال الرب. احفظوا الحق واجروا العدل. لأنه قريب مجىء خلاصى واستعلان برى. طوبى للإنسان الذي يعمل هذا ولابن الإنسان الذي يتمسك به “ (إش1:56ـ2).



[1]  يقول قداسة البابا شنودة الثالث [ إن المسيحية أعطت روحًا ولم تضع تشريعًا مدنيًا إنها حينما ظهرت كان الرق يُمارس فى الأرض ولم تصدر المسيحية قانونًا يحرم الرق وإلاّ كانت فى نظر الناس وفى نظر الحُكام فلسفة ثورية ضد نظام الحكم. وإنما وضعت المسيحية روحًا من المحبة ومن المساواة وظلت تعمقها فى قلوب الناس حتى أُلغى الرق عملاً وإن لم يُلغ نص القانون] (العدالة الاجتماعية رؤية مسيحية) 1995م ص 9.

[2]  العدالة والسلام في العهد القديم والعهد الجديد، هما عطيتا الروح القدس في القلب الذي تنقى، هذا الروح هو الذي يجعل الإنسان قابلاً لرؤية الله حتى يصل إلى كمال المحبة “ اتبعوا السلام مع الجميع والقداسة التي بدونها لن يرى أحد الرب” (عب 14:12). “وطوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله” (مت 8:5). العدالة والسلام في الإطار الاكليسيولوجى ـ حوليات معهد القديس يوحنا الدمشقى، د. يوحنا رومانيدس، ص 118.

[3]  خريستوس كريكونيس “ تعاليم آبائية “ إصدار مركز دراسات الآباء، القاهرة  1995، ص49

[4]  فرنسوا فاريون “ فرح الإيمان بهجة الحياة “ بيروت، 1986 ص 153.

[5]  [خير ما يقدمه الإنسان هو أن يبذل نفسه، فبذل النفس هو أرفع أنواع البذل.. هكذا كل عطاء خارج عن الذات هو عطاء لم يصل بعد إلى الكمال. فإذا أعطيت لإنسان مالاً دون أن تعطيه حبًا فقد أعطيته من الخارج ولم تعطه من ذاتك من الداخل فلا يكون عطاؤك سليمًا] قداسة البابا شنودة الثالث، العدالة الاجتماعية رؤية مسيحية ص23.

[6]  G. Mantzar…dh “ cristianik» Hqik» “ qes/n…kh 1995, P 23-28

[7]  “To MEGA GERONTIKON” tomoj D, Qes‚nikh 1999, s 275.

[8] G. Mantzar…dh “ cristianik» Hqik» “ qes/n…kh 1995, P. 248.

[9]  G. Mantzar…dh “ cristianik» Hqik» “ qes/n…kh 1995, P. 249.

[10]  أقوال الآباء الشيوخ ـ منشورات النور، 1990، ص 40.

[11] Alvyn Pettersen, “Athanasius presentation of Antony of The Desert”, Oxford 1989, p. 439.

[12]   cr»stou Giannar£, alfabht£ri Thj P…sthj, Aq»na, 1983, P. 61

[13] N. MatsoÚka “ kÒsmoj /Anqrwpoj koinwn…a… “ Aq»na 1980, P. 131.

[14]  الحرية الحقيقية هى أن يتحرر الإنسان من الأخطاء .. يتحرر قلبه من كل المشاعر الرديئة، ويتحرر عقله من الأفكار المنحرفة ومن كل خطأ فكرى .. يتحرر أيضًا من الخضوع للشيطان، يتحرر من كل قيادة تفرض سلطانها على إرادته، لتقوده حسب هواها في مسيرة منحرفة. هذه هى الحرية التي قال عنها الكتاب “ إن حرركم الابن، فبالحقيقة تكونون أحرارًا” (يو 36:8) قداسة البابا شنودة الثالث “ عشرة مفاهيم “، 1993 ص 20

[15]  M . Kardam£kh “ H al»qeia gia thn Eleuqer…a “ Aq»na, 1985, r 65.

[16]  “التربية العامة” ترجمة د. عبد الله عبد الدايم، بيروت 1983، ص 272.

[17]  لقاء المسيح مع السامرية للقديس كيرلس الاسكندرى، ترجمة مركز دراسات الآباء ـ د. نصحى عبد الشهيد، ص 17.

[18]  N. MatsoÚka “ kÒsmoj /Anqrwpoj koinwn…a… “ Aq»na 1980, P.146-147.

[19] cr»stou Giannar£ “ To prÒswpo kai O šroj “ Aq»na 1987, P. 37.

[20]  أنظر يوحنا زيزيولاس “ الوجود شركة “ ترجمة مركز دراسات الآباء 1989، ص 18

[21] [ المسيحية تريد لكل إنسان أن يكون له كيانه وتكون له

الحرية والسلام

بين طموحات ا لإنسان وعطية الله

د. سعيد حكيم

إن مفاهيم الحرية والعدالة والسلام تمثل مجموعة من القيم المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالحضور الإلهى، لقد ظهرت كل القيم الجميلة التي تشكل الوجود الإنسانى وتعطى له معنى؛ نتيجة تجسد الكلمة. الكلمة صار جسدًا، صار واقعًا حيًا مرئيًا محسوسًا وملموسًا، “ الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة. فإن الحياة أظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأظهرت لنا “ (1يو1:1ـ3).

          هنا يشير القديس يوحنا بكل وضوح، ويؤكد على تلك الحقيقة المطلقة أن الحياة الحقيقية أُظهرت في كمالها، وهذه الحياة هى في الابن “ الله أعطانا حياة أبدية وهذه الحياة هى في ابنه. مَن له الابن فله الحياة. ومَن ليس له ابن الله فليست له الحياة “ (1يو11:5ـ12).

          وقد أكد المسيح نفسه على هذه الحقيقة حين قال لتلاميذه “ وتعلمون حيث أنا أذهب وتعلمون الطريق. قال له توما يا سيد لسنا نعلم أين تذهب. فكيف نقدر أن نعرف الطريق. قال له يسوع. أنا هو الطريق والحق والحياة “ (يو4:14ـ6).

 إذن، في نور المسيح تنكشف كل الحقائق، وتصير هذه القيم (الحرية ـ العدالة ـ السلام) قيم متجسدة وحيّة، لأن هذه القيم، بل وكل القيم الأخرى ظهرت واضحة في شخص الكلمة المتجسد. الاتحاد بالمسيح يقود بالضرورة إلى حياة روحية تتضمن كل هذه القيم. فالحرية هى من المسيح “ إن حرركم الابن فبالحقيقة تصيرون أحرارًا “ (يو36:8). والعدل هو من المسيح “وأما الآن فقد ظهر بر الله بدون الناموس مشهودًا له من الناموس والأنبياء. بر الله بالإيمان بيسوع المسيح” (رو21:3ـ22). والسلام أيضًا هو من المسيح “ لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحدًا ونقض حائط السياج المتوسط أى العداوة. مُبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض، لكى يخلق الاثنين في نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا صانعًا سلامًا “ (أف14:2ـ15). ولذلك فقد حل ملء الزمان حين تجسد الكلمة، هذا هو الملء الحقيقى، للزمان أن الكلمة صار جسدًا، صار واقعًا حيًا من أجل تجديد الإنسان، ورده إلى رتبته الأولى. لقد افتدى أولئك الذين هم تحت الناموس، والآن صارت لهم الإمكانية أن يحيوا في حرية وبر وسلام.

          إن الناموس أو أى قانون آخر لا يستطيع أن يحرر الإنسان، لأن دوره ينحصر في تنظيم العلاقات بين البشر وبيان الحدود التي يجب اتباعها، وأى تجاوز لهذه الحدود يقابل بتوقيع عقوبات، هذه العقوبات تضيق وتتسع وفقًا لحجم المخالفة. هذا هو دور القانون. أما النعمة فهدفها تحرير الإنسان لا عقابه[1]. وهذا هو ما دعى الرسول بولس أن يقارن بين حالة الإنسان تحت الناموس وحالته تحت النعمة: “ إذاً يا اخوتي أنتم أيضًا قد متم للناموس بجسد المسيح لكى تصيروا لآخر للذي قد أُقيم من الأموات لنثمر لله. لأنه كما كنا في الجسد كانت أهواء الخطية التي بالناموس تعمل في أعضائنا لكى نثمر للموت. وأما الآن فقد تحررنا من الناموس إذ مات الذي كنا ممسكين فيه حتى نعبد بجدة الروح “ الروح الجديدة “ لا بعتق الحرف “ (رو4:7ـ6). الكلمة أخذ جسدًا ليبرر الإنسان الخاطئ لا ليدينه، ويحرره من كل قيد ويهبه عطية الروح للحياة، لا ليتركه للفساد والموت. فقد مات الذي كنا ممسكين فيه: أى إنساننا العتيق الفاسد الذي صلب مع المسيح. ولأن الكلمة لا يمكن أن يموت، فقد أخذ جسدًا لكى يجتاز به الموت، دون أن يُمسك منه، وبهذا أمات الموت وقام حيًا. لقد أُستعلنت الحياة، ولا مجال لعودة الموت مرة أخرى. الأمر يحتاج فقط لأن نؤمن بهذه الحقيقة الإلهية؛ “ هذه هى مشيئة الذي أرسلنى أن كل مَن يرى الابن ويؤمن به تكون له حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير” (يو40:6). إذاً فالتمتع بالحياة الحقيقية يتطلب الإيمان بالابن الذي هو الحياة ومُعطى الحياة. إذا لم يؤمن الإنسان بالكلمة المتجسد تتشوه حياته وتتشوه معه الخليقة أيضًا. أى عندما يُقدم الإنسان على الظلم، أو الانتقام، أو الغيرة، أو الحقد، أو الحسد، أو القتل… فهذا معناه أن الكلمة المتجسد لم يملك بعد في حياته. أما في حالة الاتحاد بالمسيح فالأمر مختلف تمامًا حيث يتنسم الإنسان رائحة الحياة الجديدة، ويختبر قيمة السلوك تحت مظلة الروح القدس، ويغتنى بالنعمة الإلهية، ويطّلع على أسرار ملكوت الله، ويتملكه فرح كامل وبهجة كاملة، ويسعى في طريق الحق دومًا، ويقتفى آثار خطوات السيد الداعي للحرية والعدالة والسلام[2].

          الحرية والعدالة والسلام هى من المقومات الأساسية لوجود المجتمعات ولاستمرارها أيضًا، وغياب هذه القيم يعنى بالضرورة غيابًا لمعنى المجتمع. فالمجتمع الذي لا يمارس الحرية ولا يطبق مبادئ العدالة والسلام يظل ناقص التكوين مثل جنين لم يكتمل. فهذه القيم مرتبطة بالوجود الإنسانى فإذا لم تتحقق، فسيختفى معها جزء من حياة البشر الحقيقية، وإذا تحققت، اكتملت معها الصورة الحقيقية لمسيرة الإنسان.

          الحرية في جوهرها هى نوع من التجرد. هذا ما أكده القديس باسيليوس في رده على الحاكم ميدثتو “ماذا سيضرنى؟ هل سأخسر شئ؟ تروننى لست أملك سوى ثوبى الذي ألبسه، هل سأُرسل إلى المنفى. هذا أمر لا يشغلنى طالما أنى لست متعلقًا بمكان ما، هل سأموت؟ إن الموت سيكون بالنسبة لى عطية كبيرة، لأنه سيحملنى بأكثر سرعة إلى الله الذي هو حياتى” [3].

          هذه القيم لا تشكل فقط معاييرًا أخلاقية لضبط حركة المجتمع وإرساء حقوق أفراده في الحرية والعدالة والسلام، بل هى أيضًا قيم تكشف عن معنى الحياة الحقيقية. إن الحياة المسيحية هى في جوهرها أساس الحرية والعدالة والسلام. عندما دُفع للرب سفر إشعياء النبى ليقرأ، وجد الموضع الذي كان مكتوبًا فيه “ روح الرب علىّ لأنه مسحنى لأبشر المساكين، لأشفى المنكسرى القلوب، لأنادى للمأسورين بالإطلاق.. وأرسل المنسحقين للحرية “ (لو19:17). هنا السيد له المجد يحدد طبيعة رسالته، وهى موجهة بالأساس نحو المجتمع الإنساني المقهور.

          الحرية، والعدالة، والسلام هى قيم تستهدف المجتمع البشرى، ووجود البشر في الأساس مرتبط بمواقف وأحداث. فلا وجود لأشخاص بلا مواقف. فالظلم ينشئ ثورة، والبؤس والشقاء يدفعان نحو طلب العدالة، والحبس يثير السعى نحو الحرية. والتوتر والقلق يدعوان إلى طلب السلام. فلا وجود لواقع مجرد بلا أحداث وبلا مواقف، الحياة في المجتمعات تتشكل في إطار من العدل والظلم، من الحرية والعبودية، من الصدق والكذب، من المحبة والبغض[4]. لكن يظل الأساس الذي تقوم عليه المجتمعات هو العمل المشترك في إطار من احترام الحريات وإرساء مبادئ العدالة والسلام بين جميع أفراده. أما مصادرة الحريات وإثارة التوترات والقلاقل وانتشار الظلم، فهذا مؤشر واضح على خروج الإنسان الذي هو صورة الله عن مساره الطبيعى. الحياة المسيحية الحقيقية هى التي تتحرك تجاه البحث عن الأسباب التي تؤدى لظلم الإنسان وشقائه ويأسه وبؤسه وتعاسته، لأجل إزالة هذه الأسباب، ثم تقديم كل ما من شأنه أن يساهم في تحقيق معنى لحياته ووجوده. “ كان يسوع يطوف المدن كلها والقرى يعلّم بمجامعها ويكرز ببشارة الملكوت ويشفى كل مرض وكل ضعف في الشعب “ (مت35:9).

          إن الاكتفاء بمجرد الإشفاق على تعاسة الإنسان وظلمه دون المساهمة في تخفيف آلامه، يضع كثير من علامات الاستفهام حول حقيقة أن الإنسان هو صورة الله. لا يصح للمؤمن أن يتحدث عن الله بطريقة مجردة عن الواقع الحياتى، لأن الإيمان يفترض بذل مستمر للذات ولا يستطيع الإنسان أن يبذل ذاته ويحتفظ بها في نفس الوقت [5]. فالحديث عن الله هو في جوهره ممارسة حقيقية لعملية إماتة الذات من أجل الآخر. هكذا تتحقق صورة الله في الإنسان.

إن الوضع الحالى الذي آلت إليه المجتمعات، يكشف عن غياب لحضور الله في حياة الكثيرين، فسيادة النمط الاستهلاكى يكشف عن فكرة الانحصار في الذات، بسبب الرغبة في تحقيق أكبر قدر من المكاسب، ولو على حساب الآخر. لقد سادت ثقافة مغايرة اخترقت كل القيم والثوابت الاجتماعية، وهذا بدوره يؤدى إلى خلل أو هزة عنيفة في البنية الأخلاقية للمجتمعات الإنسانية. ولا تستطيع القيم الدينية الشكلية، أسيرة الحروف والمصطلحات، المحصورة في ممارسات شكلية، أن تغير في بنية المجتمع، لأنها لا تتلامس مع عمق الحقيقة. هذا التلامس يحدث إذا تفهم الإنسان حقيقة ذاته ورسالته في الحياة والهدف من وجوده “ مَن وجد ذاته يضيعها ومَن أضاع ذاته من أجلى يجدها” (مت25:16). على قدر تفهمه لهذه الحقيقة على قدر مساهمته في تحقيق القيم الإنسانية على أسس إلهية. وهذا هو سعى الإنسان دومًا، فالافتراض بوجود مجتمع خالٍ من الحقد والحسد والغيرة والظلم والانتقام أو الرغبة في الانتقام، هو افتراض خاطئ، لكنه افتراض خاطئ أيضًا أن  نرفض فكرة القدرة على التغيير من واقع يتسم بالظلم مثلاً إلى واقع تسوده العدالة. ولذلك فنقطة البداية أو محطة الانطلاق نحو إقامة مجتمع تسوده قيم الحرية والعدالة والسلام، يفترض سعى الإنسان إلى اكتشاف ذاته[6]. لكن إذا تجاهل الإنسان هذه الحقيقة الإلهية، سقط في فخ عبادة الذات والتصورات الكاذبة بقدرات وإمكانيات ذاتية. حياة الإنسان مرتبطة بحياة الله وحياة الله هى حياة المحبة. فالحياة والمحبة شئ واحد “ ومَن لا يحب لم يعرف الله لأن الله محبة “ (1يو8:4). عندما سأل أحد الاخوة أبيه الروحى: “ كيف يحدث بينما يجاهد بعض الاخوة ويمارسون نسكًا وتداريب كثيرة لا يحصلون على النعمة، مثل آبائنا القدماء؟” أجابه الأب الشيخ قائلاً: “فى ذلك الوقت كانت توجد محبة وكل واحد كان يجذب قريبه إلى أعلى، الآن تجمدت المحبة وكل واحد يسحب قريبه لأسفل ولهذا لا نحصل على النعمة” [7].

لذلك فالفكر الذي يرفض أهمية وضرورة الشركة مع الله، لن يحقق مجتمعًا قائمًا على الحب. لأنه لن يحدث تغير لمجتمع ما، إن لم يحدث تغير للحالة الباطنة للإنسان، أى تحدث حرية داخلية، وهذا التحرر مرتبط بخبرة الاتحاد بالله  [8]. هذه الحرية في الإنسان، من الممكن أن تصل إلى مستوى الحرية في الله، وذلك حينما يصل الإنسان إلى مستوى الشركة الكاملة مع الله. ولذلك فكل توجه نحو بذل حقيقى للذات، يعبّر عن نوع من السلوك المؤسس على حرية حقيقية.

           

الحرية

إن مشكلة الحرية في عصر الحرية الذى نحياه ليس في غياب الأفكار والنظريات الخاصة بالحرية، بل في غياب المعنى الصحيح والمعيار الدقيق لمفهوم الحرية. المشكلة ليست في قيمة الحرية، لكنها في الإنسان الذي يُعبّر عن هذه القيمة [9]. والتساؤل المطروح الآن هل يوجد فعلاً أُناس أحرار يستطيع العالم أن يجد فيهم مخرج لأزمته. تغيب الحرية الحقيقية، إذا فقد الإنسان الرؤية الصحيحة لذاته، وخضع لنزوات فردية وشهوات فاسدة لها عمر افتراضى بحسب طبيعتها. فقدان تلك الرؤية الصحيحة للذات يعنى استخدام كل شئ، حتى الأمور الدينية لتحقيق مصالح ذاتية (عبودية كاملة للذات) في كثير من الأحيان تُستخدم المصطلحات والتعبيرات الدينية كغطاء لتحقيق أهداف ذاتية، هى بعيدة كل البعد حتى عن مجرد الرغبة في اقتناء ولو جزء من الحقيقة. لقد سيطرت علينا قيم جديدة تُسمى بقيم السوق، وهى قيم مادية في مجملها، ونشأ صراع حول البقاء، لكنه بقاء يعتمد على الاقتناع بقدرات الذات. المحصلة أن هناك غياب لحضور الله في الحياة.

          تحولت الحرية من عملية خروج من الذات، وتضحية من أجل الآخرين إلى التضحية بكل شئ من أجل الذات. إن مشاهد العنف والحروب التي تطلعنا عليها وسائل الإعلام المرئية والمقروءة بشكل يومى في كل العالم تقريبًا، تكشف عن أن الإنسان لم يتغير بعد من الداخل، مازال أسير نفسه المدفوعة نحو سفك الدماء وممارسة العنف والتحكم في مصائر الشعوب والأفراد، واستخدام كل الوسائل المشروعة أو غير المشروعة لتحقيق الأهداف الخاصة دون اعتبار لكون الإنسان مخلوق على صورة الله. إن لم يكن الله موجودًا، فسيصير كل شئ مباحًا من أصغر الذنوب حتى أبشع الجرائم.

وبقدر غياب الحرية الحقيقية وانحصار الإنسان في ذاته، بقدر صعوبة تحقيق فكرة ملكوت الله، لأنه حيث يظهر الفرد تختفى الشركة، والشركة هى مجال حقيقى لاستعلان ملكوت الله. يقول القديس أنطونيوس: [الموت والحياة يعتمدان على القريب. لأننا إذا ربحنا أخانا، فإننا نربح الله، وإذا ما أعثرنا أخانا، نخطئ إلى الله ][10]. ولهذا فقد أكد القديس أثناسيوس فى كتابه حياة أنطونيوس [ إن مقابلة القديس أنطونيوس لزائريه لم تكن تقل أهمية عن صلواته الخاصة][11]. الفردية هنا لا تعنى الوحدة، لكنها تعنى الانحصار داخل الذات، حتى وإن كان يحيا داخل جماعة. الصراع هو صراع داخلي، وعلى قدر ما ينجح الإنسان في الانتصار على ذاته على قدر ما يساهم في تحقيق معنى الشركة، وفشله في هذا الصراع يعنى مساهمة مباشرة وغير مباشرة في إثارة التوتر والقلق والانزعاج، تصير الأنا مركز كل شئ. الحرية الحقيقية تبدأ عندما تكون هناك قناعة أنه لا يوجد شئ يستحق التمسك به أو يمكن فقدانه. هذه الحرية استعلنت في شخص المسيح “ الذي لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبد صائرًا بين الناس“ (فى6:2) ومَن يتحد بالمسيح فقد اقتنى الحرية الحقيقية، ودخل إلى أعماق الحياة الحقيقية وانتصر على كل مظاهر الفساد والموت. إن حرية الإنسان لا تُفهم خارج الحرية فى المسيح، التى يُعبر عنها من خلال الإخلاء، الذي تم بإعلان الصليب وبملء الإرادة. الحرية ليست مجرد فكرة مثالية، لكنه سر الشخص، هى سر المحبة. القديس يوحنا الإنجيلى لا يشير إلى أن الله لديه محبة، ولكنه يقول إن الله محبة، هذه الحقيقة هى الإجابة التي تعطيها الكنيسة عن الحياة والموت[12]. لأن المحبة هى النور الذي ينير سر الوجود، هى كشف عن جوهر الحياة الحقيقية، هى تحرر من سطوة الفساد والموت. وكمال الإنسان يتحقق في حريته الكاملة. هذه الحرية لا تتأتى إلاّ من خلال الاتحاد الكامل بالله، الاتكال على الذات يقود للموت، كما يشير إلى ذلك الرسول بولس “ وكان لنا في أنفسنا حكم الموت. لكى لا نكون متكلين على أنفسنا. بل على الله الذي يقم من الأموات.. “ (2كو9:1ـ10). الذي يُخلّص الإنسان ليس السلطة، لكن الحقيقة الإلهية، ليست القوة ولكن المحبة، لأنه بدون محبة لا توجد حرية حقيقية.

الحرية هى الجوهر الحقيقى للوجود الإنسانى. بدون الحرية لا يمكن أن تُفهم العلاقة الحقيقية بين الإنسان والله، ولا معنى للخير أو للشر ولا لحقيقة الكون المخلوق. الحرية تتخطى كل الحواجز الفردية وتتجاوز كل الحدود المغلقة. الحرية ليست أخذ، لكنها إخلاء، ليست تملّكًا ولكنها تنازل، هى عطاء لا يتوقف في سبيل تحقيق فكرة ملكوت الله داخل الزمن. الحرية المتمركزة حول الأنا في الحقيقة ليست حرية حقيقية، لأنها لا تنبع من الله، فهى تعنى الخلط والانغماس في مجال الشهوات الفردية، وهنا نحن لا نتحدث عن الحرية الشخصية ولا عن الشخص الحر ولكن عن حقوق فردية، أى حرية محصورة في فرد، غير منفتحة على جماعة [13].

 إن مفهوم الشخص لا يتحقق إلاّ مع وجود آخر يستطيع الشخص أن يفرغ فيه كل محبته. وأصل كلمة شخص في اليونانية هو prÒswpo (prosopo)، أى نحو الآخر، إن لم يوجد الآخر يتحول الإنسان من شخص إلى فرد. وهكذا فإن انحصار الإنسان في ذاته يعنى غياب الآخر بالنسبة له؛ حتى مع افتراض أنه يحيا وسط جماعة كما سبق وأشرنا، لأن الفردية هى حالة داخلية، مثلما أن الإحساس بالآخر هو حالة داخلية أيضًا. تتشوه الحرية الحقيقية داخل الفردية والإحساس بالأنا، لأن الفردية لها ملامح تختلف جذريًا عن ملامح الحرية الحقيقية المؤسسة على إخلاء الذات، والذي يعد شرطًا أساسيًا لاستعلان هذه الحرية. فإذا أراد الإنسان أن يتمتع بهذه العطية الإلهية  فعليه أن يتجاوز أولاً ذاته.

التحرر من الذات يقود إلى الإطلاع على أعماق لا نهائية في الله الذي هو بحسب الجوهر حر، وقدرته على الحرية هى قدرة على الإخلاء. ولذلك تظل كل دعاوى الحرية والمناداة بمزيد من الحريات، أمر غير مكتمل الملامح، لأنه غير مرتبط بالقدرة على التحرر من الداخل؛ وإن كان هذا أمرًا مطلوبًا لكنه يظل قاصرًا، لقد حققت الثورة الفرنسية الحرية لكل الشعب وتم هدم سجن الباستيل ، لكن هذه الحرية لم تصل إلى كمالها. لأن الذي حدث هو هدم لكل مظاهر الاستعباد ورموزه التي كانت تُمارس بعنف ضد كل الشعب، لكنها ظلت حرية محصورة ومحدودة طالما أنها لم تحقق تطهيرًا ونقاوة للداخل[14]. الحرية بالمفهوم المسيحى أُعطيت للإنسان من أجل أن تكتمل الصورة الحقيقية لملكوت الله، الإنسان الذي تحرر من ذاته، قد تحرر من كل شئ يجعله مُقيدًا بأمور هذا العالم. سعيه ينحصر في اكتشافه لذاته، واكتشافه لذاته يقوده لمعرفة الحق، ومعرفة الحق تعنى مسيرة نحو الاتحاد بالله، وهنا تتحقق الحرية الحقيقية، ويتمكن الإنسان من أن يساهم في بناء ملكوت الله ويحققه داخل الزمن؛ بمعنى آخر، يتمكن من ممارسة الحب نحو الجميع. الحب هو كشف عن الحرية الداخلية، وكل مَن تحرر باطنيًا ليس أمامه طريق آخر غير طريق الحب[15].

          إن معرفة الله اختباريًا تؤّسس على الحب، والحب يفترض خروج من الذات، وكل افتراض عكس ذلك، يُدخل الحب في دائرة النظريات والأفكار والفلسفات. يقول رونيه أوبير “ المربى الحقيقي ليس فقط الفرد الذى يحمل قيمًا روحية ولا الواضع لنظريات التربية. إنه الإنسان الذى يدفعه ميله الروحى العميق أن يكرس نشاطه وحياته لتحقيق هذه القيم لدى الآخرين”[16]. والحياة تحتوى دومًا على اتجاهين متناقضين، الواحد يكمن في دائرة الأنا (الذات) وهذا الاتجاه يرى في تحقيق الذات سر الوجود الإنسانى، ويرى في الآخر سببًا للتوتر والقلق والتعاسة. بينما يرى الاتجاه الآخر أن الحياة في أعماقها الحقيقية تؤسس على إنكار الذات، وهذا مبدأ من أساسيات التلمذة والتبعية للمسيح “ إن أراد أحد أن يأتى ورائى فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعنى” (مت24:16) وهنا حَمْل الصليب كما أشار رب المجد يتطلب إنكار للذات، بل أن التبعية تتطلب هذا الإنكار المستمر للذات. إن عملية الخروج من الذات هى في جوهرها عملية خلق مستمر، لأنه على قدر خروج الإنسان من ذاته؛ على قدر ما تُكتشف الحقيقة، حقيقة الله والكون وحقيقة ذاته. ملكوت الله يؤسس على هذا الخروج من الذات. لذلك كُتب على أحد حوائط دير أفيرون بجبل آثوس “ أن تموت قبل أن تموت فحين تموت لن تموت “. عندما قال القديس بطرس للرب يسوع “ ها نحن قد تركنا كل شئ وتبعناك “ أجابه على الفور “وهل أعْوَّزكم شئ“. الترك لا يعنى التنازل عن شئ، لكنه في الحقيقة تحرر من كل شئ، لتصير قادرًا على أن تعطى حتى ذاتك. الملكوت هو الآخرين. الله هو الآخرين. هكذا صنعت السامرية “ تركت جرتها ومضت إلى المدينة “ لكى تُبشّر الآخرين بالمسيا المنتظر ـ المسيا المخلّص. ويعلّق القديس كيرلس الأسكندرى على هذا الترك قائلاً “ إن السامرية لم تأخذ معها الماء الذي جاءت لتسحبه من أعماق البئر، ولم تحمل جرتها التي من الطين معها إلى بيتها، بل بالحرى حملت النعمة الإلهية السماوية والتعليم المملوء حكمة الذي للمخلّص والذي ملأ كل مكامن ذهنها وإدراكها[17].

 التحول من الأنا إلى الآخر هو جوهر الحياة المسيحية، والجحيم هو الحرمان من الآخرين. الإنسان له هوية (كيانية) شخصية خاصة، تتجاوز الزمان والمكان. ومشكلة الإنسان الوجودية تُحل في هويته الشخصية الممنوحة له من الله، هذه الهوية الشخصية تتجلى عندما تشترك في حرية الله، وتنطفئ في حالة انحصارها في اكتفائيتها وذاتيتها وفرديتها[18]. واللجوء لأى مخرج سواء كان مخرجًا ماديًا أو فلسفيًا، علميًا، أو سياسيًا، أو حتى دينيًا لن يجدى، مادام هناك اتجاه نحو الاكتفائية الداخلية، التي فيها يرتدى الإنسان قناع السلوك الأخلاقى المهذب المستعار من نظريات وأفكار عالمية، لكنه في الحقيقة متغرب عن ذاته بسبب تغربه عن الله.

هذه العلاقة المتفردة هى علاقة شركة، وليست علاقة اختلاف (كأفراد). هناك تمايز بين الأشخاص، لكن هذا التمايز هو الذي يدعو إلى الشركة، لأن التمايز لا يعنى الاكتفاء، لكنه يعنى التفرد في شئ، وهذا التفرد يكتمل حين يدخل في شركة مع تمايزات من نوع آخر، وهنا يتضح مفهوم الشركة الذي فيه يضيف الواحد للآخر ميزته الخاصة به كشخص[19]. فالشخص وجوده مرهون بهذه العلاقة التبادلية في إطار من الحب المشترك. التعليم الكتابى واللاهوتى يعتبران الإنسان كيانًا واحدًا في علاقته مع البيئة. فهو يوجد في حالة شركة دائمة. فالشركة هى أساس الوجود، وأى كيان حقيقى لا يمكن معرفته بدون شركة، هذا ما أكده الآباء. وبالتالى لا يمكننا أن نفهم الوجود كوجود في حد ذاته، لأن كل كائن لا يوجد في حالة عزلة ولا يحيا كفرد[20]. في كثير من الأحيان لا يتحدد على وجه الدقة مفهوم الشخص، بل في كثير من الأحيان يتطابق مفهوم الفرد مع مفهوم الشخص. لكن في الحقيقة تعبير الشخص (prÒswpo) يختلف عن تعبير الفرد (/Atomo).

مفهوم الشخص يُعرف ويُستعلن في إطار العلاقة المباشرة بالآخر، أى يُفهم في إطار الشركة، أى في إطار المحبة. والمحبة هى الطريق الوحيد والأكيد الذي يعلن عن مفهوم الشخص. لأنها لا تفترض في الآخر شروط وصفات معينة، لكنها تقبله كما هو، في كمال تفرده الشخصى[21]. هذا التمايز الشخصى يكشف عن صورة الله في الإنسان، عن خواص الحياة الثالوثية التي طُبعت في الإنسان. استعلان الله الشخصى داخل التاريخ يبين لنا حقيقة الإنسان. ولذلك فالوجود الشخصى هو وجود حر، أى متحرر من كل تحديد، لأنه انعكاس للصورة الإلهية. الشخص يُستعلن في حريته. إن مفهوم الحرية يتحدد في القبول والرفض، ولذلك فالحرية هى التي تُحدد هوية الشخص. الشخص يعنى الحرية. والحرية المقصودة هنا حرية من الانحصار في الذات والانفتاح على  الآخر.

 وكما أشرنا، فإن أول خطوات تحقيق هذه الحرية هو اكتشاف الذات، أما استسلام الإنسان لفرديته وأنانيته وعدم قبول الآخر، فهذا يعنى رفض اختيارى لقبول الله داخل الإنسان، ورحيل إلى اللا معنى وسعى نحو الموت دون أن يدرى. هذا الموت يُمكن أن يُستعلن في كل مرة يسقط فيه الإنسان أسيرًا لشهوات نفسه ولا يقوى على التحرر من ذاته. الفردية هى تنصل مقصود من المساهمة في بناء المجتمع الجديد، أى المجتمع القائم على الحب. لقد ساهمت الرهبنة القبطية مساهمة فعاّلة فى ترسيخ هذه المفاهيم قولاً وعملاً. فكانت ترى فى محبة القريب الأساس لكل عمل روحى. ويذكر كتاب تاريخ الرهينة المصرية [ أن رهبان البرية لم يهملوا قط رعاية الفقراء وباستمرار كانوا يرسلون قمحًا وملابسًا لفقراء الأسكندرية ] ويشير أيضًا إلى أمر يكشف عن الدور الحيوي الذى قام به الرهبان تجاه المجتمع فيقول [ كان يُعد أمرًا نادرًا جدًا أن نجد إنسانًا فقيرًا يعيش بجوار الأديرة] [22]. وهذا راجع بطبيعة الحال إلى أن الرهبنة كانت تحمل رسالة حب نحو الجميع وبالأولى نحو الفقراء. فكل منا مسئول مسئولية مشتركة نحو تأسيس هذا المجتمع. رفض هذه المسئولية، هو تشويه متعمد لصورة الله في  الإنسان. لأن الانحصار في الذات يقود إلى نتائج سيئة لا تنعكس فقط على صاحبها، بل أيضًا على محيطه الاجتماعى الذي ينتمى إليه، والذي يُفترض أن عليه مسئولية تجاهه, لأن وجود الإنسان مرهون بوجود الآخر “ ليس جيدًا أن يكون آدم وحده فأصنع له معينًا نظيره[23] غياب الآخر يُصّير الحياة بلا معنى. مَن يظن أنه يحقق ذاته في تحقيق المزيد من أمور هذا العالم الحاضر، باعتبار أن نمط الحياة المعاصرة يفرض مثل هذا السلوك، هو ظن خاطئ، لأن الحياة لا تنحصر في إطار هذا العالم، بل تمتد إلى حياة أبدية. فالحياة لا تنتهى بالموت البيولوجى، لقد صار هذا الموت معبرًا لحياة أبدية [24].

          تحددت ملامح الحياة الجديدة بتجسد المسيح “ فإن الحياة أُظهرت “ هكذا صارت الحياة التي نحياها الآن حياة قيامية، أى تحمل داخلها قوة قيامة المسيح، نعم تحمل في داخلها طريقًا للآلام، لكنه سينتهى حتمًا إلى الأرض الجديدة والسماء الجديدة. ولذلك فمَن يريد أن يتمتع بالحرية الحقيقية، عليه أن يتحد بالمسيح الذي يحرر من كل قيد يعوق النفس عن الانطلاق والاطلاع على أسرار ملكوت الله. ستبقى البشرية في حالة صراع دائم ومواجهات ساخنة ما دامت غير قادرة على تفهم حقيقة الحياة الجديدة المؤسسة على الحب، ولا نقصد الحب في إطاره الأخلاقى القائم على احترام معطيات اجتماعية هى بطبيعتها معطيات متغيرة، لكن في إطاره المسيحى المؤسس على تقديم الذات “ مَن وجد نفسه يُضَيعها ومَن أضاع نفسه من أجلى يجدها “ (لو24:9). المحبة الإنجيلية هى تجسيد لحالة الإخلاء، فهى لا تهدف لمجرد التحسن الأخلاقى، لكنها تهدف إلى حياة الوحدة على مثال الثالوث “ ليكونوا واحدًا كما نحن “ (يو21:17) “ وأنا أعطيتهم المجد الذي أعطيتنى ليكونوا واحدًا كما أننا نحن واحدًا “ (يو22:17).

           الناموس كله والأنبياء يتعلقون بوصيتين، هما “ محبة الرب من كل القلب، ومن كل النفس ومن كل الفكر، هذه هى الوصية الأولى والعظمى، والثانية مثلها، محبة القريب كالنفس”. ولذلك تصير الحياة بلا معنى عندما يبقى الإنسان أسيرًا لذاته. سر شقاء الإنسان وتعاسته، أنه يرى نفسه مركز الكون كله، وأن كل شئ حوله يجب أن يُسّخر لخدمته. بينما الخروج من هذه  الحالة يعنى  الدخول في مجال الحياة الحقيقية، والتي تتطلب بالضرورة وجود الآخر. الآخر هو الذي يُكمل شكل الحياة، أو أن الحياة لا تكتمل بدون  الآخر. كما قالت الكاتبة والأديبة المعروفة هيلن كيلر في عبارتها الشهيرة: “ أُفضّل أن أسير في الظلام مع رفيق على أن أسير في النور وحدى “.

          هذه المحبة هى المؤشر الذي يشير إلى عودة صورة الله في الإنسان والعودة إلى الوجود الحقيقى والحياة الحقيقية “ أيها الأحباء لنحب بعضنا بعضًا لأن المحبة هى من الله وكل من يحب فقد وُلد من الله ويعرف الله. ومَن لا يحب لم يعرف الله لأن الله محبة “ (1يو7:4) “ الله محبة ومَن يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه “ (1يو16:4).

          ويلاحظ استخدام القديس يوحنا لتعبير كل مَن يحب.. يعرف الله.. ومَن لا يحب لم يعرف الله مع صلاة يسوع للآب “ أيها الآب البار؛ العالم لم يعرفك.. أما أنا فعرفتك “ (يو25:17).

          إن تعبير المعرفة الوارد في الآيتين يعنى اختبار الوحدة، وليس مجرد المعرفة الذهنية، العالم لم يعرف  الله لأنه لم يمارس الحب بعد، أما المسيح فقد عرف الآب لأنه في حالة حب دائم مع الآب والروح القدس، ولذلك فقد أكد القديس يوحنا على هذه الحقيقة مشيرًا إلى أن “كل مَن يحب.. يعرف الله “ أى يختبر قوة حضوره ويختبر هذه الطاقة المجددة، التي تعطى إمكانية المزيد من المحبة. ولذلك، مَن لا يحب لم يعرف الله.. الله لا يحل في نفوس لا تعرف  الحب، لأن الله محبة. كما قال فاريون: المحبة ليست صفة من صفات الله، بل أن صفات المحبة هى صفات الله” [25].

          لن تأتى المحبة (أى الله) إلى نفوس لم تتدرب بعد على إنكار الذات وطلب النعمة المحررة من كل الرغبات والشهوات ومن الأَسر لقيود الخطية. وعكس ذلك سيبقى الآخر هو الجحيم كما قال سارتر.

 لقد تصدر الشرق الأوسط قائمة المستوردين للأسلحة في العالم، وكشف تقرير أصدره مركز الأبحاث التابع للكونجرس الأمريكى عن أن الدول النامية أنفقت 25.4 مليار دولار على شراء الأسلحة خلال عام 2000، في حين بلغ إجمالى مبيعات الأسلحة الدولية نحو 36.9 مليار دولار[26]، وهذا مؤشر له خطورته، لأنه يوضح الحالة التي وصل إليها الإنسان.

فمن يبيع يدرك خطورة استخدام هذه الأسلحة، ومَن يشترى يعرف لماذا اشتراها، فهو يعرف أنها صُنعت لقتل الآخر، وتدمير البيئة وخراب المجتمعات. تلك هى صورة من صور كثيرة تكشف عن أن غياب الحب، يعنى غياب الحياة، “ ونحن نعلم أننا  انتقلنا  من  الموت  للحياة  لأننا  نحب الاخوة “ (1يو14:3).

          هذه مؤشرات واضحة لسيادة الفردية وغياب مفهوم الشخص، أى غياب مفهوم الحب الحقيقى. الأصل في  الإنسان أنه شخص هكذا خلقه الله، وعندما خُلق آدم، فقد وجد الله أنه ليس حسنًا أن يبقى وحده. لأن مفهوم الشخص لا يتحقق في الوحدة، بل يتحقق بالآخر كما أشرنا، لم يكن من الممكن أبدًا أن يظل آدم وحده، لأن هذا يعنى عدم اكتمال صورة الله في الإنسان، الصورة تتحقق بالإخلاء لحساب الآخر، وإخلاء بدون آخر لا يُعد إخلاءً، وجود الآخر يُحفز على الإخلاء، هكذا تكتمل الصورة. لكن أن يتحول الإنسان المعاصر إلى وضع آخر ويبتعد بعيدًا عن بيئته الحقيقية التي أوجدها الله له؛ أى أن يتحول من الشخص للفرد، فهذا يعنى دعوة إلى الموت والدخول في دائرة اللامعنى. إن الحاجة ماسة اليوم لتأكيد مفهوم الشخص، لسيادة الحب بين البشر. والحقيقة أن هناك نماذج كثيرة جدًا لأولئك الذين قدموا حياتهم دفاعًا عن حق الإنسان في حياة كريمة حرة وعادلة. “ هكذا قال الرب. احفظوا الحق واجروا العدل. لأنه قريب مجىء خلاصى واستعلان برى. طوبى للإنسان الذي يعمل هذا ولابن الإنسان الذي يتمسك به “ (إش1:56ـ2).


[1]  يقول قداسة البابا شنودة الثالث [ إن المسيحية أعطت روحًا ولم تضع تشريعًا مدنيًا إنها حينما ظهرت كان الرق يُمارس فى الأرض ولم تصدر المسيحية قانونًا يحرم الرق وإلاّ كانت فى نظر الناس وفى نظر الحُكام فلسفة ثورية ضد نظام الحكم. وإنما وضعت المسيحية روحًا من المحبة ومن المساواة وظلت تعمقها فى قلوب الناس حتى أُلغى الرق عملاً وإن لم يُلغ نص القانون] (العدالة الاجتماعية رؤية مسيحية) 1995م ص 9.

[2]  العدالة والسلام في العهد القديم والعهد الجديد، هما عطيتا الروح القدس في القلب الذي تنقى، هذا الروح هو الذي يجعل الإنسان قابلاً لرؤية الله حتى يصل إلى كمال المحبة “ اتبعوا السلام مع الجميع والقداسة التي بدونها لن يرى أحد الرب” (عب 14:12). “وطوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله” (مت 8:5). العدالة والسلام في الإطار الاكليسيولوجى ـ حوليات معهد القديس يوحنا الدمشقى، د. يوحنا رومانيدس، ص 118.

[3]  خريستوس كريكونيس “ تعاليم آبائية “ إصدار مركز دراسات الآباء، القاهرة  1995، ص49

[4]  فرنسوا فاريون “ فرح الإيمان بهجة الحياة “ بيروت، 1986 ص 153.

[5]  [خير ما يقدمه الإنسان هو أن يبذل نفسه، فبذل النفس هو أرفع أنواع البذل.. هكذا كل عطاء خارج عن الذات هو عطاء لم يصل بعد إلى الكمال. فإذا أعطيت لإنسان مالاً دون أن تعطيه حبًا فقد أعطيته من الخارج ولم تعطه من ذاتك من الداخل فلا يكون عطاؤك سليمًا] قداسة البابا شنودة الثالث، العدالة الاجتماعية رؤية مسيحية ص23.

[6]  G. Mantzar…dh “ cristianik» Hqik» “ qes/n…kh 1995, P 23-28

[7]  “To MEGA GERONTIKON” tomoj D, Qes‚nikh 1999, s 275.

[8] G. Mantzar…dh “ cristianik» Hqik» “ qes/n…kh 1995, P. 248.

[9]  G. Mantzar…dh “ cristianik» Hqik» “ qes/n…kh 1995, P. 249.

[10]  أقوال الآباء الشيوخ ـ منشورات النور، 1990، ص 40.

[11] Alvyn Pettersen, “Athanasius presentation of Antony of The Desert”, Oxford 1989, p. 439.

[12]   cr»stou Giannar£, alfabht£ri Thj P…sthj, Aq»na, 1983, P. 61

[13] N. MatsoÚka “ kÒsmoj /Anqrwpoj koinwn…a… “ Aq»na 1980, P. 131.

[14]  الحرية الحقيقية هى أن يتحرر الإنسان من الأخطاء .. يتحرر قلبه من كل المشاعر الرديئة، ويتحرر عقله من الأفكار المنحرفة ومن كل خطأ فكرى .. يتحرر أيضًا من الخضوع للشيطان، يتحرر من كل قيادة تفرض سلطانها على إرادته، لتقوده حسب هواها في مسيرة منحرفة. هذه هى الحرية التي قال عنها الكتاب “ إن حرركم الابن، فبالحقيقة تكونون أحرارًا” (يو 36:8) قداسة البابا شنودة الثالث “ عشرة مفاهيم “، 1993 ص 20

[15]  M . Kardam£kh “ H al»qeia gia thn Eleuqer…a “ Aq»na, 1985, r 65.

[16]  “التربية العامة” ترجمة د. عبد الله عبد الدايم، بيروت 1983، ص 272.

[17]  لقاء المسيح مع السامرية للقديس كيرلس الاسكندرى، ترجمة مركز دراسات الآباء ـ د. نصحى عبد الشهيد، ص 17.

[18]  N. MatsoÚka “ kÒsmoj /Anqrwpoj koinwn…a… “ Aq»na 1980, P.146-147.

[19] cr»stou Giannar£ “ To prÒswpo kai O šroj “ Aq»na 1987, P. 37.

[20]  أنظر يوحنا زيزيولاس “ الوجود شركة “ ترجمة مركز دراسات الآباء 1989، ص 18

[21]  [ المسيحية تريد لكل إنسان أن يكون له ك

.