August 2019
S M T W T F S
« Jun    
 123
45678910
11121314151617
18192021222324
25262728293031

          وُلد في أثينا من أبوين وثنيين حوالي سنة 150م ولا نعرف شيئًا عن كيفية تحوله إلى المسيحية. لقد درس المسيحية بجدية وسافر من أجل طلب العلم إلى جنوب إيطاليا وسوريا وفلسطين ليسمع أشهر المعلمين المسيحيين وهذا ما نعرفه من الفصل الأول لكتابه “المتنوعات” وصار دارسًا جيدًا للأسفار المقدسة إلى جانب معرفته الجيدة للأدب والفلسفة اليونانية التي كان يعتبرها عمل من ضمن أعمال القدرة الإلهية. واستقر أخيرًا في الأسكندرية بعد أن استمع إلى عظات وتعاليم العلامة بنتينوس مدير مدرسة الأسكندرية وأُعجب بها، راغبًا أن يتتلمذ على يديه. ثم أصبح مساعدًا له في إدارة مدرسة الأسكندرية، ثم مديرًا لها من بعده حوالي سنة 190م. وبسبب اضطهاد الإمبراطور سبتيميوس ساويرس (202ـ203م) ترك الأسكندرية، والتجأ إلى تلميذه ألكسندر في فلسطين، وهو الذي صار أسقفًا لكنيسة أورشليم فيما بعد. ومات العلامة اكليمنضس هناك سنة 215م دون أن يعود مرة أخرى إلى الأسكندرية في مصر.


سمات كتاباته[1]:

          1 ـ التعبير عن الإيمان من خلال المعارف الإنسانية، لذلك نرى في كتاباته ولأول مرة في تاريخ الأدب المسيحى، يلتقى التعليم المسيحى مع الكتابات الأخرى المعاصرة له. لذا دعاه العالم كواستن “رائد الثقافة المسيحية”[2]. وفي كتابه “المتفرقات” يعطى مقدمة واضحة للقارئ عن الكتاب يشرح فيها منهجه الذي يمزج فيه الدراسة والمعارف الإنسانية ـ وخاصةً الفلسفة ـ بالإيمان. لذا يعلن للقارئ أنه لن يتردد في استخدام أفضل ما في الفلسفة مستشهدًا بما قاله بولس في (1كو20:9ـ22) “صرت لليهود كيهودى لأربح اليهود …“. ويذكر اكليمنضس للقارئ تشبيهًا رائعًا في نهاية الفصل الأول يعبر به عن قيامه بمزج الحق بنظريات الفلسفة قائلاً: [ لذلك فإن المتفرقات سوف تحتوى على الحق مخلوطًا وممزوجًا بنظريات الفلسفة، أو بتعبير آخر مخفيًا ومخبوءًا في داخلها، كما يختفى الجزء الذي يؤكل من البندقة داخل قشرتها الصلبة لأنه في رأيي أنه من اللائق أن تُحفظ بذور الحق فقط لفلاحى الإيمان ولا تُبذل للآخرين ]. ثم يرد على هؤلاء الذين ينتقدونه لأجل هذه الطريقة متذرعين بأنه يجب علينا أن ننشغل فقط بالإيمان، وأن الفلسفة دخلت حياتنا بتأثير شيطانى قائلاً: [ومن خلال هذه المتفرقات، سوف أوضح وأظهر أن للشرير طبيعة الشر وهو لا يستطيع أن يخرج منه خير قط، وبذلك أظهر كيف أن الفلسفة في معناها هى عمل من أعمال القدرة الإلهية ][3].

          2 ـ تحقيق العمل الرعوى من خلال الاستعانة بالمعارف الإنسانية: لقد قال عنه هانز فون كومنبهاوزن: [ تساؤلاته وبحثه وتفكيره لا تقف عند نهاية … هو معلم المناقشة (الجدل) … وهو أيضًا خادم، يرى غايته في ان يقدم الناس إلى المسيح. عمله تبشيرى بطريقة شخصية مرنة … مع أن اكليمنضس لم يكن بالباحث الحقيقى بل رجل تبشير .. كان راعى النفوس المثقف ][4]. لذا نجد اكليمنضس في الفصل الأول من كتابه المربى يقول [ نحن المرضى نحتاج إلى الشافى والمخلّص، نحن الضالين نحتاج إلى المرشد، نحن العميان نحتاج إلى مَن يضىء عيوننا، نحن العطاش نحتاج إلى ينبوع الماء الحى، نحن الأموات نحتاج إلى مَن هو الحياة … فالبشرية كلها تحتاج إلى يسوع … هذا هو حقًا المُربى الصالح الذي يقول: لم آتِ لأُخدَم بل لأخدِم، ويتعهد بأن يبذل نفسه فدية عن كثيرين … ما أعظم هذا العاطى الذي يعطينا أفضل ما عنده، أي حياته. وما أعظم إحسانه كمحب للبشر، حتى أن يكون أخًا للبشر بدلاً من أن يكون لهم سيدًا، بل وتمادى في إحسانه حتى مات لأجلنا ] (المربى 9:1)[5].

المسيح هو نبع المعرفة الحقيقية:

          لقد أراد اكليمنضس أن يكون كل مسيحى هو غنوسيًا حقيقيًا أى عارفًا المعرفة الحقيقية، لهذا كما ذكر القمص تادرس يعقوب، انصب تفكيره في عمل السيد المسيح الخلاصى على “النور” الذي يشرق على فهمنا المظلم فنستنير، ولذلك احتفظ بتسمية المعمودية “بالنور” حيث تبدد الظلمة التي تحجب العين الداخلية عن معاينة “الحق” وإدراك المعرفة الإلهية. وفي كتابه “نصح للوثنيين” الفصل التاسع يدعو البشرية لقبول السيد المسيح قائلاً:” اسمعوا أيها البعيدين، وأيها القريبين، فإن اللوغوس ليس مخفيًا عن أحد. إنه النور الشامل الذي يضئ الكل. لم يعد في العالم ظلمة. لنسرع إلى خلاصنا. لنسرع إلى تجديدنا”[6]. ويتسائل قائلاً: [ ما هى النصيحة التي أقدمها لكم؟ إنى أحثكم أن تخلصوا. هذا ما يريده المسيح وفي كلمة واحدة: أنه يهبكم الحياة مجانًا ][7].

          نستطيع أن نستخلص من سمات كتابات اكليمنضس أن هناك مبادئ تضمن لنا التفسير الصحيح للكتب المقدسة قد رأيناها بوضوح من خلال منهجه وأسلوبه. هذه المبادئ على سبيل المثال هى:

          1 ـ الحرية التي كان يتمتع بها في استخدام المعارف الإنسانية وخاصةً الفلسفة للتعبير عن الإيمان. لقد كان اكليمنضس ابن عصره، فقد عرّف العلوم الإنسانية التي كانت في زمانه واستخدمها ـ دون أن يتردد ـ في التعبير عن الإيمان المسيحى. وبالرغم من أن اكليمنضس كان يعرف الطريقة النماذجية في تفسير العهد القديم والمأخوذة من التقليد اليهودى، وذلك من القديس يوستينوس وكان يؤمن بها إلاّ أنه استخدم التراث الأدبى اليونانى والأسكندرى في شروحاته. ومساهمة اكليمنضس الأساسية هى في أنه عبّر عن المسيحية بواسطة التراث الأدبى الثقافى الأممى لكى يتواصل مع أبناء عصره ويبشرهم بها. لقد استخدم اكليمنضس التفسير الرمزى لكى يرفع “المسيحية” إلى مستوى “الفلسفة الحقيقية” وذلك ببراهين جادة ومقنعة.

          2 ـ الهدف الجوهرى من استخدام المعارف الإنسانية ـ عند اكليمنضس ـ هو التبشير بالمسيح، لذا فيسوع المسيح بالنسبة للعالم ليس هو فقط ضابط الكل، لكن هو المربى العظيم O Mšgaj PaidagwgÒj للإنسانية. [ عندما نكون سامعين للكلمة فلنمجد التدبير الصالح الذي عليه ننشأ، فإن الإنسان يتقدس كابن الله ويتسلم ـ وهو على الأرض ـ التعليم الذي يجعل منه مواطنًا سماويًا ] (المربى 12:3).

          3 ـ إن معرفة الله عند اكليمنضس، هى هبة إلهية لا يمكن بلوغها بدون نعمته. ويحدد دور الفلسفة في أنها تعيننا لأن نعرف ما هو ليس الله، وهو أمر هام به تزول الأفكار الخاطئة التي في أذهاننا والتي في أذهان الآخرين. أما إدراك الله فلا يمكن بلوغه إلاّ بالنعمة الإلهية وحدها لأنها تفوق حدود التفكير المنطقى. هكذا يعبر من الفلسفة إلى الدين لأن طريق المعرفة الإلهية هو الاتحاد مع اللوغوس المولود من الآب، اتحاد مع السيد المسيح في القداسة. فإن الله غير المعروف يصير معروفًا خلال اللوغوس. من يرفض نعمة الله ويتجاهل اللوغوس يبقى الله بالنسبة له غير معروف. لذا في الفصل السادس من المتفرقات يؤكد على أن معرفتنا وفردوسنا الروحى هو مخلّصنا نفسه الذي فيه نُزرع بعد أن نُقلنا من الحياة العتيقة إلى التربة الصالحة … الرب نفسه هو معرفتنا. يليق بالغنوسى أن يُنقل إلى السيد المسيح نفسه لكى يُزرع منه. عليه أن يقتلع جذوره القديمة ليتأصل في المسيح، بهذا يصير خليقة جديدة يتحرر من الإنسان العتيق والأمور العتيقة ليدخل إلى الحياة الجديدة.

          4 ـ البعد الكنسى مهم جدًا للتفسير الصحيح للكتاب المقدس، فيؤكد على الاتحاد باللوغوس بواسطة حياة المعمودية حيث تتطهر نفس الإنسان من الخطية التي تفصلنا عن الآب، ويتخلّص الإنسان المعمد من الانقسام الداخلى والحرب الداخلية فينعم بالسلام الداخلى خادمًا الله في كل شئ متممًا إرادة الله على الأرض كما في السماء.

أعمال اكليمنضس التفسيرية:

          لم يكتب اكليمنضس أعمال تفسيرية خاصة، لكن عظته عن “مَن هو الغنى الذي سيخلص” والتي فيها يفسر رمزيًا ما جاء في (مر17:10ـ31) نجدها في باترولوجيا مينى المجلد التاسع 63ـ65. أوضح في شرحه ـ وذلك باستخدام المنهج الرمزى ـ أن الأغنياء يستطيعون أن يرثوا ملكوت السموات، لأن الخطية هى شر وليس الغنى.

          أيضًا يخبرنا يوسابيوس القيصرى عن كتاب لااكليمنضس هو “وصف المناظر”، فيه وصف موجز لجميع أسفار الكتاب المقدس القانونية بالاضافة إلى رسالة برنابا والسفر المسمى “رؤيا بطرس” (من الأسفار الأبوكريفا) ويقول العلامة اكليمنضس إن بولس الرسول هو كاتب الرسالة إلى العبرانيين، وأن القديس لوقا البشير هو الذي ترجمها إلى اليونانية لتنتشر بين اليونانيين. وإنه طبقًا لتقليد الآباء عن ترتيب الأناجيل، فالإنجيلان المتضمنان سلسلة نسب المسيح كُتبا أولاً. معظم هذا الكتاب مفقود، وحُفظت شذرات منه فقط في نصفه اليونانى منشورة في مجموعة الآباء باللغة اليونانية المعروفة بالـ  P.G [8].

وحى الكتاب المقدس:

          يؤمن اكليمنضس بإيمان الكنيسة عن وحى الكتاب المقدس بدون أن يشرح ماذا يعنى بالوحى. الأهمية عنده للنتائج التي تخص طبيعة الكتاب. وعندما يربط الروح بالكتاب فإنه يلجأ إلى الفكر الأفلاطونى، فالكلمات تُصوّر ما في الذهن. أيضًا يعتبر أن مُلهم الكتاب هو الرب “اللوغوس”. فهو الذي يعمل ويتحدث بواسطة الأنبياء. بالتالى يحتوى الكتاب على صوته الذي يعمل كـ “كتاب سيدى”، وهذا يقودنا إلى أن أقوال وكلمات الكتاب هى مقدسة وأُوحى بها. بمعنى أن اكليمنضس يعطى أهمية خاصة إلى قداسة الحرف ووحى الكتب بدون أن يتبنى بوضوح الوحى فيما يخص كل حرف مثل أوريجانوس. الكتاب المقدس له ملمح رمزى عند اكليمنضس. وهذا الملمح الرمزى ليس جديدًا بل هو طريقة قديمة للتعبير في تاريخ الفكر الإنسانى. فكل الفلاسفة اليونانيون والشعراء وحتى البرابرة لكى يعبروا عن الحقائق الدينية السامية كانوا يستخدمون الرمزية والتورية في تفسيرهم للنصوص التي كانت بين أيديهم.

          يرى اكليمنضس أن الكتاب المقدس هو المرجع الأخير والحاسم، فـ “الذي يؤمن بالكتاب المقدس وبصوت الرب العامل لخير البشرية فهو مؤمنًا حقًا”       (stromata 7:16). لهذا انكب على دراسة الكتاب المقدس.  وكان مغرمًا بسفر المزامير على وجه الخصوص، ومعجبًا بالحكمة البارعة في سفرى الأمثال والحكمة. كان في ذهنه دائمًا إشعياء وإرميا وحزقيال، أما عن العهد الجديد فكان محبًا للموعظة على الجبل وإنجيل القديس يوحنا[9].

الكتاب المقدس والهراطقة:

          يشرح اكليمنضس في نهاية الكتاب السابع من “المتفرقات” الفرق بين المؤمنين والهراطقة قائلاً إننا قبلنا الحق خلال الكتاب المقدس، خلال صوت الرب نفسه وليس خلال آراء الناس كما يفعل الهراطقة. فإن الهراطقة، وإن كانوا يستخدمون الكتاب المقدس لكنهم لا يعرفون الحق. إنهم يقرأون الكتاب المقدس بطريقة سطحية. يقرأونه في كسل دون ان يدخلوا إلى أعماقه. بهذا لا يتعلمون أسرار المعرفة الكنيسة (strom7:97). ومشكلة الهراطقة ـ بحسب اكليمنضس ـ أنهم يسرقون مقتطفات من الحق ويدفنونها في نظام فكرى بشرى، يقتطعون عبارات متفرقة ومقاطع غامضة ويشكلونها حسب أهوائهم. بهذا لا يدخلون من بابها الرئيسى إنما يدخلون من باب جانبى خفى .. لهذا يصير الكتاب المقدس بالنسبة لهم عقيمًا، أما بالنسبة للكنيسة فالكتاب أشبه بالقديسة مريم العذراء التي تحمل أسرار الحق مخفيًا داخلها، فتنجب “الحق”. هكذا فإن الهراطقة يختارون عبارات غامضة يحرفونها لخدمة آرائهم الخاصة، ويجمعون عبارات قليلة من هنا وهناك، غير مهتمين بالمعنى بل بطريقة استخدام الكلمات فقط، وفي أغلب اقتباساتهم تجدهم يهتمون بالألفاظ وحدها غير مبالين بالمعانى (strom 7:16:96). وبالرغم من أن الهراطقة يتحدثون عن الله الواحد، ويسبحون ويرنمون للمسيح إلاّ أنهم ـ بحسب اكليمنضس ـ يتكلمون بغير تدقيق، مخالفين الحق، إذ اكتشفوا لهم إله آخر وقبلوا مسيحًا ليس حسب النبوات (strom 6:15). الكتب المقدسة بالنسبة للغنوسيين الحقيقيين، أى الذين اقتنوا المعرفة المسيحية الحقيقية هى حبلى، أما بالنسبة للهراطقة فإنها تبدو غير حبلى لأنهم لا يفهمونها (strom 7:16).

المعارف الإنسانية ضرورية لفهم الكتاب المقدس:

          يشرح العلامة اكليمنضس بإسهاب في الفصل التاسع من “المتفرقات” أهمية المعرف الإنسانية قائلاً: {هناك البعض الذين يظنون أنهم موهوبين ولا يرغبون في أن يكون لهم صلة بالفلسفة، أو بالمنطق و لا رغبة عندهم في دراسة العلوم الطبيعية، وهم يطلبون الإيمان المجرد فقط، وكأنهم يريدون أن يجمعوا من الكرمة العناقيد منذ البداية دون أن يبذلوا أي جهد في رعايتها}. ثم نستطرد قائلاً: {ولأن الرب له المجد، يصوَّر مشابهًا للكرمة، تلك التي تُجمع منها الثمار وتقطف الأعناب، وذلك بعد بذل الجهد والمشقة في رعاية الكرمة، واستخدام فنون الزراعة، حسب كلمة الله وتعليمه}. ويطبق العلامة اكليمنضس ذلك على شرح الكتاب المقدس قائلاً: [وبالحق كم هو ضروري ولازم لمن أراد أن يكون مشتركًا لله في قدرته وقوته، أن يتعامل مع أمور العقل ومسائل الذهن بأسلوب فلسفي، وكم هو مفيد ونافع أن يميز بين التعبيرات الغامضة في الكتاب المقدس بعهديه، تلك التي تستخدم أحيانًا بأسلوب الترادف، والرب عندما كان يُجرّب من الشيطان، واجهه إبليس بمهارة وبكلام غير مباشر ] الفرق بين الآباء المدافعون واكليمنضس بخصوص استخدام الفلسفة، هو أن الآباء المدافعون اكتفوا بأن يرفعوا التعليم المسيحي إلى مستوى الفكر الفلسفي. لكن اكليمنضس أراد أن يُدخل التربية الفلسفية ضمن الإعلان المسيحي. ويشرح اكليمنضس هذا الأمر بوضوح في الفصل الرابع من المتفرقات قائلاً: [ إن هؤلاء الذين لهم حكمة وفهم في أذهانهم لهم من الطبيعة هبة خاصة بهم، وأولئك الذين أبدوا قدرة وكفاءة، يتقبلون من الله الحكمة السامية التي  تفوق حكمة روح الفهم والإدراك (الذكاء) المضاعف القدر، وأولئك الذين يمارسون الفنون المعتادة، يملكون من الحواس والإدراك موهبة عظيمة، ففي حاسة السمع يتميز من يَسمى بالموسيقى، وفي حاسة اللمس تظهر موهبة الخزاف الذي يشكل الطين، وينبغ المغنى في الصوت، وصانع العطور في الشم، وفي الرؤية والنظر ينبغ ذلك الذي ينقش الأشكال على الأختام والأشياء ] ثم يستطرد قائلاً: [ كذلك فإن أولئك الذين يشتغلون بالتعليم، يدربون العقل والإحساس حسبما يدرب الشعراء أنفسهم على الإيقاع وتأثيره على النظم، والسوفسطائيين يسيطرون على أساليب التعبير، والمحاورون يتقنون فن النقاش والفلاسفة لهم قدرة على التأمل حتى في أنفسهم لأن الذكاء والإحساس الصادق يبحث ويجَّد ويبتكر ثم بعد ذلك يحث ويدفع إلى التطبيق، ذلك الذي في النهاية يستهدف المعرفة. لذلك وبسبب وجيه، أعلن الرسول بولس أن حكمة الله “متنوعة” (أف1:3) تلك التي أظهرت قوتها وسلطانها ” بأنواع وطرق كثيرة ” (عب1:1) بالفنون والمعارف بالإيمان والنبوات جميعها لفائدتنا ونفعنا. ولأن الحكمة جميعها هي من الرب، وهى مع الرب للأبد، وكما تعلّمنا من حكمة ربنا يسوع المسيح. لذا يعتبر الفلسفة هي بحث دائب في الحقيقة والصدق ويختم الفصل الخامس قائلاً: { كذلك فإن التدريب المبدئي الأولى المؤدى إلى الاستقرار والراحة في حضن السيد المسيح، ينشط العقل ويشحذ الذكاء، ويثير في الإنسان تطلعات إلى الحقيقة، وذلك من خلال الفلسفة الحقيقية الصادقة، تلك التي يمتلك ناصيتها الموعوظ المتأهب لنوال بركة الإيمان، تلك التي وجدها أو بالأحرى تلقاها من الحق ذاته}.

التفسير الرمزي والنماذجي

 Sumbolik» kaˆ tupologik» ermhne…a

          يؤكد العلامة اكليمنضس على الملمح الرمزي والنماذجي للناموس والأنبياء أي للعهد القديم ويشدد على أن المسيح نفسه يتحدث في العهد القديم، وأن النبوة والناموس صارا بواسطة اللوغوس الكلمة، وهما يتحدثان رمزيًا عن المسيح. وبهذا المفهوم فإن العهد القديم يعتبر نموذج “ tÚpoj “ و “مثال”. التفسير الرمزي أو النماذجى يهدف إلى التأكيد على الوحدة بين العهدين وليس على مجرد الاختلاف بينهما.

          الرمزية بالنسبة له تخفى الحق وتعلنه في نفس الوقت، فهى تخفى معانيها من الذين أعمتهم الخطية، في حين أنها تعلن أمورًا جديدة للمؤمنين. ويرى أن مسألة إخفاء المعنى يجعلنا نسعى على الدوام لاكتشاف الخلاص، وقد حُجبت أسرار النبوات المقدسة خلال أمثال لكى تحفظ للمختارين الذين يختارون المعرفة خلال إيمانهم[10]. أيضًا بالنسبة له فالرمزية تحفظ الحق من السخرية عليه أو تدنيسه، فالحق كاللؤلؤة أثمن من أن تقدم للخنازير، لذلك يجب أن نخفى التعليم التقليدى الشفوى لضرورة تفسيره. ويشبه رمزية الكتاب ببتولية العذراء مريم قائلاً: “إنها وُجدت عذراء حتى بعد أن ولدت، هكذا بالنسبة لنا كتاب الرب المقدس يلد لنا الحق ولا يزال عذراء إذ يحمل ختم أسرار الحق”[11]. وكأمثلة للتفسير الرمزى، يرى اكليمنضس في الحيوانات الطاهرة ذات الظلف المشقوق إشارة إلى الأرثوذكس الذين يتأملون شريعة الله باستقامة[12]. أيضًا ثوب يوسف الملون يشير إلى المعرفة المتنوعة[13]. وفي قول الرب “من ترك أبًا أو أمًا” (مت9:9) كلمة أب تشير إلى تنازل الإنسان عن حقه المرئى أما كلمة أم فتشير إلى الموطن أو القوت الذي يعوله[14]. وعدد عبيد لوط الذين أسروا كانوا 318 عبدًا لأن رقم 300 في شكله يشير للصليب ورقم 8 (يوتا وإيتا) يشير إلى اسم يسوع المخلّص (إيسوس).

          خاتمة: فإننا نستطيع أن نرى بوضوح المبادئ الأساسية للتفسير الكتابى في أعمال القديس اكليمنضس وخصوصًا التفسيرية، ومنها نذكر:

1 ـ الوحدة المطلقة للإرادة الإلهية في العهدين القديم والجديد. وهذه الإرادة أُعلنت قبل مجىء المسيح من خلال الشهادات النبوية في العهد القديم وتأكدت بالشهادة الرسولية عن المسيح والكرازة بعد صعوده بالقوات العجائبية التي تمموها باسمه[15]. ولا يمكن أن نتحقق من محتوى الكتاب وتفسيره بمعزل عن إرادة الله الواحدة سواء في العهد القديم أو في العهد الجديد أو في إيمان وحياة الكنيسة “في قوة المسيح”. والكتاب المقدس هو نفسه معيار وأساس للتفسير وأن الحق يشهد للحق[16]. هذه الوحدة بين العهدين مصدرهما التجسد وحضور الرب، لذلك فإن يسوع المسيح هو دائمًا المبدأ والمحتوى وموضوع وهدف التفسير الكتابى[17].

2 ـ التفسير المستقيم للكتاب يهدف دائمًا إلى الفهم العميق الذي يبتعد تدريجيًا عن الفهم الحرفى، وهذا الفهم العميق يُكشف بروح المسيح. لذا نجده يؤكد على ذلك في مقالة “مَن هو الغنى الذي سيخلص؟” قائلاً: “ونحن نعلم أن المخلّص لا يعلمنا كلمات بشرية، ولكنه يعلمنا كلمات الحكمة الإلهية الخفية. لذا لا يجب أن نستمع إلى أقواله من خلال حواسنا البشرية بل يجب أن نوليها حقها في الفحص والتمحيص”، وكيفية الفحص بالنسبة له هو ذكائنا فيقول “مستخدمين ذكائنا، لكى نبحث ونستخرج تلك المعانى المختبئة في هذه الكلمات لأنه حتى تلك الأشياء التي بسطها الرب للتلاميذ بنفسه نجدها تحتاج منا الانتباه، وربما أكثر من تلك الأشياء التي عبر عنها بأسلوب رمزى لما فيها من فيض الحكمة المتدفقة، بينما تلك الأشياء التي نظن أن الرب قام بشرحها بنفسه لأولئك الذين دعاهم الرب بأبناء الملكوت، تحتاج لمزيد من العناية أكثر من تلك الأشياء التي تم التعبير عنها في بساطة والتي من أجل هذا لم تثر لدى مَن سمعوها أى تساؤل بل يجب علينا أن لا نتلقاها في سطحية إذ أنها تتعلق بهدف الخلاص نفسه بل يجب التأمل فيها بالإعجاب والتعمق في التفكير إلى أعلى مستوى، ننقى أذهاننا وعقولنا حتى تلتقي مع روح مخلّصنا، وبهذا نصل إلى المعنى الذي لم ينطق به لذلك الاستعلان الإلهى”[18].

3 ـ أعطى قيمة للفلسفة والثقافة اليونانية، في مسألة التفسير الكتابى. وهذا المبدأ قد ركزنا عليه سابقًا عندما شرحنا سمات كتاباته.

4 ـ احتل “القانون الكنسى” أو “الإيمان الكنسى” أهمية محورية في فكر اكليمنضس وصار مبدءًا للتفسير الكتابى، إذ يتطابق مع “التقليد الكنسى”[19]، و “قانون الحقيقة”[20]، و “المعرفة الدقيقة”[21]، أو “المعرفة الكنسية”[22]. ولم يعطى اكليمنضس معلومات واضحة، مثل إيريناؤس وترتليانوس عن محتوى القانون الكنسى. ولم يشير إلى اعترافات إيمانية محددة، ودساتير المعموديات أى الاقرارات الإيمانية التي يجب أن يؤمن بها الذين سوف ينالون سر العماد. إنما عرّف القانون الكنسى بأنه يقر باتحاد العهدين الذي صار مؤكدًا بحضور الرب. وهذا التعريف هو ضد الغنوسية التي كانت تعتمد على التقاليد الأبوكريفية والشفاهية المزيفة. لذا فتعليم الرب الشفاهى نقل بواسطة الرسل، و “القانون” الكنسى أو “الإيمان” الكنسى يُقصد به تعليم الكنيسة الخريستولوجي المؤسس على شهادة العهد القديم والإنجيل وشهادة الكرازة الرسولية. والكنيسة ـ في هذا الإطار ـ ليست مجرد معيار خارجى للتفسير الكتابى، لكن المكان الذي نستقى منه المعرفة الصحيحة حيث فيها يتفاعل سر حضور المسيح ويتحقق الخلاص. وهناك حالة واحدة يربط فيها اكليمنضس تفسير الكتاب المقدس بالافخارستيا في الفصل العاشر من “المتفرقات” قائلاً: “عندما أخذ مخلّصنا الخبز شكر وبارك أولاً ثم كسر، ثم قدمه لنا لنأكل منه، وذلك بحسب العقل والفطنة، ولأننا إن عرفنا الكتب المقدسة سوف نسلك في طاعة الرب” ثم يستمر قائلاً: “وعمل البر لا ينفصل عن حديث البر، كذلك لا جدوى من تلقى الكلمة الصالحة، إن لم يتبعها العمل الصالح، ولذا فلا مكان للطاعة والإيمان إن لم تكن هناك الوصية، ويوجد ذاك الذي يبلغ الوصية ويشرحها مرشدًا إلى السلوك القويم. وهنا نحن نستفيد من الكلمات والأعمال في نفس الوقت، وأيضًا كل في دوره[23]. هكذا يربط بين اشتراك المؤمنين في الافخارستيا واشتراكهم في معرفة الكتاب المقدس أيضًا هذا الذي يتبعه طاعة الوصية.

X X X


[1]  انظر إلى محاضرات القمص تادرس يعقوب عن اكليمنضس الأسكندرى والتي نشرها دار فيلوباترون في كتاب: سلسلة آباء الكنيسة، الكتاب الثانى، الجزء الأول، القاهرة 1992.

[2] Quasten v12, p6.

[3]  المرجع السابق ص27ـ28.

[4]  المرجع السابق ص21.

[5]  أثناسيوس (راهب من الكنيسة القبطية)، فهرس كتابات آباء كنيسة الأسكندرية، الكتابات اليونانية، يناير 2003، ص49.

[6] Protrop.9.

[7] Protrop. 11, 113:3, 4:11:117:3, 4 ANFrs, vol 2,p203,204.

[8]  انظر المرجع السابق، ص53.

[9]  انظر سلسلة آباء الكنيسة، دار فيلوباترون، ص55.

[10]  المتفرقات 15:6.

[11]  المتفرقات 16:7.

[12]  المتفرقات 4:4.

[13]  المتفرقات 5:4.

[14]  المتفرقات 4:4.

[15]  المتفرقات NI 122,1.

[16]  المتفرقات V1,4.

[17]  المتفرقات VII 95,3-4.

[18]  سلسلة آباء الكنيسة، دار فيلوباترون، الكتاب الثانى، الجزء الأول، ص107ـ108.

[19]  المتفرقات VII 95,1.

[20]  المتفرقات VII 94,5.

[21]   المتفرقات VII 97,3.

[22]  المتفرقات VII 97,4.

[23]  المرجع السابق ص 68ـ69.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *