November 2017
S M T W T F S
« Oct    
 1234
567891011
12131415161718
19202122232425
2627282930  

المقدمة[1]

سر الإفخارستيا هو سر الأسرار في الكنيسة، إذ هو نفسه سر المسيح والكنيسة. فهو سر حضور المسيح الدائم فيها، ومن ثم حضور الآب والابن والروح القدس. لأنه حيث المسيح فهناك الآب والروح القدس.

القداس الإلهي ارتقاء إلى السماء :

القداس الإلهي هو خروج من هذا العالم، وإرتقاء إلى السماء. والمذبح المقدس هو رمز هذا الإرتقاء ووسيلة تحقيقه، فالمسيح صعد إلى سماء الأسرار، وسماء الأسرار هي الكنيسة على حد قول القديس يعقوب السروجى.

القداس الإلهي سر بقاء المسيحية في الشرق :

القداس الإلهي هو مركز العبادة ومحور الحياة الليتورجية في الشرق المسيحي كله، وهو سر بقاء المسيحية الشرقية حتى اليوم. إذ ظل القداس الإلهي سفينة نجاة لشعوب الشرق احتمت فيها من طوفان هذا العالم الذي وضع في الشرير.

بل كان وقت لم تكن فيه كنيسة الإسكندرية بالذات تملك من مقومات بقائها سوى القداس الإلهي والتسبحة اليومية، حتى أن كتابى الخولاجى المقدس والأبصلمودية السنوية المقدسة هما الكتابان الأساسيان اللذان حفظا لنا لاهوت الكنيسة وتعليمها في وجدان الشعب القبطى وفى بؤرة حياته اليومية، لاهوت يرتلونه كل يوم، لأنه لاهوت عبادى ليتورجى حى، بل مرتل ومنشود ومسبح من القلوب فى كل صباح ومساء.

القداس الإلهى لحظات من الأبدية :

القداس الإلهى ليس معدوداً ضمن ساعات هذا الزمن. إنه لحظات من الأبدية، نعيشها ونحن مازلنا فى الجسد. فنشترك ونحن داخل كنيسة مبنية من حجارة، ونحن ما نزال فى الجسد، فى ملكوت السموات. نشترك فى اليوم الذى صنعه الرب، فى أورشليم السمائية، فى الأبدية.

أهم مسميات الســر :

1. كسر الخبز

نالت ليتورجيا القداس الإلهى على مر العصور كثيراً من المسميات الطقسية. أما تعبير ” كسر الخبز″ فهو الإسم الأقدم لهذا السر، وقد ورد ذكره هكذا فى سفر أعمال الرسل عندما كان المؤمنون يجتمعون معاً بنفس واحدة لكسر الخبز والصلاة بإبتهاج وبساطة قلب. ( انظر أع 14:1 ، 46:2 )

2. الإفخارستيا

ويعد القديس إغناطيوس الأنطاكى ( 35-107م ) الشهيد هو أول من أشار إلى عشاء الرب السرى بكلمة ” إفخارستيا ـεὐχαριστεία” أي “الشكر”. موضحاً أن الإفخارستيا هى المعرفة بـ “كسر الخبز” حيث إستخدم لفظة “إفخارستيا ” أربع مرات فى رسائله.

3. الذبيحة

أما مصطلح “الذبيحة” فهو أقدم المصطلحات الطقسية الخاصة بالقداس الإلهي في كنيسة مصر، كما نجده عند العلامة أوريجانوس (85-254م )، والبابا تيموثاوس الأول ( 380-385م ) الذي يدعو القداس الإلهى بإسم “الذبيحة الروحانية “.

4. بروسفورا

ومن أقدم المسميات لهذا السر فى الكنيسة القبطية هو المصطلح اليونانى προσφορά  ( بروسفورا) والذى انتقل بنصه ونطقه إلى اللغة القبطية (بروسفورا) ويعنى “تقدمة”. فنص قداس القديس سرابيون أسقف تمى الأمديد فى القرن الرابع عنوانه الرئيسى هو Εὐχή προσφοράς  أي : “صلاة البروسفورا” أو “صلاة التقدمة”. وهى نفس الكلمة  “بروسفورا” التى وردت فى قوانين البابا أثناسيوس بطريرك الإسكندرية فى نهاية القرن الخامس ولكن المترجم لهذه القوانين إلى اللغة العربية فى القرن الحادى عشر ترجم كلمة  “برسفورا” القبطية إلى كلمة قداس1.

5. القداس الإلهي

إلا أن اللفظ الأكثر تداولاً بيننا نحن الأقباط الآن فهو “القداس”. أما السريان والموارنة فيشتهر القداس عندهم بإسم ή ἀναφορά (أنافورا ـ anaphora)، وهى كلمة يونانية تعنى المصطلح الليتورجى “تقديم القربان أو رفعه ـ offering” (الصعيدة).

وأطلقت الكلمة ” أنافورا” على الجزء الرئيسي من صلاة الإفخارستيا، وهو الجزء الذي يحوى التقديس والتذكار والتناول. ولأن الكلمة بذلك تغطى معظم صلوات الليتورجيا، فقد أطلقت عموماً على تقديم ذبيحة الإفخارستيا بكاملها.

6- سر الأسرار[2]:

لما كان سر الإفخارستيا في جوهره هو دخول إلى “العشاء الأخير” عينه لترى الكنيسة السيد المسيح نفسه كاهنها، حالاً في وسطها يقدم ذات الذبيحة التي قدمها لتلاميذه في عطية صهيون، لهذا دُعي هذا السر: “سرًا إلهيًا بل وسر والأسرار[3]“، “فائدة إلهية مهوبة[4]“، “سرًا مخوفًا[5]“، غير منطوق به[6]“، “فائدة روحية[7]“، “ذبيحة مقدسة مرهبة[8]“، وسوف نناقش أهم مفاهيم هذا السر.

القديس ذهبي الفم والإفخارستيا:

إستحق القديس يوحنا ذهبي الفم أن يدعي بحق “معلم الإفخارستيا” “Doctor Euchariste” ليس لأنه أكثر الحديث عن هذا السر العظيم، وشهد بأمانة وفي وضوح عن تحول القرابين، وحضور الرب حقيقيًا ككاهن السر الخفي، والذبيحة المحيية في نفس الوقت. لكنه أيضًا عرف كيف يسحب قلوب الكثيرين إلى مذبح الله، ويدخل بهم إلى المقدسات الإلهية… ويرتفع بهم إلى السماء ليدركوا سماوية السر، الذي تخدمه الطغمات السمائية، في شركة الأرضيين، تحت قيادة الرب نفسه. وأخيرًا يخرج معهم إلى الشوارع والطرقات، ليوضح لهم أن الفقراء والمعوزين”هم جسد الرب الجائع والعريان الذي يتألم كل يوم”[9].

+++
أولاً: مفاهيم سر الإفخارستيا[10]

1ـ سر الشكر:

+ الإفخارستيا والحياة الإفخارستية[11]:

لقد كان اسم “الإفخارستيا” هو الاسم المحبوب لدى الآباء في الكنيسة خلال القرنين الأول والثاني، يطلقونه على التقديس المسيحي”[12]. ويلاحظ في كتابات الآباء”[13] ونصوص الليتورجيات[14] مدى تمركز صلوات الليتورجية حول “شكر الله الآب من خلال إبنه” من أجل أعماله معنا في الخليقة الأولى، وتدبيره خلاصنا…. وتقديم هذا السر لنا. ونجد في جميع الليتورجيات أن الإفخارستيا” أو الشكر يسيطر على كل الطقس من بدايته حتى نهايته … وغالبًا ما تبدأ صلوات القداس بالعبارة “فلنشكر” “إفخارستومين” الرب  Εὐχαριστησώμεν τῷ Κυριῷ ، فيجيب الشعب “مستحق ومستوجب….”.

ويعلق الأب شميمان على هذا بقوله: “إذ يقف الإنسان أمام العرش الإلهي يعود إليه الفرح، فلا يجد لديه ما يقدمه سوى الشكر، فالإفخارستيا هي حالة الإنسان الكامل هي الحياة في الفردوس”[15] وهي حياة إنسان الله يقدمها بالكامل كشكر لله.

في ليتورجيا الإفخارستيا يشترك الكاهن مع الشعب، ويشترك معهم السمائيون أيضًا في تقديم الشكر لله خلال الذبيحة، أي خلال صليب ربنا يسوع المسيح، وذلك من أجل أعماله الخلاصية لأجلنا[16]، وعندما أدعوه “سر الشكر” أكتشف كل كنوز صلاح الله، وأدعو الذهن للتأمل في تلك المواهب العظيمة”[17]، لذلك ـ كما تعلمون ـ ينضم الكاهن ليقدم شكرًا …. من أجل أعمال الله السابقة، وأعماله الحاضرة لأجلنا وما سيهبه لنا حتى صارت الذبيحة قائمة بينما”[18].

2ـ سر العبادة والتقديس

      أ ـ سر تعبد الكنيسة:

يقول فيليب شاف[19]: “لقد إحتل تقديس الإفخارستيا ـ مركز الصدارة في العبادة المسيحية”. ويقول عنه الأب جريجوري دكس[20] إنه: “الطقس الذي أسسه ربنا يسوع المسيح ليكون عبادة خاصة بالذين هم له، وقد صار قلب العبادة المسيحية والحياة المسيحية وعمودها الفقري”.

فالتعبد في المفهوم الكنسي ليس مجموعة من طقوس تُمارس أو تسابيح تُرنم، إنما هو أولاً وقبل كل شيء “تعرَّف الله محب البشر”. كما أن الإفخارستيا هي “سر معرفة الله” خلال إبنه من صلوات القداس، إذ يقول: (نشكرك يا أبانا، من أجل الحياة، والمعرفة التي أعلنها لنا خلال يسوع إبنك، لك المجد إلى الأبد” (الدسقولية)[21].

      ب ـ سر قداسة الكنيسة:

في الذبيحة المقدسة تختفي الكنيسة، وتظهر حاملة قداسة المسيح وبره … تصير عروس بلا عيب للعريس القدوس، ونجد القديس ذهبي الفم يفيض بشرحه قائلاً:

(بهذه العطية تتزين نفوسنا وتتجمل)[22].

( به تتطهر النفس وتتحمل وتلتهب)[23].

(هذه المائدة هي عضد نفوسنا ورباط ذهننا، وأساس رجائنا وخلاصنا ونورنا وحياتنا….).

+ عندما ترى المائدة مُعدة قدامك؟ قل لنفسك:

(من أجل جسده لا أعود أكون ترابًا ورمادًا؛ ولا أكون سجينًا بل حرًا. من أجل هذا الجسد أترحب السماء وأتقبل الخيرات السماوية والحياة الخالدة، ويكون لي نصيب مع الملائكة، وأناجي المسيح)[24].

+ وعن دم المسيح الذي به تتقدس ونخلص يكتب القديس ذهبي الفم قائلاً: (هذا الدم متى أخذناه بحق يطرد الشياطين ويبعدهم عنا، بينما يدعو إلينا الملائكة، فإذ يظهر دم الرب تهرب الشياطين وتجتمع الملائكة. هذا الدم يطهر الموضع السري وقدس الأقداس…

هذا الدم يقدس المذبح الذهبي….

هذا الدم يقدس الكهنة….

هذا الدم هو خلاص نفوسنا…. به تغتسل النفس وتتجمل وتلتهب. به يلتهب فهمنا كالنار، وتتأثر النفس أكثر من الذهب… من يشترك في هذا الدم يقف مع الملائكة ورؤساء الملائكة والقوات العلوية، ملتحفًا بثوب المسيح الملوكي، له أسلحة الروح، بل ويلتحف بالملك نفسه….)[25].

3ـ سر الكنيسة

+ كنيسة إفخارستية: كتب اللاهوتي اليونان خريستوس أندروتسوس[26] عن الكنيسة، قائلاً: “هي مركز عمل المسيح الخلاصي… إنها ليست إلا إستمرارًا لعمل المسيح النبوي والكهنوتي والملوكي، وإمتدادًا له…الكنيسة ومؤسسها متحدان معًا بطريقة غير مدركة، إذ هي: المسيح معنا:.

فإذ نفكر في الكنيسة يليق بنا أن نتطلع إلى وجودها السري Sacramental بكونها جسد المسيح، أي “إفخارستيا”.

نحن ممثلون في الإفخارستيا لا بصورة رمزية فحسب، بل كأعضاء بالنسبة للرأس[27] وأغصان في الأصل[28]، وكما يقول القديس أغسطينوس[29] “أنتم فوق المائدة أنتم داخل الكأس”.

+ الإفخارستيا سر وحدة الكنيسة:

{جعلنا أعضاء جسده من لحمه ومن عظامه (أف3:5)، ليس خلال الحب وحده فقط، وإنما بالفعل ذاته… هذا يتحقق بالطعام المجاني الذي قدمه لنا، مَريدًا أن يعلن حبه لنا. من أجل حبه فرح نفسه بنا، عجن جسده بجسدنا، لكي نصير معه واحدًا؛ نصير جسدًا واحدًا متحدًا بالرأس}[30].

{إذا كان الخبز يحوي حبوبًا كثيرة صارت متحدة معًا، فلا تظهر الحبوب بعد. هي موجودة فعلاً لكن لا يظهر إختلافها بسبب إتحادها معًا. هكذا ارتباطنا مع بعضنا ـ البعض في المسيح؛ لأن جسده واحدًا يتغذى به الكل إنه شركة في جسد الرب… شركة مع المسيح نفسه}[31].

4ـ سر السماء

+ سر الإفخارستيا هو رحلة إلى السماء بعينها:

{كأن الإنسان قد أُخِذ إلى السماء عينها، يقف بجوار عرش المجد، ويطير مع السيرافيم، ويتغنى بالتسبحة المقدسة}[32] {لقد أُهرق هذا الدم فاتحًا طريق السماء}[33].

{مادمنا قد صرنا سمائيين، وحصلنا على ذبيحة كهذه، فلنخف! يليق بنا ألا نستمر في زحفنا على الأرض، فإنه يستطيع من يريد منا ألا يكون بعد على الأرض من الآن….

إذ نقترب من الله نصير في السماء، بل ماذا أريد من السماء، إن كنت أرى رب السماء وصرت أنا نفسي سماءًا؟!

لتكن نفوسنا سماءًا… ولنتمثل ببولس الذي كان وهو على الأرض يعيش في السماء}[34] ق. يوحنا ذهبي الفم.

+ خدمة الملائكة وصلاتهم عنا:

{لنذكر أننا نتناول الجسد الجالس على العرش، والمسجود له من الملائكة، متى فُتِح الستر تصور السماء مفتوحة من السماء من فوق، والملائكة ها تطير}[35] القديس يوحنا ذهبي الفم.

+ في خدمة الليتورجيا يشترك العلويون معنا:

{إن الملائكة يتضرعون إلى الرب من أجل جنس البشر… وكأنهم يرددون قائلين: نصلي إليك من أجل الذين حسبتهم أهلاً لحبك فوهبتهم حياتك. نسكب إليك تضرعاتنا عنهم، كما سكبت دمك من أجلهم. نطلب إليك من أجلهم، هؤلاء الذين بذلت جسدك هذا لأجلهم}[36].

{إن كانت طقوسنا تتم على الأرض لكنها متأهلة للسموات، إذ يكون ربنا يسوع المسيح نفسه الذبيح ـ مضطجعًا، والروح موافقًا لنا، والجالس على يمين الآب حاضرًا هنا. ماذا؟!…. أليست ـ تسابيحنا سماوية؟! أليس المذبح سمائيًا؟!….

+ الكنيسة سماوية، بل هي السماء!!

لقد قادنا الروح مرتفعًا بنا إلى السماء، وأظهر لنا إنه قد صارت لنا السماء، عوض الهيكل (القديم)[37].

ثانيًا: سر الإفخارستيا

رحلة إلى السماء عينها[38]

+ رحلة إلى السماء في صحبة المسيح:

تمثل خدمة الإفخارستيا عملاً تعبديًا واحدًا فيه يُقدم الكنيسة ذبيحة عريسها الفريدة تقدمه للآب، وفي نفس الوقت تنعم بقبول ذات الذبيحة هبة إلهية لها.

هي رحلة ـ إلى السماء ننعم بها في صحبة ربنا يسوع المسيح، خلال إتحادنا به. وأهم ما تضمه في طياتها ما يلي:

التسبحة: هي إعداد لهذه الرحلة، وهي دعوة موجهة للعالم كله؟ المتطور وغير المتطور، لكي يدخل الجميع في حياة التسبيح لله الخالق. ويمثل “الصليب” أو “ذبيحة المسيا” ـ مركز التسبيح، إذ هو موضوع ترنم السمائيين والأرضيين.

1ـ تقدمة الحمل: هي بدء إنطلاق الرحلة، فيها تتعرف الكنيسة على حساب النفقة … فتلتزم بتقديم حياتها كلها في المسيح الذبيح، ذبيحة للرب الذي ذُبح من أجلها، والرب لا يقبل من كنيسته أقل من هذا…. حياتها كلها.

2ـ ليتورجيا الموعوظين (القراءات): هي دليل الرحلة ومرشدها. وفيها تعلن الكنيسة شهادتها لله الذي هو غاية الرحلة، فتشهد له قدام أولادها وأمام الموعوظين، فيسمعوا صوته الإلهي خلال:

  أـ رسله: “البولس والكاثوليكون”.

  ب ـ أعمال رسله: “الأبركسيس”.

  ج ـ خدمة الكنيسة: “السنكسار”.  د ـ في إبنه “الإنجيل”.  

  هـ ـ خلال الخدام: “العظة”.

3ـ ليتورجيا المؤمنين:

أ ـ الأواشي: صلوات ترفع فيها الكنيسة قلبها أمام العرش الإلهي حتى يحفظ للكنيسة سلامها (أوشية السلامة)، ويسند خدامها (أوشية الآباء)، ويبارك إجتماعاتها (أوشية الإجتماعات).

ب ـ ما قبل الأنافورا: هو إستعداد للإرتفاع في السماويات والجلوس مع الرب يسوع، لهذا تعلن الكنيسة مصالحة الله مع الناس في المسيح يسوع (صلاة الصلح)، ويجيب المؤمنين على ذلك عمليًا بمصالحتهم مع بعضهم البعض (سبازسيتي ـ القبلة الرسولية).

ج ـ الأنافورا: وهي دخول في السماء: حلول الروح القدس، إتحاد مع الرب يسوع، إنتعاش روحي بتناولنا جسده ودمه الأقدسين.

1ـ تقدمة الحمل

      تقديم القرابين:

في بدء القرن الثالث يحدثنا القديس هيبوليتس[39] عن إحضار المؤمنين للقرابين من خبز وخمر إلى الكنيسة، حيث يضع الأسقف مع كهنته أياديهم عليها، مصلين عليها، “الإفخارستيا”.

ولا يزال الطقس القبطي وحده يحتفظ بتقليد كنسي قديم، أن ينادى الشماس ثلاث دفعات منبهًا الشعب أن يقدموا قرابينهم، قائلاً: “قدموا، قدموا، قدموا على هذا الرسم”[40].

إن تقدمة القرابين تحمل إعلان الكنيسة قبولها صليب عريسها، الذي هو رسم السماء، قبولاً عمليًا. فلا نقدم له خبزًا وخمرًا أو مالاً فحسب، إنما نقدم أيضًا أعمالنا وأفراحنا وأحزاننا وأمنياتنا وأنفسنا وجهادنا… يليق بنا أن نأتي بهذا كله إلى المذبح ـ صليب الرب ـ لكي نقدم قلوبنا في الصينية وحياتنا في الكأس، نشاركه آلامه وموته.

نقدم حياتنا ذبيحة لله في المسيح يسوع الذبيح، لا بسفك الدم، بل بتقديم كل الأمور السابق ذكرها، بكونها حصيلة حياتنا اليومية[41]!

صلاة الأستعداد:

يقدم الأب الكاهن صلاة سرية تسمى “صلاة الإستعداد” جاء فيها:

{أيها الرب العارف قلب كل أحد، القدوس والمستريح في قديسيه،… أنت يا سيد تعلم إني غير مستحق ولا مستعد، ولا مستوجب لهذه الخدمة المقدسة التي لك، وليس لي وجه أن أقترب وأفتح فأي أمام مجدك المقدس، بل ككثرة رأفتك أغفر لي أنا الخاطئ، وامنحني أن أجد نعمة ورحمة في هذه الساعة. وأرسل لي قوة من العلاء، لكي أبتدئ وأهيئ وأكمل كما يرضيك، خدمتك المقدسة، كمسرة إرادتك رائحة بخور. نعم يا سيدنا كن معنا، إشترك في العمل معنا، باركنا}.

صلاة الشكر:

للقديس يوحنا ذهبي الفم حديث لطيف عن مركز “الشكر” في ليتورجيا الإفخارستيا، إذ يقول “نشكر المسيح لكي يعلمنا كيف نقدس هذا السر، معلنًا لنا إنه جاء إلى الآلام بإرادته معلمًا إيانا أن نحتمل بشكر ما يحل بنا من آلام، مترجين خيرًا في هذا.

2ـ ليتورجيا الموعوظين

1ـ تسمى “ليتورجيا الموعوظين”: لا لأنها تقدم من أجل الموعوظين وحدهم، إنما يُسمح لهم أن ينعموا بها مع المؤمنين. هذه الخدمة دورها الرئيسي كرازي وتعليمي، لكننا لا نتجاهل عملها التعبدي[42].

2ـ تدعي أيضًا “ليتورجيا الكلمة”: إذ يصب عملها في إعلان كلمة الله. بهذه الخدمة يتحدث الله معنا خلال كتابه المقدس، وخلال أعمال الكنيسة، وخلال عظة الأسقف. هذه الكلمة تعمل في الموعوظين فتعدهم لنوال روح التبني في المعمودية، كما تعمل في المؤمنين لنوال جسد الرب ودمه، يقول العلامة أوريجينوس (إنه في قداس الموعوظين تُخطب النفس للرب يسوع المسيح، وفي قداس المؤمنين تدخل النفس معه في رباط الزوجية).

2ـ تسبحة السيرافيم:

تسبحة الثلاثة تقديسات هي تسبحة طغمة السيرافيم الذين هم حول الثالوث القدوس[43] إلى الأبد. وكأننا نشترك في الليتورجية السماوية بإشتراكنا في خدمة الإفخارستيا، إذ لا نعود بعد على الأرض بل ننطلق بطريقة ما إلى السماء، ونقيم بين صفوف السمائيين[44].

+ كأن الإنسان قد إنتقل إلى السماء، ونقيم بين صفوف السمائيين. يقف بجوار عرش المجد، يطير مع السيرافيم ويتغنى بالتسبحة المقدسة. ق. يوحنا ذهبي الفم.

قيل أن هذه التسبحة “قدوس الله، قدوس القوي، قدوس الحي الذي لا يموت، إرحمنا” مكررة ثلاث مرات، أعلنت برؤيا إلهية في القسطنطينية في أيام البطريرك بروكلس (434 ـ 446م) بكونها تسبحة يتغنى بها الملائكة في السماء.

وتعتقد الكنيسة أن أصلها يرجع إلى دفن السيد المسيح، عندما كان نيقوديموس ويوسف الرامي يكفناه، إذ دهشا كيف يموت ذاك الذي يهب الحياة، فسبحاه بهذه التسبحة.

3ـ ليتورجيا المؤمنين

1ـ التسبحة السمائية:

حضرة سمائية:

يروي لنا الطقس سر دخولنا السماء؟ فإن الكاهن ومعه الشماس يرفعان “الأبروسفارين” ويحركانه بهدوء فوق رأسيهما، فتسمع أصوات “الجلاجل” المثبتة فيه. وكأن ليتورجيا السماء تبدأ بقيامة ربنا، التي هي سر دخولنا السماء وعلة تأهلنا لها.

+{ يليق بنا في هذه اللحظة الرهيبة القدسية أن نرفع قلوبنا إلى العلا، ولا نعود نتطلع إلى الأرض والأرضيات، إذ يدعونا الكاهن إلى ترك كل إهتمامات الحياة وإرتباكات الزمن في هذه اللحظة بغير ريب؟ حتى تتجه قلوبنا إلى السماء نحو الله محب البشر} القديس كيرلس الأورشليمي.

إذ أرتفعت الكنيسة إلى السماء، صارت في حضرة الرب: الرب مع جميعكم. تتكشف حقيقة محبة الله الآب الذي أرسل إبنه وحيد الجنس من أجل خلاصنا ونعمة الابن المجانية، هذا “الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا حسب غنى نعمته” وشركة الروح القدس.

+ يُطلب منكم أولاً “أرفعوا قلوبكم”. فإذا تصيرون أعضاء المسيح، أين هو رأسكم؟… إنه في السماء! لذلك عندما يقال لكم “إرفعوا قلوبكم” “تجيبون هي رفعت عند الرب” رفع القلب عند الرب هو هبة إلهية، فلكي لا تنسبون هذا لقوتكم أو إستحقاقكم أو أعمالكم، لهذا فإنه بعدما تجيبون “هي رفعت عند الرب” يقول الأسقف أو الكاهن الخديم. “فلنشكر الرب” إذ إرتفعت قلوبنا عنده… فلنشكره، لأنه إن لم يهبنا نعمته لبقيت قلوبنا متشبثة بالأرض!    القديس أغسطينوس[45]

2ـ الذكرى (ἀναμνησις)  حية:

كلمة “ἀναμνησις” في اليونانية لا تعني مجرد التذكر أو الذكرى لأمر نتطلع إليه غائبًا عنا، بل تحمل إعادة دعوته أو تمثيله في معنى فعال[46]. الأنامنيسيس هنا يعني تذكر المسيح المصلوب القائم من الأموات، أو تنكر ذبيحته لا كحدث ماضي، بل بتقديم ذبيحة حقة حاضرة وعاملة[47]، أي ذكرى فعالة.

+ ألا نقدم الذبيحة يوميًا؟

نعم نقدمها، لكن هذا “أنامنيسيس” لموته، وهي ذبيحة وحيدة غير متكررة. لقد قدمت مرة، ودخل إلى قدس الأقداس. الأنامينسيس هو علامة موته، فإن ما نقدمه هو ذات الذبيحة، فلا نقدم اليوم ذبيحة وغدًا أخرى مغايرة. واحد هو المسيح في كل مكان، كامل في كل موضع، جسد واحد فإذ يوجد جسد واحد في كل مكان تكون الذبيحة واحدة في كل موضع… هذا ما نعنيه بـ “أنامنيسيس”[48]… ق. يوحنا ذهبي الفم.

3ـ حلول الروح القدس: بين الرشومات، وحلول الروح القدس:

لا يمكن فصل عمل المسيح الإيجابي في سر الإفخارستيا، عن عمل روحه القدوس، وبالتالي عزل الرشومات عن صلاة “حلول الروح القدس” فسر الإفخارستيا هو عمل الفادي نفسه بقوة روحه، أي الروح القدس. بدون عمل المسيح الخلاصي ما كان ينزل الروح القدس على القرابين ويحولها إلى جسد المسيح المصلوب القائم من الأموات.

بهذا نجد القديس يوحنا ذهبي الفم ينسب التقديس تارة للروح القدس وأخرى للكلمة، فيقول[49]:

+{ عندما يقف الكاهن أمام المائدة ويرفع يديه إلى السماء، مستدعيًا الروح القدس، فإنه يأتي ويلمس القرابين، يحل سكون عظيم ووقار على الموضع….

+ الذي يحول القرابين الموضوعة إلى جسد المسيح ودمه، ليس إنسانًا بل المسيح نفسه الذي صُلب عنا….} القديس يوحنا ذهبي الفم.


[1] مكتوبة بتصرف عن كتاب القداس الإلهي ” سر ملكوت الله ” للراهب القس أثناسيوس المقارى، الجزء الأول ص 19، 20، 116-118

1 كما في القوانين 4:14 ، 1:25

2 المرجع الرئيسي كتاب القديس يوحنا ذهبي الفم، للقمص تادرس يعقوب ملطي، الأسكندرية سنة1980، فصل سر الإفخارستيا ص239ـ253

[3]  Hom: in Pascha. PG52-796.

[4]  Hom: in Not. Dom. PG. 49:360.

[5]  In Mat, hom 25. PG. 49:360.

[6]  In Icor, hom34.

[7]  In Mat, hom32:10.

[8]  De Prod. Judae, hom2.PG 49:490.

[9] Fr. Schmemann: Sacraments and Orthodoxy.

[10] المرجع الرئيسي كتاب القديس يوحنا ذهبي الفم، للقمص تادرس يعقوب ملطي، الأسكندرية سنة1980، فصل سر الإفخارستيا ص239ـ253.

[11] Jung mann, The Early Liturgy, P.11.

[12] See St. Justin, apology 1:65,66.

[13] See book 5, Liturgical Texts.

[14] Ibid.

[15] Sacraments and Orthodoxy, P43,44.

[16] In Mat., hom25:4.

[17] In Icor., hom24.

[18] In Mat., hom25.

[19] Schaff, Hist. of the Christian Church, Vol 2, P.235.

[20] Gregory Dix, the shape of the liturgy.

[21] Didache, the prayer of the “Sanctification of the Bread”.

[22] In Mat., hom50:3.

[23] In Joan, hom46:6.

[24] In Icor., hom 24.

[25] Fr. Schmemann, Sacraments and Orthodoxy, PP. 40-43.

[26] Dogmatic Theology,Athens 1907, P.262/5.

[27] Icor. 12:27.

[28] See Cabasilas, P.32.

[29] Serman 229 to the Mewly baptized.

[30] In Joan, hom 463.

[31] In Icor., hom24.

[32] المسيح في سر الإفخارستيا للقمص تادرس يعقوب ص379، 441.

[33] In Joan, hom 46.

[34] In Hear., hom16:7. 

[35] (34) In EPH. hom3.

[36] De In Comp. 3 PG. 48: 449-464.

[37] In Hebr. hom 14:3.

[38] المرجع الرئيسي: كتاب المسيح في سر الإفخارستيا، للقمص تادرس يعقوب سنة1982، ص24-46، ص106-188.

[39] Dix, Shape of the Liturgy, P.110.

[40] الترجمة العربية المتداولة غير الدقيقة “تقدموا، تقدموا، تقدموا”. لكن النص القبطي ترجمته “قدموا بروسفارين Προσφερ)، قدموا قدموا”، إذ تقدم الكنيسة قرابينها للرب بالرسم الذي تسلمته منذ العصر الرسولي.

[41]Chrichton, Mass & People of God.P.213.

[42] Ibid.

[43] I Sa, 5:3&Rev.4:8.

[44] Daniellou, The Bible and The Liturgy, P.3516.

[45] Sermox 227, (Frs. Of the Church, Series 38:195).

[46] Fr. Dix gives many examples from the O. T&NT., Dix P.161.

[47] Jean Damielou, The Bible, The Liturgy, P.136/7.

[48]  Ibid P.137 (see also hom. on Heb. 17:3).

[49] Hom., In Coent. aff 3.

.