July 2018
S M T W T F S
« Jun    
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
293031  

قدم الرسول بولس تفسيرًا عميقًا لموضوع البر الذي بالإيمان بيسوع المسيح، وذلك عندما تناول بالشرح هذا الموضوع في رسالته إلى أهل رومية، وحدد مفهوم البر على أنه عطية من الله، إذ هو مرتبط بشكل أساسي بنعمة الله التي استعلنت في المسيح. ولذلك كل الذين آمنوا بالمسيح قد نالوا فيض النعمة وعطية البر بحسب قوله (رو17:5). وقد أشار إلى هذا الأمر في آيات عديدة أوضحت بجلاء أن هذا البر الذي يناله الإنسان مرتبط بالإيمان وليس بالأعمال “بأعمال الناموس كل ذي جسد لا يتبرر أمامه” (رو20:3)، أيضًا “أما الآن فقد ظهر بر الله بدون الناموس مشهودًا له من الناموس والأنبياء بر الله بالإيمان بيسوع المسيح” (رو21:3ـ22).

قال هذا الكلام في مواجهة اليهود الذين كانوا يعتمدون على بر الناموس، وبرهم الذاتي، والنتيجة أنهم ضلوا وفسدوا بسبب أفتخارهم بهذا الأمر، وقد أشار ق. بولس إلى هذا بقوله: “لأنهم إذ كانوا يجهلون بر الله ويطلبون أن يثبتوا بر أنفسهم لم يخضعوا لبر الله” (رو3:10). ولذلك فقد أكد لهم على أن “غاية الناموس هي المسيح للبر لكل مَن يؤمن به” (رو4:10)

إذًا قبول النعمة بالإيمان، هو الذي يحرر أي يُبرر. الأمر كله كما هو واضح، مرتبط بعطية الله وليس بعمل الإنسان مهما كان.

الأمر الآخر الذي أكد عليه ق. بولس هو أن هذا البر الإلهي هو عطية مجانية “متبررين مجانًا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره” (رو24:3ـ25). وذلك حتى لا يدّعي أحد أنه ساهم بأي عمل أو جهد في نوال هذا البر، إذ هو عطية مجانية، وما على الإنسان إلا أن يؤمن فقط. فنعمة الله التي لا حدود لها، تهب ما هو خارج قدرات البشر، بمعنى أنه يمكن للإنسان أن يحصل على مجد ومال وسلطان، إلاّ أنه لا يستطيع أن يقيم في هذه الأمور على الدوام، حتى ولو لم ينزعها منه إنسان، لأن الموت عندما يأتي سينزعها منه في الحال، لكن الخيرات الإلهية لا تخضع لمثل هذه التحولات. ولذلك نجده يؤكد على هذه الحقيقة المتعلقة بالنعمة الإلهية، بأننا سنقيم فيها إلى الأبد، بقوله “صار لنا الدخول بالإيمان إلى هذه النعمة التي نحن فيها مُقيمون” (رو2:5). ومن أجل هذا فنحن نفتخر على رجاء مجد الله”. الإفتخار بالإيمان يعني إعلان مجد الله، ونسبة كل شيء له. فإبراهيم لم يتبرر قبل أن يؤمن، لكنه ” آمن فحسب له إيمانه برًا“. ومجد الله هنا يعني، إدراك بره وقوته غير المحدودة، فالله ليس في إحتياج لهذا المجد، هو فقط يريده لنا. وهذا ما يوضحه ق. يوحنا ذهبي الفم حين يأتي إلى شرح عبارة “لإظهار بره”، فيقول إن إظهار البر مثل إظهار الغني، وهذا معناه أن لا يكون الله وحده هو الغني، بل هذا الغنى هو للآخرين، لكي يجعلهم أغنياء، ومثل إظهار الحياة، وهذا يعني أنه ليس وحده هو الحياة، لكنه يشرك الآخرين في الحياة إذ يقيم الأموات، ومثل إظهار القوة، أن لا يكون وحده هو القوي، لكنه يجعل الضعفاء أقوياء أيضًا. هكذا إظهار البر، أن لا يكون وحده هو البار، بل يجعل الذين فسدوا بالخطية أبرارًا على الفور، أي يتحقق فيهم بر الله وقداسته ونقاوته. وهذه هي قمة المحبة، المحبة الإلهية تجاه البشر، أن يجعل البشر شركاء في طبيعته. هذا الشرح هو ما يفسر لنا عبارة ق. بطرس “شركاء الطبيعة الإلهية” أي نصير شركاء في بر الله، وقداسته، وقوته، وغناه، وسلامه، ومحبته.

إذًا البر كما شرحه ق. يوحنا ذهبي الفم هو التمتع بعطايا الله التي هي في طبيعته من قداسة، نقاء، وسلام، ومحبة. فالبر هو تحرير للنفس عن كل ما يعيقها، لكي تصير واحدًا مع الله، فنتحرر من كل الشرور التي تقيد النفس، من حسد وحقد وإدانة وغيرة وسخرية وترفع، تصبح نقية، فتصير قادرة على معاينة الله كما هو “طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله“. الإنتفاع بكل هذه العطايا الإلهية يتطلب فقط إيمان بعمل المسيح الخلاصي والبر الذي منحه مجانًا لكل مَن يؤمن به. يقول ق. يوحنا ذهبي { إن كثيرين دفعوا المسيح من كل جانب بقوة بسبب تزاحمهم عليه ولمسوه، ولم يربحوا شيئًا، لكن نازفة الدم قد شُفيت في الحال بعد طول مرضها بسبب إيمانها، وهي لم تلمس جسده، بل فقط هدف ثوبه} ثم يضيف {المسيح لم يمت لكي يقف أمامه أناس يستوجبون العقاب ومحكوم عليهم، بل لكي يقدم لهم العون، ولهذا مات وقام لأجل تبريرنا}. هكذا نلنا “فيض النعمة وعطية البر” (رو17:5). ويرى ق. يوحنا ذهبي الفم في عبارة فيض النعمة، أمورًا كثيرة منها:

1ـ أننا أنقذنا من الجحيم.

2ـ ابتعدنا عن ارتكاب الشر.

3ـ وُلدنا ثانيةً.

4ـ قمنا معه، مادام إنساننا العتيق قد دُفن معه.

5ـ خُلصنا.

6ـ تبررنا وصرنا أبناء.

7ـ تقدسنا.

8ـ إتحدنا معه في جسد واحد، وإلى هذا الجسد نحن ننتمي.

كل هذا دعاه الرسول بولس “فيض النعمة”. وهو بهذا قد أظهر أننا لم نحصل على ما يُضمد الجرح، بل حصلنا على: شفاء ـ جمال ـ كرامة. هذا معناه أن غمر هذا البحر الكبير من الهبات الوفيرة قد أطفأ شرارة الموت والخطية، كما يقول ق. يوحنا ذهبي الفم. نحن إذًا أمام غمر بحر هائل قد أتى على شرارة، المؤكد أنها ستُطفيء، لكنها أيضًا ستختفي تمامًا أمام هذا الغمر العظيم.

لقد أراد القديس بولس بهذا الطرح أن ينزع كل الأفكار غير المستقيمة التي كانت تعتقد أن هناك بر بأعمال الناموس. ولذلك كان تحليله للنصوص قائم على الاختبار الداخلي المؤسس على الإيمان، لأنه “إن كان إبراهيم قد تبرر بالأعمال فله فخر ولكن ليس لدى الله.. ” لكنه” آمن بالله بحُسب له برًا“.

إذًا قد يستطيع الإنسان أن يربح كل شئ جميل وعظيم في هذا العالم بمحاولاته الفردية سواء كان ذلك في العلوم أو الفنون أو في المناصب الاجتماعية أو في الثقافات المتنوعة، ويستطيع أن يفتخر بهذه الإنجازات التي يحققها، لكن في الأمور الخاصة بملكوت الله، لا يستطيع الإنسان أن يحقق أية إنجازات بمعزل عن عطية الله. فالعلاقة الحيّة بالله، بأن تكون ابنًا لله، يمكن أن تحصل عليها فقط كمنحة محبة من الله. لأن الخلاص ونعمة الله، أُعطيا للإنسان دون أن يقدم من جانبه أي شئ ” الله بيّن محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح من أجلنا” (رو8:5). في شخص المسيح أنقضى كل زهو وكل افتخار من الإنسان على أخيه الإنسان. لأن كل شئ قد صار جديدًا في شخص المسيح. والإيمان بهذه الحقيقة هو الذي يبرر الإنسان ويحرره ويقوده نحو هذه الحياة الجديدة. لكن هذا الإيمان ليس ثمرة نتاج عقلى، بل هو عطية الروح القدس.

   هذا التعليم عن التبرير بالإيمان، الذي يوجهه الرسول بولس إلى اليهود، يعتمد فيه على التاريخ المملوء بنماذج حية للإيمان، فقد أشار إلى إبراهيم ليؤكد من خلال إيمان إبراهيم على أهمية هذا التعليم:      “فآمن إبراهيم بالله فحسب له برًا” (رو3:4)، ” وأخذ علامة الختان ختمًا لبر الإيمان الذي كان في الغرلة ليكون أبًا لجميع الذين يؤمنون وهم في الغرلة كى يُحسب لهم أيضًا البر وأبًا للختان للذين ليسوا من الختان فقط. بل أيضًا يسلكون في خطوات إيمان أبينا إبراهيم الذي كان وهو في الغرلة. فإنه ليس بالناموس كان الوعد لإبراهيم أو نسله أن يكون وارثًا للعالم بل ببر الإيمان” (رو11:4ـ13).

   ثم تحدث إلى الأمم عن موت المسيح وقيامته وعن فيض النعمة وعطية البر التي بالمسيح، وعن الخبرة المسيحية الباطنية، وعن شهادة الروح القدس.

   إذًا التركيز عنده هو على الإيمان بشخص المسيح، والإنسان ينال هذا البر بإيمانه بالمسيح فقط، وليس بأعمال الناموس كى لا يفتخر أحد. ويُشير الرسول بولس إلى أن عمل المسيح يشمل كل الخليقة المرئية وغير المرئية، وهو بالأساس عمل تصالحى ” لأنه إن كنا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه” (رو10:5). ويقول في رسالته إلى أهل كولوسى ” وأن يُصالح به الكل لنفسه عاملاً الصلح بدم صليبه بواسطته سواء كان ما على الأرض أم ما في السموات” (كو20:1). 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *