November 2017
S M T W T F S
« Oct    
 1234
567891011
12131415161718
19202122232425
2627282930  

كان على المتقدّمين لنوال سرّ المعمودية، في الكنيسة في القرون الأولى، أن يواظبوا على تلقي التعاليم الخاصة بالايمان المسيحي حتى يستطيعوا أن يقدّموا إعتراف إيمانهم قبل نوالهم لسِّر المعمودية مباشرة.

ولمّا كانت المعمودية تجرى في ليلة عيد القيامة فلقد كان أيضًا من المعتاد أن يحضر كل مَنْ يرغب في نوال سرّ المعمودية، العظات التي كانت تقدّم طوال فترة الصوم المقدس.

وأشهر الكتابات الخاصة بالموعوظين هي للقديس كيرلس الأورشليمي، والقديس أمبروسيوس أسقف ميلان.

وللقديس ذهبيّ الفم عظات أثنتا عشرة عظة عن المعمودية، ألقى بعضها على الموعوظين والبعض الأخر على المعمدّين الجدد[1].

ويسود الإتجاه الأخلاقي على العموم جميع العظات كاشفًا فكر ق. يوحنا ذهبيّ الفم وأسلوبه في الوعظ والتعلّيم وهو يركّز على تطهير عيوب النفس الداخلية وتنقيتها لاستقبال الإستنارة الإلهية، أي على ضرورة استقامة القلب وتقويم السلوك لإستقبال نعمة المعمودية.

ويَظهَر ذهبيّ الفم في هذه العظات كلها مضيئًا كقائد أخلاقي ومعلّم روحاني قدير. ومع أن العظات قد تكون غير مباشرة عن المعمودية نفسها إذ أنه لا يركز فقط على شرح عقيدة المعمودية أو تفسير رموز الطقس، كما فعل سابقوه، ولكن قيمتها عالية جدًا إذ أنه كان مهتمًا بالأكثر بالجانب السلوكي العملي المترتب على المعمودية، وإلتزامات الحياة المسيحيّة العملّية للمؤمن. فهي عظات رعائية، وليست لشرح الإيمان.كما أنه لا يلقي بالاً للهراطقة ليردَّ على هرطقاتهم، بل يواجه غوايات العصر، ويصحح أخطاء شعبه. وتُعتبر من بين أقوى إنجازاته في الوعظ!

كان ذهبيّ الفم بليغ العبارة قوي المنطق، قوي التعبير، فرفع من مستوى الموعوظين والداخلين إلى المعمودية إلى أعلى مستوى من الإدراك الكنسي واللاهوتي والكتابي على وجه العموم. وقد انتهز هذه المناسبة العظمى ليبني المسيحية على أسسها الأصلية، فجاءت عظاته هذه لتكشف لنا عن سرِّ المعمودية في القرن الثالث والرابع، ومبلغ الاستنارة ومعرفة الأصول الأولى والدقيقة لإجراءات هذا السِّر الكنسيّ العاليّ القيمة.

على أن ما يلفت النظر في أسلوب توجيهاته أنه يركز على تعبيرين أساسيين:

v    سِّر الإتحاد مع المسيح.

v    المسيحي الحقيقي يجعل غير المنظور منظورًا من خلال حياته المسيحية. وهذه ثمرة إتحاده بالمسيح.

وتتناسب هذه العظات في جوهرها مع أيامنا الحاضرة. فالقديس يوحنا ذهبيّ الفم كان يُعالج مشكلة إحتفاظ المسيحي بهويّته المسيحية واسمْه كمسيحي، دون أن تكون له الحياة المسيحية الحقيقية، لذلك فإن ذهبيّ الفم سعى من خلال عظاته أن يطبع في نفوس مستمعيه أن المعمودية ليست طقسًا شكليًا خارجيًا، بل أن سرّ الإتحاد مع المسيح في المعمودية هو المحور في الحكم على أن يكون مسيحيًا أو يتسمَّى مسيحيًا، وكيف يمكن أن يدخل إلى هذا السرّ بإرادة وحماس، ويظّل ينمو في هذا السرّ كل أيام حياته.

بادي ذي بدء، يتضّح من عظات القديس ذهبيّ الفم أن السرِّ الكنسي والحياة العملّية ليسا نقيضين. بل بالحري، فإن السرِّ الكنسي هو الأساس، والحياة المسيحية العملّية مؤسسة عليه، فهي ليست منفصلة عنه بأي حال. سرِّ الإتحاد بين المسيح والمسيحي يسمح للإنسان أن يحيَا غير المنظور فيصير منظورًا. والذين يختبرون هذا يدركون الحق بطريقة تختلف عن الذين لا يختبرون. فالسلوك الأخلاقي يتغيّر بناء على عاملين اثنين:

فاعلية غير المنظور، الذي يصير منظورًا. فنعمة الله وقوته وهاتين غير منظورتين، تصيران في حياة الذين يختبرون حياة الإتحاد مع المسيح، وذلك بموجب رؤيتهم الخاصة للحق.

ومن جهة أخرى، فإن سرِّ الإتحاد بالمسيح، وهو غير منظور لدى الذين لم يختبروه، يصير منظورًا في حياة الذين يختبرونه. والقديس بولس الرسول، يُعتبر هو المعلّم الأول للقديس ذهبيّ الفم في اختبار هذا السرِّ. ويقدَّمه القديس ذهبيّ الفم من خلال رسائله ليتكلّم إلى سامعيه.

إن سرِّ الإتحاد بالمسيح، في تعلَّيم القديس ذهبيّ الفم عن المعمودية، يؤدي إلى عمق الإنتباه والمسئولية، سواء بالنسبة للآخرين الذين يتسمَّون مسيحيين، أو الذين هم في احتياج، سواء كان هؤلاء وأولئك ملتزمين في ولائهم للمسيح أم لا. الإتحاد بالمسيح ليس هو من أجل الفرد فقط، بل هو من أجل مصالحة العالم كله مع الله. فأن تصير مسيحيًا هو أن تجعل غير المنظور منظورًا في الحياة التي تحياها.

إن القديس ذهبيّ الفم، في عظاته الخاصة بالمعمودية، يقف مفسِّرًا أمينًا للرسول بولس، حتى حينما لا يستشهد بالآيات التي أشار إليها الرسول بالتحديد عن المعمودية. إن ذهبيّ الفم أمين أيضًا في اقتدائه بأسلوب الرسول بولس في ربط حديثه عن المعمودية في المسيح بحديثه عن كيف يجب أن يعيش المسيحي المعمَّد.

وفي (رو6: 3،4) يقول الرسول إن الذين تعمَّدوا للمسيح يسوع، قد قاموا إلى جدَّة الحياة. ويكمل هذا الأصحاح بحديثه عن الفرق بين الحياة في عبودية الخطية والحياة كأحياء لله في المسيح يسوع (رو6: 10).

القديس بولس يؤكد أن الحياة في المسيح يعيشها المسيحي بخلاف أي حياة أخرى. لأن إخلاص المسيحي ليس موجّهًا لهذا العالم، بل لله. وفي حديثه إلى أهل غلاطية عن حياة الحرية، التي هي نتيجة المعمودية في المسيح (غلا3: 27)، فإن الرسول بولس يحثُّ المسيحيين أن يعيشوا وهم حاملون “ثمار الروح” بدلاً من “أعمال الجسد”. وهو يعِّدد أسماء الاثنين في الأصحاح الخامس.

وفي الأصحاح السادس، يدعو الرسول بولس المسيحيين إلى المسئولية المشتركة في دعوة الخطاة إلى التوبة، وإلى حمل كل واحدٍ أثقال الآخر.

إن نموذج الإتحاد بالمسيح هذا، يؤدي إلى الحياة ذات الطبيعة المختلفة.(2كو5-7، أف4-6، كو2و3).

فإذا جمعنا معًا مراجع القديس ذهبيّ الفم من رسائل القديس بولس الرسول التي استشهد بها، نجد أنه رجع إلى الآيات ليُظهر أن الحياة المسيحية تبدأ بسرِّ الإتحاد مع المسيح، ومنطلقًا من هذا الاتحاد يحيَا المسيحي حياته بطريقة مختلفة. وحينما يصير غير المنظور منظورًا، فإن حياته سوف تعكس مجد الرب، من خلال سلوكه وإهتمامه بالآخرين مثل نفسه.

والقديس ذهبيّ الفم يحدّد، أنه بالدخول في سرِّ الشركة هذا بالمعمودية، فالإنسان المسيحي لا يصير مسيحيًا حقيقيًا بطريقة آلية، بل بمشاركته بفعاليَّة في سرِّ الإتحاد مع الله في المسيح بواسطة (أو من خلال) الروح القدس.

منذ البداية، يسعى القديس ذهبي الفم أن يطبع في نفوس سامعيه أن يَعُوا سرّ اتحادهم مع المسيح. فالمقاطع الثمانية عشر من العظة الأولى، تتحدث كلها عن مَثَل “الجندية” و “الإتحاد الزيجي” كنموذج للشركة مع المسيح التي يستعد السامعون للدخول فيها. فذهبي الفم يستشهد “بالقديس بولس المُعلم المسكوني” كمرجع لاستخدام مَثَل “الزيجة” لوصف الإلتزام والإتحاد الذين تتّسم بهما علاقة النفس بالمسيح. وهو يؤكد على أنه لا فرق بين المَثَلين، من حيث أن القديس بولس يستخدمهما معًا.

ويبدأ القديس ذهبي الفم في شرح استخدام القديس بولس لَمثَل “الزيجة” كما ورد في (2كو11: 2): “خطبتكم لعريس واحد، لأقدمكم عذراء عفيفة للمسيح“، فيقول ذهبي الفم: [هلموا، إذن، لأكلمكم كما أكلّم عروسًا على وشك أن تدخل الخدر الزيجي، وإني أتكلّم هنا عن النفس وخلاصها][2]. فالنفوس العذارى المخطوبة لعريس واحد، هي النفوس التي تسعى في طريق التقوى، والإتحاد بالمسيح، الذي يشجع ذهبي الفم سامعيه على الدخول فيه، ليس هو الإتحاد من طرف واحد، حيث يكون الطرف الثاني سلبي الإستجابة، بل هو إتحاد ديناميكي، أي فعّال، يشترك فيه كلا الطرفين بفعالية. الإتحاد، إذن، يختبره الذين يتقدون في طريق التقوى.

وفي استطراده في شرح رموز هذا المثل للربط بين الإتحاد الزيجي وبين الإتحاد بين النفس والمسيح، يرجع القديس ذهبي الفم إلى رسالة أفسس (5: 28-32)، حيث يتحدث القديس بولس عن الإتحاد بين الرجل وإمرأته، حيث يطبقها الرسول على العلاقة بين المسيح والكنيسة: [هكذا تكون العلاقة الوثيقة والإلتحام بين الاثنين حتى يصيرا جسدًا واحدًا. فأي منطق يمكن أن يشرح لنا هذه الوحدة، وأي طاقة عقلية يمكن بها أن نفهم هذا الحاصل بين المسيح وكنيسته؟ ألم يكن هذا المعلم القديس على صواب حين يقول إن هذه العلاقة هي “سرّ”؟ وليس فقط “سرّ” بل “سرّ عظيم”][3].

هذا السر العظيم، هو ما يُشير به الرسول بولس إلى المسيح وكنيسته “هذا السر عظيم، ولكنني أقول من جهة المسيح والكنيسة” (أف5: 32). فالعلاقة بين النفس والمسيح هي علاقة إتحاد والتصاق وثيق، حتى إن الاثنين يصيران واحدًا. وليس من تفكير أو منطق يمكن أن يدرك هذا. فهو سر، وسر عظيم.

إنه أمر ذو مغزى أن يبدأ ذهبي الفم عظاته عن المعمودية بهذا المقطع من رسائل القديس بولس، حيث يطبق مَثَل ونموذج سر الإتحاد الزيجي على سرّ الشركة بين المسيح والكنيسة. ذهبي الفم يبدأ عظاته التعليمية ليس بشرح عقيدة ولا بنصيحة أخلاقية، ولا بتفسير رموز المعمودية، بل بتعريف هذا السر. فأن يكون الإنسان مسيحيًا فهذا شيء لا يعتمد على مجرد ممارسات شكلية، بينما أن يتسمى الإنسان مسيحيًا فهذا شيء آخر. فأن يكون مسيحيًا، يعني أنه دخل في شركة مع المسيح، وهذه الشركة هي في حد ذاتها سر.

يستشهد القديس ذهبي الفم بآيات أخرى من رسائل بولس الرسول ليوضح جوانب أخرى من هذه الشركة. ففي نهاية العظة الأولى يقول: [أنتم على وشك أن تلبسوا المسيح: فلابد أن تعملوا كل شيء بمعرفة ويقين بأن المسيح هو معكم أينما كنتم][4]. وفي العظة الثانية، يعود ذهبي الفم إلى تعبير “لِبسْ المسيح”، ويؤكد على اختبار الشركة مع المسيح كما وردت في رسائل بولس الرسول. فذهبي الفم يصف المعمودية بأنها دفن وقيامة، حيث يُدفن العتيق، ويقوم الإنسان الجديد “متجدداً حسب صورة خالقه” (كو3: 10). وهنا يستخدم الرسول بولس صورة الخلع واللبس، خلع اللباس القديم ولبْس الجديد، فيقول ذهبي الفم: [إننا نلبس المسيح نفسه]. ويتبع هذا بآية غلاطية (3: 27). “ لأنكم جميعًا الذين تعمّدتم للمسيح، قد لبستم المسيح[5].

ولكن المسيح ليس تمامًا مثل الثوب الذي يمكن للإنسان أن يلبسه ويخلعه حيثما شاء. فذهبي الفم يشرح هنا مفهوم الإتحاد، بأن المسيح هو في كل مكان مع المسيحي المعمّد. والمعمّد المسيحي يلبس المسيح حالما يتعمِّد للمسيح. فالمعمودية سر عميق يبدأ ذهبي الفم بشرحه من خلال طقوس جحد الشيطان وإلاشبين وعقد العهد مع السيد المسيح. وفي وضع آخر يقول ذهبي الفم إن موضوع هذا العهد هو “الإيمان”، وفي موضع آخر يقول، إن هذا العهد ليس مثل العقود والإتفاقات التي تُبرم بين الناس وبعضهم، فهو ليس بحبر وورق، بل هو عهد إلهي بالروح القدس. فهو يجعل من المعمودية والشركة مع المسيح حقيقة حيّة فعّالة بالروح القدس، وليست طقسًا شكليًا[6].

وإذ ربط ذهبي الفم ـ كما رأينا في العظة الأولي ـ بين العرس الروحي، والتجنيد الحربي كتعبير عن سرّ المعمودية، نجده يتوّجه مرّة أخري (في عظته الثانية)[7] إلي المتقدمين لنوال هذا السر العظيم مخاطباً إياهم أنهم هم الذين “كَتَبوا أسمائهم في كتيبة المسيح[8]. والهدف من ذلك هو أن يوضح لهم من البداية “قوة السلاح الذي هم مزمعون أن ينالوه[9]، وليس هذا فقط ولكن أيضاً “مقدار الصلاح غير المنطوق به الذي يظهره الله بإحسانه علي جنس البشر حتى يأتوا بإيمان وثقة كاملة ويتمتعوا بالكرامة التي يسكبها بغزارة[10] لذلك يعود فيدعو هؤلاء المقبلين علي المعمودية، بأنهم استحقوا “أن تسجل أسمائكم في السفر السمائي[11]  لكن هذا يستلزم أمراً مهماً للغاية وهو أنه يجب عليهم أن يقّدموا “إيماناً عظيماً وعقلاً راجحاً” وهذا بسبب أن”ما يجري هنا ـ ويقصد المعمودية ـ يتطّلب الإيمان وانفتاح أعين النفس[12].

١)- مضمون هذا الإيمان وفعله:

يطلب ذهبي إذن من المقبلين علي المعمودية أن يعترفوا بإيمانهم في قّوة فيقول “قّدموا اعترافاً قوياً بإيمانكم ليس فقط بشفاهكم، بل باقتناع فكري راسخ[13] ويعلل ذلك بقوله ” لأن الإدراك والفهم في هذا ينبغي أن يكون قوّياً مرتبطاً بإيمان واللسان يكون مستعداً باعتراف بعقل يقظ متمسك وصلب[14].

ويربط ذهبي الفم ـ مثله مثل باقي آباء الكنيسة ـ بين “قانون الإيمان” و “قانون العبادة”، أي بين الإيمان من ناحية والحياة والسلوك من ناحية أخرى، لأنه يري أنه لابد ومن الآن ـ أن يبني حياة المؤمنين الجدد علي أسياسيات راسخة متينة تحفظ استمرارية حياتهم الروحّية قوّية فيقول: ” وبما أن الإيمان هو أساس التقوىدعوني أتكلّم معكم باختصار عن هذا الإيمان حتى نؤسس أساساً غير قابل للهدم حتى تبني البناء كله راسخاً[15].

ويتابع ذهبي الفم بيان مضمون هذا الإيمان الواجب على مَنْ يُصّر دائماً علي تسميتهم ” أولئك الذين كتبوا أسمائهم في هذه الكتيبة الروحية[16] كما دعاهم سابقاً، فيقول “أن عليهم أن يؤمنوا بالله إله الكون كله، أبو ربنا يسوع المسيح أصل وأساس كل شئ غير المحدود, غير المدرك الذي لا يمكن النطق به شرحاً لا بالكلمة ولا بالفهم، الذي برحمته وصلاحه خلق كل شئ[17] ويستطرد قائلاً “وأن يؤمنوا بيسوع المسيح ابنه الوحيد ربنا الذي هو في كل شئ مساوٍ للأب ومثله وغير متغّير  في مساواته للأب وواحد مع الأب في الجوهر ولكنه معروف بذاته مولود من الآب بطريقة غير منطوقة، الذي كان قبل أن تكون الأزمنة الأزليّة. وكان خالقاً لكل الدهور. والذي في الأيام الأخيرة من أجل خلاصنا أخذ شكل العبد وصار إنسانا وسكن بيننا في طبيعة بشرية وصلب وقام في اليوم الثالث[18].

ويتابع تعليمه عن مضمون الإيمان والذي علي أساسه تتم المعمودية وهو الإيمان بالثالوث القدوس الواحد في الجوهر والمساوي في المجد والكرامة، لهذا بعد أن تكلّم عن الإيمان بالأب والابن، يأتي إلي الحديث عن الأقنوم الثالث أي الروح القدس والإيمان به كحقيقة مؤكدة فيقول: “عليكم أن تحفظوا هذه الحقيقة بتأكيد ووثوق، تحفظونها في عقولكم: أن الروح القدس له الكرامة والمجد الذي للأب والابن[19]. وهذا يؤكد بالطبع إلوهية الروح القدس أيضاً. وعلي أساس الإيمان بالثالوث تجري المعمودية كأمر المسيح له المجد لتلاميذه “اذهبوا وتلميذوا جميع الأمم وعمدّوهم باسم الأب والابن والروح القدس” (مت19:28). وهنا يجب أن نشير إلي أن المعمودية كانت أهم المناسبات[20] للاعتراف بالإيمان أي الاعتراف بالمسيح يسوع حيث إن المعمودية كانت تُجري باسم الربّ يسوع كما يشهد سفر أعمال الرسل (أع16:8، 5:19). غير أن صيغة الاعتراف ـ والذي هو أساسي لإجراء المعمودية ـ مرّت بمراحل عديدة من زمن العهد الجديد وحتى المجمع المسكونى الذي في القرن الرابع الميلادي أي من مجرّد عبارات بسيطة حتى نص قانون الإيمان الذي نصلي به الآن. ومن الواضح أن ما سبق أن ذكره ذهبي الفم في عظاته للمتقدّمين للمعمودية، يمثل ـ تقريبا ـ البنود الأساسية في قانون الإيمان الذي تمّ صياغته وأقرتّه الكنيسة في مجامعها المسكونية الأولي في سنة ٣٢٥ والخاص بإلوهية الابن والثاني عام ٣٨١م والخاص بإلوهية الروح القدس، والمعروف باسم قانون نيقية ـ القسطنطينية والذي بدأ تردديه رسمّياً في كل صلوات الكنيسة بداية من القرن السادس. ولهذا ينصح ذهبي الفم الموعوظين المقبلين علي المعمودية أن يتمّسكوا بهذا الإيمان ويحذّرهم من المضلّين والهراطقة فيقول: “أرأيتم كيف أعطي المسيح الاعتراف بهذه الحقيقة أي الأب والابن والروح القدس، وأن تعليمه في هذا غير مخفي بل واضح كل الوضوح؟ لا تجعلوا أحد بعد ذلك يُضلكم بمحاولته استبدال عقائد الكنيسة باختلافات من وحي تفكيره حتى يربك الإيمان الصحيح[21].
وبصفته أب ومعلّم قدير وراع صالح، فإنه لا يترك شعبه وخصوصاً حديثي الإيمان منهم بدون نصائح روحية رعوية تًسندهم وتجنبهم العثرات وتحفظ خلاصهم إلي أن يشتد عودهم قائلاً “ تجنبوا صداقة مثل هؤلاء الناس، كما تتجنبون السموم التي يمكن أن تقتلكم لأن مثل هؤلاء الناس خطرون أكثر من السموم، فالسموم تفسد الجسد فقط أما هؤلاء فيفسدون الخلاص ويقتلون النفس. لذلك من المناسب جداً من البداية أن تتجنبون المحادثات والمجادلات مع هؤلاء القوم إلي إن تكّملوا في لبس أسلحة الروح والمعرفة بشهادات الأسفار المقدسة[22].

٢)- ما يجري في المعمودية:

يقول ذهبي الفم “لان ما يجري هنا يتطّلب الإيمان وانفتاح أعين النفس[23]. لهذا نجده بعد أن أوضح مضمون الإيمان بالثالوث، ونصح الموعوظين بالتمّسك به وعدم استبدال عقائد الكنيسة بأي تعاليم أخري، نجده يوجّه أنظارهم لأمر مهم وهو محاولة إدراك ما يجري في سرّ المعمودية “حتى تنتبهوا ليس فقط إلي ما يُري، بل حتى تجعلوا غير المنظور منظور، لان أعين الإيمان تري لا المنظور من أعين الجسد، بل غير المنظور كأنه قائم أمام أعين الجسد[24].

وفي عبارات عميقة، وكاشفة يشرح ذهبي الفم “ما يجري هنا” ويقصد بالطبع المعمودية، طالباً من هؤلاء الموعوظين: ” أن لا تلتفتوا للمنظور بل أن تكون لكم أعين الروح؟”[25]. أما الكشف الحقيقي لما يحدث في المعمودية والذي يراه هؤلاء بعين الروح فهو “حتى لا يتراءي لكم الماء أنه ماء عادي ولا اليّد الموضوعة عليكم أنها يدّ عادية، فليس هو الإنسان الذي يجري السرّ بل هي نعمة الروح القدس، فإنها هي التي تقدّس طبيعة الماء[26] وهي التي تلمس رؤوسكم مع يد الأسقف[27]. أما الأمر الثاني غير المنظور لمن لا يؤمن والمنظور بعين الروح لكلَّ مَنْ يؤمن هو أن “المعمودية هي دفن حقيقي وقيامة حقيقة، لأن الإنسان العتيق بها يُدفن بخطيئته وبها يقوم الإنسان الجديد ” الذي يتجدّد للمعرفة حسب صورة خالقه” (كو٣: ١٠) “[28].

ونتيجة هذا السرّ العظيم في حياتنا هو اننا “خَلعِنا الملابس العتيقة التي تعبّر عن خطايا الماضي ولبِسنا الثياب الجديدة تعبيراً عن جدة الحياة[29] ويلّخص ذهبي الفم فعل المعمودية في كل مَن يؤمن بها: “ماذا أقول”؟ “قد لبسنا المسيح نفسه لأن “كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح(غل ٣:٢٧)[30].

طقس جحد الشيطان:-

أمر آخر يجري في المعمودية أراد ذهبي الفم إيضاحه وشرحه أمام المتقدّمين لنوال سرَّ المعمودية وهو طقس جحد الشيطان. وإذ هو يشعر بما يدور في نفوس هؤلاء الموعوظين وأن خبرتهم الروحيّة بسيطة وإدراكهم بطقوس الكنيسة محدود فإنه كراع واع لابد وأن يشرح ما سوف يتّم لهم من طقوس قبل قبولهم المعمودية فيقول انتم” تقفون الآًن عًلي العتبة وستنعمون بالعطايا الوافرة، دعوني أعلّمكم قدر استطاعتي معني هذه الطقوس حتى لا تخرجوا من هنا إلاّ وعندكم إدراك يقيني بما يتم فيها. ينبغي أن تفهموا لماذا تتلي عليكم كل يوم بعد العظة كلمات الاكسوركزم (طرد الأرواح النجسة)[31] “. والشرح الذي يعطيه ق. ذهبي الفم لهذا الطقس هو الآتي: “لأنكم عتيدون أن تستقبلوا في حياتكم ملك السموات ليسكن فيكم ويكون معكم. فما سمعتموه من صلوات طرد الأرواح الشريرة هو بمثابة أعداد المسكن الملكي للآتي. فهي تطّهر أفكاركم وتطرد كل مكيدة للشرير يكون قد باشرها فيكم وتجعل قلوبكم مهيأة. للحضرة الملكّية. ومهما كان الشيطان شرساً لكنه يضطر للهرب سريعاً أمام استدعاء المعلّم الإلهي الذي يهيئ في النفس حالة من التقوى ويقودها إلي مشاعر التوبة[32]. أما الأمر المنظور أمام الكلّ والذي لا تخطئه العين المجردّة وربما يكون عند البعض أمراً عجيباً بل “وفوق المعتاد” كما يدعوه ذهبي الفم، فهو أن طقس المعمودية ” لا يفرّق بين مراتب ودرجات البشر . إذ الكّل يخلع ملابسه ويقف عرياناً حتى ولو كان المتقدم يحظي بمقام عالٍ في المجتمع وقد أضاء غناه من حوله وكان ذا حسب، فإنه يقف جنباً إلي جنب مع شحاذ أو معدم أو أعمي أو أعرج، ولا يتململ من هذا[33]. ويرُجع ذهبي الفم سبب هذا الرضي والارتياح لهذا الوضع غير المعتاد إلي إن هذا الشخص الغني يعلم ” أن هذه الفروق لا توجد في عالم الروح حيث لا يُنظر من الإنسان إلاّ نفسه فقط وهي التي تأخذ المقام الذي لها[34].

ثم يكُمل ذهبي الفم شرحه لما يجري في سرّ المعمودية وما يحمله طقس جحد الشيطان كي يلتصق المؤمن بالمسيح في ارتباط وعقد فيقول دعوني أحدثكم عن الأسرار وعن العقد الذي سيسير بينكم وبين الله”. ويعقد مقارنة بين ما يحدث في العالم عندما يوثَّق أي ارتباط بين اثنين بواسطة عقد، موضحّاً لهم أنه عندما يستأمنهم الربّ علي الأمور السمائية التي هي للحياة فالعقد هنا يدعي “الإيمان” حيث لا يفني أو يخفي شيئاً منظوراً، لكن كل ما لا يري إلاّ فقط بعين الروح والإيمان[35] وفي هذه الحالة فإن “الإيمان هو اتفاق بين المتعاقدين لا يكتب باليد، فالمتعاقد الأعظم هو الله وأسفاره المقدسة المكتوبة بالروح القدس[36]. وهنا يحُمّل ذهبي الفم مَنْ يقُبِل علي المعمودية، يُحملّه مسئولية ما ينطَق به من “عهد” إيمان إذ إن ما سينطق به “في الحال يسّجل في السماء” كما أن “الاتفاق الذي يبرمه بالفم يستلمه الرب ويحفظه إلي الأبد[37]. ويري ذهبي الفم في الكلمات ” أنا أجحدك أيها الشيطان وكل قواتك وأتباعك وأعمالك” والتي يطلب الكاهن من المعّمد أن يردّدها كدليل علي رفضه لأعمال الظلمة وانضمامه إلي مملكه النور, يري أنها “كلمات قليلة ولكن مضمونها قوي”[38]وأنها ستكتب في سجلات السماء[39].

التغطيس في الماء:

وأخيراً يوضّح ذهبي الفم ما يتّم عندما يُغطِّس الكاهن مَنْ يُقبل علي المعمودية في الماء، وما يقال من صلوات، فيقول إنه بسبب وحده الجوهر بين اقانيم الثالوث القدوس فإن المعمودية الواحدة تتم هكذا: “يقول الكاهن إن فلاناً يتعمّد باسم الأب والابن والروح القدس ويُغطس رأسكم في الماء وذلك ثلاث مرّات ويُصعدها من الماء[40]. وهذا الطقس “السرائري” يهيئ المعمّد كي ينال “نعمة الروح القدس[41].
ويعود ذهبي الفم مرّة أخري ليؤكد أن مَنْ يلمس المعمّد ليس هي يدّ الكاهن بل هي ” يد المسيح اليمني[42]. ويستدل ذهبي الفم علي ذلك من قول الكاهن: لا أني أعمد فلان بل “فلان”، ” يتعمّد لأنه ليس هو الكاهن الذي يَعمِد بل المسيح، أما الكاهن فما هو إلاّ “خادم للنعمة[43]. وهنا أيضاً يُعلّم ذهبي الفم بشرعّية هذا الخادم الذي يصفه أنه ” قد رسم لهذا العمل بالروح[44].

وأخيراً يُجمل ذهبي الفم نعمة التبني وتعليمه عن سرَّ المعمودية بقوله  “حقيقةً إن مَنْ يتمم هذا السرّ هو الأب والابن والروح القدس، لأن الإيمان بالثالوث هو الذي يعطي نعمة غفران الخطية، والاعتراف بهذا الإيمان هو الذي يهبنا البنّوة[45].

المعمودية والأفخارستيا:

يخبرنا ذهبي الفم في هذه العظة عن طقس مازال يُمارس في كنيستنا حتى الآن وهو ارتباط سرّ المعمودية بسر الأفخارستيا حيث تتم المعمودية بعد رفع بخور باكر في القداس ثم يشترك المعمّد في صلاة القداس الإلهي ويتقدّم لتناول جسد الرب ودمه ثم تحتفل به كل الكنيسة في “زفه” داخل الكنيسة وهذا ما يُعبّر به ذهبي الفم بقوله “ومن حال خروجهم من جرن المعمودية من الماء المقدس، يقبلهم كل الحاضرين ويفرحون معهم ويهنئونهم لأنهم بعد أن كانوا أسري وعبيداً صاروا فجأة أحراراً وأبناء مدعوين للمائدة الملكية. لأنهم بعد خروجهم من الماء يتقدّمون إلي المائدة المهيأة، المحمّلة بأنعام لا تُعد، ليتناولوا جسد الرب ودمه ويصبحوا مسكناً للروح، لقد لبسوا المسيح نفسه، لقد صاروا مثل ملائكة علي الأرض مضيئين كالشمس[46].

فعِل المعمودية فينا: 

يختم القديس يوحنا تعليمه عن المعمودية ببيان فعل المعمودية فينا. وفي وصف رائع يصف ذهبي الفم هذا الفعل قائلاً:” بالأمس كنتم أسري والآن أنتم أحراراً ومواطنون كنسيون. فيما سبق كنتم تعيشون في خزي خطاياكم، والآن تحيون في ملء الحرّية والبرّ. لستم أحراراً فقط بل وقديسون، ولستم قديسين فقط بل وأبراراً. ولستم أبراراً فقط بل وأبناء، ولستم أبناء فقط بل وورثة، ولستم ورثة فقط بل وإخوة المسيح. ولستم إخوة للمسيح فقط ولكن شركاء للميراث، ولستم شركاء ميراث فقط ولكن أعضاء، ولستم أعضاء فقط بل وهيكل، ولستم هيكلاً فقط بل وأدوات للروح القدس[47].

 


[1] ترجمت هذه العظات من اليونانية إلى الإنجليزية ونشرت بالمجلد رقم 31 من السلسلة المعروفة

Ancient Christian Writers,New York1936.

وقام الراهب القمص مرقوريوس الأنبا بيشوي بترجمتها من الإنجليزية إلى العربية ونشرها عام 2007. ولقد أعتمدنا على المقدّمة الوافية لمحتوى هذه العظات الاثنى عشر والتي وردت مع هذه الترجمة، كما أن كل الاقتباسات في هذه الورقة هي أيضًا عن هذه الترجمة العربية.

[2]المعمودية (الظهور الإلهي): ترجمة وإعداد الراهب القمص مرقوريوس الأنبا بيشوي. القاهرة 2007 العظة الأولى ص34، 35.

[3]العظة الأولى ص38.

[4]العظة الأولى ص51.

[5] العظة الثانية ص57.

[6] العظة الأولى ص51، العظة الثانية ص60.

[7]  سنركز شرحنا لتعاليم ذهبي الفم عن المعمودية من خلال العظتين الأولى والثانية.

[8] العظة الثانية. المرجع السابق ص٥٣

[9] العظة الثانية. المرجع السابق ص٥٣

[10] العظة الثانية. المرجع السابق ص٥٤

[11] العظة الثانية. المرجع السابق ص٥٦

[12]  المرجع السابق ص57.

[13] العظة الأولي ص٤١.

[14] المرجع السابق ص41.

[15] المرجع السابق.

[16] المرجع السابق.

[17] المرجع السابق ص41.

[18] المرجع السابق ص٤١.

[19] المرجع السابق ص٤٢.

[20] ومن المناسبات الأخرى للاعتراف هي المحاكمات التي تجري للمسيحيين حيث كان يرغم المسيحي علي أن يقول “يسوع أناثيما” أي مرفوض أو ملعون. للمزيد انظر د. جورج عوض إبراهيم، إعتراف الإيمان في الكنيسة الأولى، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية سنة 2008، صـ 10 ـ 23.  

[21] العظة الأولي ص٤٣.

[22] المرجع السابق ص٤٣.

[23] العظة الثانية: ص٥٧.

[24] المرجع السابق. ص٥٧.

[25] العظة الثانية: ص٥٧.

[26] العظة الثانية ص٥٧.

[27] انظر صلوات تقديس ماء المعمودية في الطقس القبطي.

[28] العظة الثانية ص٥٧.

[29] المرجع السابق ص٥٧

[30] المرجع السابق ص٥٧

[31] العظة: ١٢ ص٥٨

[32] المرجع السابق ص٥٨

[33] المرجع السابق ص٥٨

[34] المرجع السابق ص٥٨

[35] المرجع السابق ص٦٠

[36] المرجع السابق ص٦٠

[37] المرجع السابق ص٦٠

[38] المرجع السابق ص٦١

[39] المرجع السابق ص٦١

[40] المرجع السابق ص٦٢

[41] المرجع السابق ص٦٢

[42] المرجع السابق ص٦٢

[43] المرجع السابق ص٦٢

[44] المرجع السابق ص٦٢

[45] المرجع السابق ص٦٢-٦٣

[46] المرجع السابق ص٦٢-٦٣

[47] المرجع السابق ص٦٧

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *