November 2017
S M T W T F S
« Oct    
 1234
567891011
12131415161718
19202122232425
2627282930  

أولاً: نشأته وسيرة حياته

          وُلد القديس يوحنا حوالي سنة 347م لأسرة من الأُسر الغنية في مدينة أنطاكية بسوريا. وكان أبوه سيكوندوس أحد قادة الجيش الروماني وأمه تدعى أنثوسا Anthusa. توفى والده وهو رضيع، فكرّست أمه حياتها لتربيته رغم أنها كانت في سن العشرين رافضة كل العروض التي عُرضت عليها للزواج بعد ترملها. ومنذ طفولته بدأت أنثوسا تغرس فيه محبة الله وتغذيه بمعرفة الكتب المقدسة وتعاليم الإيمان الصحيح. وأرسلته أمه ليتتلمذ على الخطيب الشهير “ليبانيوس″ في الخطابة وعلى الفيلسوف ” أندراجاسيوس ” في الفلسفة. وكان أستاذه ” ليبانيوس ” يتمنى أن يكون يوحنا هو خليفته في مدرسة الخطابة، ولكن كما قال ليبانيوس وهو يحتضر ” يوحنا هو الأجدر بأن يخلفنى لو لم يخطفه منا المسيحيون ” (soz. E.H.8,2). وكما يذكر عنه الأسقف بلاديوس تلميذه في (Dial.5) إنه في سن 18 سنة وهو حديث السن ولكن له عقل رجل ناضج تمرد على أساتذته الوثنيين. وتحول بحماس شديد إلى الفلسفة الإلهية، أي المسيحية.

   عمل يوحنا مدة سنتين محاميًا للدفاع عن المظلومين والفقراء وخدمهم بفصاحته في الخطابة وصارت له شهرة كبيرة بين الشباب. وغالبًا يشير يوحنا في كتابه عن الكهنوت إلى هذه الفترة من شبابه عندما يقول إن ” كفته قد هبطت تحت ثقل شهوات هذا العالم والأهواء التي ينغمس فيها الشباب ” (الكهنوت 3:1).

   ثم تأثر يوحنا برفيق صباه باسيليوس (غير القديس باسيليوس الكبادوكى الشهير)، الذي كان يعيش حياة تقوية إنجيلية، فانجذب إلى حب الله وبدأ يكرس حياته لدراسة الكتاب المقدس والصلاة في منزله. في هذه الفترة لفت يوحنا انتباه القديس ميليتيوس أسقف أنطاكية وأعجب بذكائه وغيرته فقربه إليه وجعله ملازمًا له، ثم أعطاه سر المعمودية وبعد 3 سنوات من ملازمته للأسقف رسمه قارئًا (أناغنسطس) حوالى سنة 370م وله من العمر حوالي 23 سنة.

   كان يوحنا يشتاق أن يحيا الحياة الرهبانية مع صديقه باسيليوس ويترك البيت لهذا الغرض لولا دموع أمه التي بذلت كل حياتها لأجله متوسلة إليه ألا يجعلها تترمل مرة ثانية، لهذا استمر يمارس حياة النسك متفرغًا للصلاة وقراءة الكتب المقدسة في بيت والدته إلى أن انتقلت إلى السماء (De sacred. 1,4). وفي هذه الفترة تتلمذ على ديودور الطرسوسى (Socrat. 6,3,50z. 8,2).

هروبه من الأسقفية

   شاع خبر قداسة الشاب يوحنا هو وصديقه باسيليوس، فلما خلت ابرشيتان في سوريا فكر المؤمنون هناك في إختيار هذين الناسكين لملء هذا الفراغ، فلما سمع يوحنا هذه الأخبار هرب في الجبال دون أن يخبر صديقه باسيليوس مما أحزن صديقه الذي كان قد رضخ لطلب السيامة الأسقفية، وكتب إلى يوحنا يعاتبه على خداعه له بإخفاء أمر هروبه عنه. وهذا دعا يوحنا أن يكتب رسالة ” عن الكهنوت ” أرسلها إلى صديقه باسيليوس يبيّن فيها سمو الخدمة الكهنوتية، وأنه هرب لأنه شعر أنه أضعف من أن يقوم بأعباء مسئولية الأسقفية (وهو كتاب الكهنوت الشهير الذي ترجم إلى جميع اللغات وترجم إلى العربية منذ أكثر من 20 سنة في مصر وفي لبنان).

 رهبانيته

   بعد أن إنتقلت والدته إنطلق إلى الجبال المجاورة لأنطاكية، وقضى هناك أربع سنوات يعيش مع ناسك شيخ. وكان يشعر كأنه في السماء وهو يعبد في البرية كما يقول في إحدى عظاته “اللجوء إلى البرية هو وجود في السماء، في عالم آخر، في السماء عينها ” (Matt. P.G. 58:643).

توحّده

   بعد ذلك إعتزل في مغارة على انفراد، كما يقول بلاديوس [بسبب شوقه أن يخفى نفسه عن العالم، وقضى في المغارة 24 شهرًا، وحرم نفسه من النوم معظم هذه المدة، وكان يدرس خلالها الكتب المقدسة (وهى أفضل وسيلة لنوال الحكمة وطرد الجهالة)، طوال سنتين دون أن يستلقى ليلاً ونهارًا مما أثر على صحته وأًُصيب بمتاعب في معدته وأمعائه وبمرض في الكليتين نتيجة البرد الشديد. ولأنه لم يستطيع أن يداوى نفسه، لذلك رجع إلى أنطاكية ] (Palladius 5).

رسامته شماسًا (دياكون)

   بعد عودته من البرية قام الأسقف ميليتيوس برسامته دياكون سنة 381م فقام بواجباته في خدمة المرضى والأرامل والأيتام والحزانى، ومساعدة الأسقف في خدمة الأسرار المقدسة وحمل الأسرار إلى المرضى.

   كتب عدة كتب في فترة شموسيته منها:

   1 ـ القديس بابيلاس وضد يوليانوس والأمم.

   2 ـ ” ضد اليهود والأمم “.

   3 ـ ” رسالة تعزية إلى أرملة شابة “.   

   4 ـ ” عن البتولية “.

   5 ـ ” دفاع عن الرهبنة “.               

   6 ـ ” الزواج مرة واحدة “.

   7 ـ 3 كتب إلى الراهب ستاجيريوس.

رسامته كاهنًا وخدمته في أنطاكية (386A.C)

   بعد أن تنيح الأسقف ميليتيوس خلفه فلافيانوس أسقفًا لأنطاكية. وفي سنة 386م رسم فلافيانوس الشماس يوحنا كاهنًا لأنطاكية وكلفه بخدمة الوعظ في الكنيسة الرئيسية بالمدينة. وطوال 12 سنة من 386م إلى 397م، كان يوحنا يعظ بكل غيرة وحرارة وبلا توقف وكان يتمتع بموهبة نادرة في الخطابة والوعظ والتأثير في مشاعر وعقول السامعين، واجتذب إلى الإيمان بعض الوثنيين والهراطقة بتأثيره، كما حوّل حياة المسيحيين إلى المسيحية الحقيقية. وكانت الجموع من شدة تأثرها بوعظه تصفق تصفيقًا حادًا متواصلاً، مما ضايق يوحنا لأنه وجد أن هذا التصفيق يضيع البركة الروحية التي ينالها السامعون، لذلك قال لهم إن تصفيقكم يؤلمنى ويحزن قلبى حتى إنى أبكى وأنتحب بعد ذهابى إلى البيت، لأنه كان يخاف أن يتسبب هذا في ضياع بعض النفوس. وهكذا ظل القديس يوحنا يلح على الشعب حتى ألزمهم بإيقاف التصفيق كليةً.

   وبسبب قوة وعظه وتأثيره لُقب بهذا اللقب ” ذهبى الفم ” الذي يشير إلى أنه أعظم الوعاظ في التاريخ المسيحى كله. وخلال خدمته هذه الـ 12 سنة في أنطاكية ألقى القديس يوحنا أشهر وأعظم عظاته على الإطلاق.

يوحنا أسقفًا للقسطنطينية: (398 ـ 404م)

بعد وفاة نكتاريوس بطريرك القسطنطينية في 23 سبتمبر سنة 397 وقع إختيار شعب القسطنطينية وكهنتها والإمبراطور الشاب أركاديوس على القس يوحنا واعظ أنطاكية الشهير ليكون بطريركًا للقسطنطينية، ولأن يوحنا لم يبدى أى استعداد لقبول هذه الفكرة، وكذلك لعلم الإمبراطور بشدة تمسك شعب أنطاكية بواعظهم القدير، لذلك أُحضِر يوحنا إلى القسطنطينية باستعمال القوة وبالخداع. فكما يذكر سوزومين المؤرخ وبلاديوس، أرسلوا إليه قائد جيش الشرق الذي استدعاه لكي يرافقه في زيارة مقابر الشهداء خارج مدينة أنطاكية، وما أن عبر خارج أسوار المدينة حتى حُمل قسرًا إلى القسطنطينية (انظر soz. 13:2, Pallad 5:19).

وفي يوم 26 فبراير سنة 398 تمت سيامة الأب يوحنا أسقفًا وبطريركًا للقسطنطينية واشترك الأنبا ثاوفيلوس بطريرك الأسكندرية الـ 23 في وضع اليد عليه للسيامة.

خدمته في العاصمة

   بدأ القديس يوحنا عمله الرعوى والإصلاحى بمجرد تسلّمه مسئولية كنيسة العاصمة محاولاً إصلاح المدينة والاكليروس روحيًا وأخلاقيًا، اللذين كانا قد فسدا في عصر سابقه نكتاريوس. كان جو العاصمة الروحي مسممًا وملوثًا ويختلف كثيرًا عن جو مدينة وكنيسة أنطاكية الذي كان أكثر نقاوة. ويبدو أن يوحنا لم يتحقق من الاختلاف الجوهري بين المدينتين. يوحنا كانت له نفس نبيلة جدًا وغير أنانية. هذه النفس النقية لم تستطيع أن تتعامل مع مكائد البلاط الإمبراطوري في العاصمة.

   يقول عنه سوزمين المؤرخ أنه خدم بالقسطنطينية خدمة عظيمة مثالية وجذب كثيرين من الوثنيين والهراطقة إلى الإيمان، وكانت جماهير الشعب تلجأ إليه كل يوم يتزاحمون لسماع عظاته وكانوا يحبونه جدًا (انظر soz.8:5). واهتم البطريرك يوحنا بالفقراء إهتمامًا شديدًا، فكان ينفق كل ما يتوفر لديه من أموال على الفقراء أو على المستشفيات للمرضى الفقراء. وكان يرى مذبح الله في الفقراء بل يرى فيهم المسيح نفسه {المذبح هو النفوس المحتاجة، أعضاء المسيح نفسه تكون مذبحًا لك} (انظر2cor  NPN.F vol Hom 20 in 2co). لكن نقاوة القديس يوحنا وغيرته على الإنجيل والحياة المسيحية الحقيقية اصطدمت بفساد الإكليروس في العاصمة وكذلك بسلطان البلاط فيما بعد. ويبدو أن خطته لإصلاح الإكليروس لم تنجح في إجتذابهم معه في طريق الإنجيل العملى بل على العكس حوّلت كثيرين منهم إلى أعداء له. وتمسكه بالسلوك المستقيم والزهد حسب الإنجيل بدون أى مساومة ساهم في توحيد كل القوى المعادية وتكتيلها ضده. ولنقاوة قلبه لم يكن يجيد طريقة الحيل والمكائد التي تجعل كل عدو له يصطدم بعدو آخر.

   ومما زاد من معاداة الإكليروس له أنه في محاولته إصلاح الوضع حسب منهج الإنجيل وتعليم المسيح النقى إضطر في سنة 401 في مجمع عُقد بأفسس أن يقطع ستة أساقفة بسبب ممارستهم السيمونية.

   وهكذا تحالف مقاوموه في الداخل وفي الخارج ضده وبدأوا يخططون لتحطيمه ورغم أن علاقته بالبلاط الإمبراطورى كانت ودية في بداية عهده، إلاّ أن الوضع تغير بسرعة بعد سقوط “أوتربيوس” الرجل القوى مستشار الإمبراطور أركاديوس الضعيف الشخصية وسكرتيره وذلك سنة 399. وتحول مركز القوة في البلاط إلى الإمبراطورة أفدوكسيا. وكانت أفدوكسيا قد تسمم ذهنها ضد البطريرك يوحنا بأن صُوِرَ لها بأن مهاجمته للترف وللفساد إنما هى موجهة إليها هى وإلى بلاطها. كما أن الأساقفة زملاءه سويروس الجابالى، وأكاليوس أسقف بيرويه وأنطيوخوس أسقف بتولمايس كانوا يشجعونها على مقاومة يوحنا.

   وقد وصلت مكيدتهم إلى نجاح كبير، خاصةً بعد توبيخ البطريرك يوحنا للإمبراطورة لإستيلائها على حقل إمرأة ظلمًا، ومنعها من دخول الكنيسة بعد رفضها كل محاولاته معها بالهدوء قبل حدوث هذه المواجهة. وبسبب الصراع بين الإمبراطورة والقديس يوحنا حُكم على القديس بالنفي إلى كوكوزوس بإرمينيا الصغرى وبعد 3 سنوات في المنفى فاضت روحه في 14 سبتمبر سنة 407م.

وتعيد له الكنيسة القبطية في 17 هاتور الموافق 26 نوفمبر.

.