December 2018
S M T W T F S
« Nov    
 1
2345678
9101112131415
16171819202122
23242526272829
3031  

(حجى 1:1ـ12، زكريا 9:8، حزقيال 20:40 و 47)

           الكلمة في العبرية هى “هيكل” كما هى في العربية، وتعنى القصر أو البيت العظيم المخصص لعبادة الإله (انظر 1مل1:21، 2مل18:20).

أولاً: الهيكل في العهد القديم:

                1 ـ هيكل سليمان:

لقد رافقت خيمة الشهادة بنى إسرائيل في رحلاتهم في البرية، لكن عندما استقر الشعب في أرض كنعان، أصبح الأمر يستلزم وجود بيت ثابت للرب (انظر خر26:40). أيضًا رأى داود الملك أنه ليس من اللائق أن يظل تابوت عهد الرب ساكنًا في خيمة (انظر 2صم17:6)، بينما هو (الملك) يسكن في بيت مكسوة جدرانه بخشب الأرز. ولذا بدأ يفكر داود في بناء بيت للرب يكون عظيمًا كما يليق بمجد الرب (انظر 1أخ5:22). وبدأ داود بالفعل في إعداد كميات ضخمة من الأخشاب والأحجار والذهب والفضة، وغير ذلك من المواد اللازمة لبناء بيت مقدس للرب، والأدوات اللازمة للعبادة فيه، بل والعمالة الفنية اللازمة (1أخ2:22ـ17). ولكن الرب لم يسمح لداود ببناء هذا البيت، لأن داود  كان رجل حرب وقد سفك دماء كثيرة. وقال الرب إن ابنه الذي يخرج من أحشائه هو الذي سيبنى البيت (2صمو7، 1أخ8:22).

                أ ـ موقع الهيكل:

          بُنى الهيكل على التل الشرقي من التلين اللذين كانت أورشليم مبنية عليهما، وهو المعروف باسم “جبل المُريا”[1] (2أخ1:3) أو “جبل صهيون”، حيث كان بيدر أرنان اليبوسى، الذي فيه بنى داود مذبحًا للرب لتكف ضربة الوباء عن الشعب (1أخ22:21، 2أخ1:3)[2].

                 ب ـ وصف الهيكل:

          بُنى الهيكل على أساس خيمة الشهادة (الدار الداخلية، القدس، قدس الأقداس)، ولكن كانت أبعاده ـ في أغلبها ـ ضعف أبعاد خيمة الشهادة (1مل15:6)، فكان طوله ستين ذراعًا (أى90 قدمًا أو 27م)، وعرضه 20 ذراعًا (أى حوالى30 قدمًا أو 9م)، وارتفاعه ثلاثين ذراعًا (أى حوالى 45 قدمًا أو 13.5م). مبنيًا من حجارة، وعلى الأرجح من الحجارة الجيرية المتوفرة في المنطقة. وكسا سليمان الحوائط من الداخل بخشب أرز من الأرض إلى السقف وفرش الأرضية بأخشاب سرو، وغشى البيت من داخل بذهب خالص، كما رصعه بحجارة كريمة للجَمَال (2أخ6:3و7). وضع في قدس الأقداس تابوت العهد الذي لم يكن به سوى لوحى الشريعة. أما في القدس فكان مذبح البخور من الذهب، وعشر منائر ذهبية، وعشر موائد لخبز الوجوه، وكل خمس من المنائر والموائد في جانب من القدس (2أخ7:4و8). وفي الدار الداخلية كان مذبح المحرقة النحاس، وكانت هناك الدار الخارجية أيضًا (2أخ9:4).

          وفي السنة الرابعة للملك سليمان (حوالى سنة 967 ق.م) وُضِعتْ أساسات بيت الرب وفي السنة الحادية عشر لملكه (أى حوالى سنة 960 ق.م) أُكمل البيت، أى أن سليمان قد بناه في سبع سنين (1مل14:6ـ38). وقد أُحتفل بتدشين هذا المبنى الفخم على مدى أسبوع من التشكرات والصلوات. وعندما صلى سليمان لتكريس البيت، أمام مذبح المحرقة، نزلت نار من السماء وأكلت المحرقة والذبائح، وملأ مجد الرب البيت (2أخ13:6، 1:7ـ3). لكنه في أيام الملك صدقيا بن يوشيا (586 ق.م) جاء نبوخذ ناصر ملك بابل هو وكل جيشه على أورشليم وأخذوا صدقيا ومعظم الشعب أسرى إلى بابل (2مل1:25ـ6) وبعد ذلك بنحو عشر سنوات (576 ق.م). جاء مرة أخرى عبيد نبوخذ ناصر وأحرقوا بيت الرب وكل بيوت أورشليم بالنار (2مل8:25ـ9). وهكذا انتهى الهيكل الذي بناه سليمان، بعد نحو 400 سنة تقريبًا من إقامته.

                 2 ـ هيكل زربابل:

          بعد ثمانية وأربعين عامًا من أسر الشعب وتدمير الهيكل، انتهت الإمبراطورية البابلية (583 ق.م)، ووصلت محلها الإمبراطورية الفارسية بانتصار كورش ملك فارس. وفي السنة التالية (أى 537 ق.م) أصدر كورش الملك أمرًا بعودة اليهود المسبيين إلى بلادهم، وإعادة بناء الهيكل في أورشليم وإعادة أوانى الهيكل المقدسة (عز11:1). ولم يقتصر الأمر على ذلك فقط، بل أمر أيضًا بأن تُغطى تكاليف البناء من بيت الملك (عز3:6ـ12). وعادت الجماعة الأولى من المسبيين ـ وكان عددهم تقريبًا أربعين ألفًا ـ بقيادة زربابل الذي يسمى “والى يهوذا” (حج1:1). وكان معهم أيضًا يشوع أو يهوشع الكاهن العظيم (عز5:5، زك3:3). وكان أول عمل قام به يشوع وزربابل هو بناء المذبح في موقعه القديم وقدموا عليه الذبائح (عز3:3). ثم وبتشجيع النبيين حجى وزكريا وضعوا أساس الهيكل في السنة الثانية لعودتهم (سنة 536 ق.م) بإحتفال عظيم (عز8:3ـ13). وتم البناء في سنة 516 ق.م أى في عشرين سنة واحتفلوا بتدشينه بفرح عظيم (عز5، 6). وليس لدينا سوى القليل من المعلومات عن هذا الهيكل.

1 ـ لقد بُنى على نفس موقع الهيكل القديم.

2 ـ لم يكن يضاهى هيكل سليمان في العظمة والفخامة (عز12:3، حج3:2).

3 ـ ولم يكن تابوت العهد به، إذ لم يكن في قدس الأقداس شئ سوى حجر صغير كان يضع عليه رئيس الكهنة المبخرة في يوم الكفارة.

4 ـ أما القدس فكانت أدواته: المذبح الذهبى (أى مذبح البخور، ومائدة خبز الوجوه، ومنارة واحدة ذات سبع شُعب). هذا وقد تعرض هيكل زربابل للتخريب عند إستيلاء بومبي ـ القائد الرومانى ـ على أورشليم سنة 60 ق.م. وبذلك يكون قد استمر هذا الهيكل حوالى 500 سنة.

                 3 ـ هيكل هيرودس:

          في محاولة من هيرودس لكسب رضاء اليهود على ملكهم الأدومى الأصل، شرع في إعادة بناء الهيكل وبصورة فخمة ترضى أيضًا طموح رجل مغرم بالمظاهر مثله. وبعد أن قام هيرودس بإعداد التجهيزات اللازمة، شرع في البناء في السنة العشرين من حكمه (19 ق.م)، وأكمل العمل في الجزء الرئيسى سنة 27 ب.م، أى في ست وأربعين سنة (انظر يو20:2)، أما باقى الأبنية فقد ظل العمل جاريًا فيها في زمن الرب يسوع، ولم تكمُل إلاّ في عام 64م أى قبل تدميره نهائيًا بست سنوات فقط.

          وأحاط هيرودس الهيكل بسور من حجارة ضخمة، طول الحجر الواحد خمسة أمتار وارتفاعه متر (انظر 1:13). ومازالت بعض أجزاء من هذا الحائط قائمة. وقد دمر تيطس القائد الرومانى هذا الصرح الضخم في سنة 70م، وأخذ معه المنارة الذهبية، ومائدة خبز الوجوه وغيرها غنيمة معه إلى روما، كما هو مبين على قوس تيطس بروما. والأمر الذي يندهش له العالم الآن، أنه لا توجد حجارة من الهيكل ولا أى أثر له الآن، لأن الأمر صدر بهدمه وحرث الأرض حرثًا (انظر مر2:13ـ3) وقد ذكر يوسيفوس المؤرخ اليهودى الذي عاش في ذلك العصر هذا الخراب لأورشليم وهيكلها في كتابه الحروف اليهودية.

ثانيًا: الهيكل في العهد الجديد:

1 ـ في نظر الرب يسوع

          أ ـ دعاه الرب يسوع “بيت الله”: ” فقال لهم (للفريسيين) أما قرأتم ما فعله داود حين جاع هو والذين معه. كيف دخل بيت الله وأكل خبز التقدمة الذي لم يحلّ أكله له ولا للذين معه بل للكهنة فقط” (مت3:12ـ4).

          ب ـ وأنه مكان مقدس ويقدس كل ما به، لأن الله يسكن فيه: ” أيها الجُهّال (الكتبة والفريسيون) والعميان أيهما أعظم الذهب أم الهيكل الذي يقدس الذهب.. ومَن حلف بالهيكل فقد حلف به وبالساكن فيه” (مت 17:23، 21).

          ج ـ وغيرته لبيت أبيه جعلته يطهره: ” فصنع سوطًا من حبال وطرد الجميع من الهيكل، الغنم والبقر وكبّ دراهم الصيارف وقلب موائدهم، وقال لباعة الحمام ارفعوا هذه من هنا. لا تجعلوا بيت أبى بيت تجارة، فتذكّر تلاميذه أنه مكتوب غيرة بيتك أكلتنى” (يو15:2ـ17، مت12:21، مر15:11، لو45:19، مز9:69).

          د ـ كما أن المصير الذي كان ينتظر المدينة المقدسة والهيكل جعله يبكى عليهما: ” وفيما هو يقترب نظر إلى المدينة وبكى عليها قائلاً إنك لو علمت أنت أيضًا حتى في يومك هذا ما هو لسلامك ولكن الآن قد أُخفى عن عينيك” (لو41:19ـ42). فالمدينة المقدسة سوف تخرُب تمامًا، والهيكل سوف يُنقض بكامله ولا يترك فيه حجر على حجر:     ” فإنه ستأتى أيام ويحيط بك أعداؤك بمترسة ويحدقون بك ويحاصرونك من كل جهة ويهدمونك وبنيك فيك ولا يتركون فيكِ حجرًا على حجر لأنك لم تعرفى زمان إفتقادك ” (يو43:19ـ44).    ” وفيما هو خارج من الهيكل قال له واحد من تلاميذه يا مُعلّم انظر ما هذه الحجارة وهذه البنية فأجاب يسوع وقال له أتنظر هذه الأبنية العظيمة. لا يُترك حجر على حجر لا يُنقض” (مر1:13ـ2). وهو ما حدث فعلاً على يد الجيوش الرومانية بقيادة تيطس في سنة 70م كما سبق القول.

          هـ كما أننا نرى أن الرب يسوع وقبل أن يحدث تدمير الهيكل نهائيًا، لم يعد يذكر الهيكل على أنه “بيت الله” أو “هيكل الله” أو “بيتى” أو “بيت أبى” بل قال لهم ” يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المُرسلين إليها كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا. هوذا بيتكم يُترك لكم خرابًا” (مت37:23ـ38، لو34:13ـ35). وهذا يعنى أن مجد الرب قد غادر الهيكل إلى الأبد. فقد كان الغرض أصلاً من خيمة الإجتماع، ثم بناء الهيكل، أن يكونا مكانًا لحلول مجد الله “السكينة” في وسط الشعب. ولكن بسبب رفض أورشليم المتكرر لمحاولات الرب يسوع في جعلهم شعبه وخاصته، إرتفع مجد الرب نهائيًا عن الهيكل ولم يعد بالتالى بيت الرب بل بيت اليهود.

          وهكذا فإن ما تنبأ به الرب عن الهيكل القديم هو نهايته وتلاشيه، لأن هذا أمر يتفق مع تدبير الله للخلاص بإبطال العهد القديم (بدم الذبائح) ومع الشعب القديم وتأسيس العهد الجديد (بدم المسيح) رئيس الكهنة الأبدى مع شعب الله الجديد المؤمنين باسمه. وأعلنها صراحة أنه أعظم من الهيكل ” ولكن أقول لكم أن هنا أعظم من الهيكل ” (مت 6:12).

2 ـ في نظر الرسل القديسين

          أ ـ بعد صعود الرب يسوع، بدأ الرسل والتلاميذ يجتمعون في الهيكل في أورشليم للصلاة ” وكانوا كل يوم يواظبون في الهيكل بنفس واحدة..” (أع46:2). “وصعد بطرس ويوحنا معًا إلى الهيكل في ساعة الصلاة التاسعة” (أع1:3) وللتعليم ” ولكن ملاك الرب في الليل فتح أبواب السجن وأخرجهم (التلاميذ) وقال اذهبوا قفوا وكلموا الشعب في الهيكل بجميع كلام هذه الحياة. فلما سمعوا دخلوا الهيكل نحو الصبح وجعلوا يعلمون” (أع 19:5ـ21).

          ب ـ ولكن يتضح من حديث إستفانوس أن التلاميذ أدركوا أن الإيمان بالمسيح لا يتفق مع النظام الذي يعبر عنه الهيكل اليهودى:    ” وأما خيمة الشهادة فكانت مع آبائنا في البرية كما أمر الذي كلّم موسى أن يعملها على المثال الذي قد رآه. التي أدخلها أيضًا آباؤنا إلى أيام داود. الذي وجد نعمة أمام الله والتمس أن يجد مسكنًا لإله يعقوب. ولكن سليمان بنى له بيتًا. لكن العلى لا يسكن في هياكل مصنوعات الأيادى. كما يقول النبى السماء كرسى والأرض موطئ لقدمى أى بيت تبنون لى يقول الرب وأى هو مكان راحتى أليست يديّ صنعت هذه الأشياء كلها ” (أع44:7ـ50، إش1:66).

          ج ـ ولذا نجد التلاميذ بعد ذلك مجتمعين في بيت مريم أم يوحنا المُلقب مرقس، حيث كان كثيرون مجتمعين وهم يصلون (أع 12:12). لقد فهم التلاميذ أن علاقة الله بالهيكل المبنى بالحجارة قد انتهت تمامًا، وبدأت معها علاقة جديدة مع الهيكل الروحى؛ أى مع المؤمنين به، فكثيرًا ما يذكر الرسول بولس في رسائله أن المؤمنين هم هيكل الله والروح القدس يسكن فيهم ” أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم. إن كان أحد يفسد هيكل الله فسيفسده الله لأن هيكل الله مقدس الذي أنتم هو” (1كو16:3ـ17، 19:6، أف19:2ـ22). وفي (2كو 16:6) يقول: ” فإنكم أنتم هيكل الله الحي كما قال الله إنى سأسكن فيهم وأسير بينهم وأكون لهم إلهًا وهم يكونون لى شعبًا” (انظر خر25:29، إر33:31، خر20:11، زك8:8).

          هذا ويستخدم الرسول بطرس كلمة “بيت” عوضًا عن هيكل فيقول للمؤمنين: ” كونوا أنتم أيضًا مبنيين كحجارة حية بيتًا روحيًا كهنوتًا مقدسًا لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح” (1بط5:2).

          ويذكر كاتب الرسالة إلى العبرانيين أن المقدس السماوى هو النموذج الذي بُنى عليه المسكن الأرضى، فلم يكن الهيكل اليهودى إلاّ صورة للمسكن الحقيقي في السماء (انظر عب5:8، 24:9)، والذي أصبح من إمتياز المؤمنين في العهد الجديد، الدخول إليه بالإيمان “حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا صائرًا على رتبة ملكى صادق، رئيس كهنة إلى الأبد ” (عب19:6ـ20، 19:10ـ22، 22:12ـ24).

هذا وهناك كلمتان يونانيتان تترجمان إلى “هيكل” هما ‘IerÒn،  NaÒj والأولى تشير إلى مجموعة أبنية الهيكل في أورشليم، أما الثانية فتشير بصورة أكثر تحديدًا إلى “المَقْدِس”. ومما يذكر هو أن كتبة رسائل العهد الجديد في وصفهم للكنيسة كهيكل، يستخدمون كلمة NaÒj  .

                3 ـ الهيكل في سفر الرؤيا

          ونقرأ في سفر الرؤيا أن يوحنا لم ير في أورشليم السماوية هيكلاً لأن ” الرب الإله القادر على كل شئ هو والخروف هيكلها” (رؤ22:21). وهو بذلك يريد أن يؤكد أن موضوع العبادة سيكون الله وابنه، حيث ستختفى الحواجز جميعها التي تفصل الإنسان الآن عن الله، فلا يبقى ما يخبئ الله عن شعبه: ” وعبيده يخدمونه، وهم سينظرون وجهه” (رؤ3:22ـ5 و 1يو1:3ـ2). فهذا هو الإمتياز العظيم لكل المؤمنين.

                4 ـ الهيكل في نظر الآباء

          أ ـ يذكر الإنجيلى متى أن رئيس الكهنة قيافا، بعد اعتراف السيد له أنه “ابن الله” قد شق ردائه (أى ثوبه الخارجى) (مت65:26). ويذكر الإنجيلى مرقس أن رئيس الكهنة أيضًا بعد إجابة يسوع على سؤاله، قد مزق قميصه (أى ثوبه الداخلى) (مر63:14). وعليه يكون رئيس الكهنة قيافا قد شق كل ملابسه الداخلية والخارجية شقًا لا يمكن إصلاحه. هذا التمزيق قد فُسِرَ من قبل آباء الكنيسة على أنه نزع رتبة الرئاسة الكهنوتية[3].

          ب ـ وتذكر الأناجيل الثلاثة الأولى أن في لحظة تسليم السيد لروحه إلى الآب على الصليب، إنشق حجاب الهيكل إلى اثنين من أعلى إلى أسفل (مت51:27، مر38:15، لو45:23). وكان حجاب الهيكل ستارة به كتان فاخر تلمس أرضية الهيكل وتخفى خلفها “قدس الأقداس” حيث يُسمح لرئيس الكهنة أن يدخل مرة واحدة في السنة. ولم يكن في قدرة أى إنسان أن يدخل لكى يتفرس في “قدس الأقداس” ولا حتى لمن تطهَّر.

          وهذا الحدث يُفسر من آباء الكنيسة وكُتابها بالآتى:

          + منح الفداء الأبدى للبشرية، ووهب إمكانية الدخول إلى قدس الأقداس لكل مَن أراد إذ أن السيد دخل بنفسه كسابق إلى هناك (عب12:9)[4].

            + إحلال العبادة الجديدة الجوهرية، محل العبادة القديمة الشكلية[5].

          + رمز (إشارة) لخراب الهيكل، والذي كان من المنتظر أن يحدث من الرومان، بعد سنوات قليلة، ووفقًا لكل ما تنبأ به السيد (مر2:13و14، مت2:24و15، لو6:21و20)[6].

          + علامة واضحة على أن دور الناموس قد وصل إلى نهايته، إذ يكتب الرسول بولس: ” إذًا قد كان الناموس مُؤَدِبُنا إلى المسيح لكى نتبرر بالإيمان ولكن بعدما جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدب” (غلا24:3ـ25)[7].

          + لا كإمتهان للهيكل من السيد، إذ أنه قبل أربعة أيام فقط من الصلب، دخل السيد بنفسه الهيكل وطرد منه الباعة والمشترين الذين أحاطوا به (انظر مر15:11ـ16، مت12:21)، لو45:19). ولكن كإعلان أن النظام القديم والعبادة القديمة بطلت من تلك اللحظة[8].

          + من قبل ساعات قليلة (عن حدث الصلب) مزق رئيس الكهنة قيافا ثيابه، كدليل على توقف رئاسة الكهنوت اليهودية، والآن انشق حجاب الهيكل وكدليل أيضًا على توقف عهد الذبيحة[9].

أ ـ مُصالح الإنسان مع الله، لأن موت المسيح رفع العقوبة بالموت على الإنسان، وإذ توقف نفاذ العقوبة، والتي كانت عقبة. هكذا الحائط المتوسط، الذي فصل بين الله والإنسان، والذي أقامه الإنسان بنفسه، بسبب عصيانه، سقط نهائيًا ” لأن الله كان في المسيح مصالحًا العالم لنفسه” (2كو19:5).

ب ـ الكشف عن الله يهوة، لأنه بينما في “قدس الأقداس” كان يختبئ يهوة الإله العظيم، هكذا بموت المسيح وتمزيق الهيكل، صار الله ظاهرًا للجميع.

+ كان دور حجاب الهيكل هو أن يحجب عظمة الله عن عيون الإنسان الضعيفة (انظر خر37:26، 31:27، 6:30، عد5:4، لا2:16). لكن في ساعة صلب السيد، إنشق الحجاب وظهرت عظمة الله. أى أن موت يسوع على الصليب، أظهر عظمة ومحبة الله.

ويتساءل القديس كيرلس الأسكندرى: ولماذا كان من الضرورى أن تنشق ستارة الهيكل؟ ويجيب: يحدثنا بولس الرسول عن ذلك في الرسالة إلى العبرانيين ” لأن موسى نصب المسكن الأول.. ولايزال قائمًا” (عب2:9ـ8). وكأن الروح القدس يريد من هذا الرمز أن يعلن أن الطريق الذي سيسلكه القديسون لم يظهر بعد، لأن المسيح لم يكن قد خاض المعركة لأجل خلاصنا ولا مات بالجسد، لذلك كان الهيكل لازال موجودًا. ولكن عندما مات المسيح وأسلم الروح عنا.. جاء الوقت الذي كان من الضرورى فيه أن ينشق حجاب الهيكل، لكى يعلن قدس الأقداس، ويجعل الطريق مفتوحًا إلى هذا المكان أمام الذين يؤمنون بالمسيح “.     

ويؤكد القديس كيرلس هذه الإجابة بقوله [ وها نحن نرى أن معرفة الأسرار الإلهية تُعطى لنا بكل وضوح وليس خلف حجاب ].

ويواصل القديس شرحه ويقول: [ لقد انشق حجاب الهيكل من أعلى إلى أسفل، أى تمزق تمامًا وإلاّ ما معنى الكلمات “من أعلى إلى أسفل” ولماذا؟ لأن تمزقه الكامل يعنى أن إعلان الخلاص ليس جزئيًا، وإنما إستنارتنا ومعرفتنا بالأسرار الإلهية أعلنت كاملة ][10].

هذا ويرى القديس كيرلس أن حدث دخول السيد المسيح الهيكل المذكور في (مر15:11ـ17، مت12:21ـ13، لو45:19ـ46، يو13:2ـ17) لم يكن مجرد عملية تطهير للهيكل، يمكن إحتسابها أنها إرجاع المقدسات إلى عملها الصحيح، بل أن السيد دخل الهيكل لكى يهدمه، لأنه بصدد بناء هيكل آخر جديد، أساسه الرسل والأنبياء والمسيح نفسه فيه حجر الزاوية. يقول عمود الدين: [ كان في الهيكل جمع كثير من التجار، بائعى الثيران وتجار الخراف وبائعى الحمام واليمام، وهذه كلها كانت من الذبائح بحسب الطقوس اليهودية الشرعية. لكن قد آن الأوان لإنتهاء الظل، ولكى يلمع الحق، ويظهر الجمال البديع للطريق المسيحى، وأمجاد الحياة النقية، والرائحة العقلية الحلوة التي للعبادة بالروح والحق، ودعوة الناس إلى حياة أفضل من الظلال، وإلى التبرير الحقيقي بالإيمان بالمسيح، ولهذا فإن الحق ـ أى المسيح ـ تصرف بمنتهى الصواب، إذ أمر أن تُحمل تلك الأشياء التي هى للناموس، خارجًا ][11].

والذي يلفت نظر قارئ إنجيل يوحنا (13:2ـ17) هو أن السيد طرد الغنم والبقر جميعًا، والمعنى أنه قد إنقضى عهد الذبائح، لأن ذبيحة الخلاص قد أُعدت. والهيكل بدون الذبائح لا وجود له بحسب الطقس اليهودى: قال المسيح للسامرية ” يا إمرأة صدقينى أنه تأتى ساعة لا في هذا الجبل (جزريم) ولا في أورشليم (الهيكل) تسجدون للآب” (يو21:4). إن طرد الباعة كان يحمل عملاً  رمزيًا، فقد جاء المسيح فصحنا ليُذبح عنا، ولذا كان يجب إبطال الذبيحة الدموية وعدم الحاجة إليها.

من كل ما سبق يتضح لنا:

1 ـ أن الهيكل مرتبط بعلاقة الله بشعبه، وأنه ليس له قيمة في ذاته بدون الساكن فيه.

2 ـ أن هيكل العهد القديم انتهى تمامًا حسب نبوة الرب يسوع عنه (انظر مر1:13ـ2)، وصار الهيكل الجديد هو جسد الرب نفسه (انظر يو18:2ـ22)، هو كنيسته، البناء المبنى على أساس الرسل والأنبياء. والسيد المسيح نفسه هو حجر الزاوية فيه (انظر أف20:2ـ22)، بل وصار المؤمنون به هيكلاً مقدسًا في الرب (انظر 1كو16:3). فكيف بعد كل هذه الحقائق نسمع في هذه الأيام عن إعادة بناء هيكل اليهود في أورشليم، وعلى أنه مرتبط بمجىء المسيح الثانى وبرجوع اليهود إليه، مقتبسين ـ القائلين بذلك الرأى ـ من نبوات الأنبياء: مثال حجى (1:1ـ11) ” فكانت كلمة الرب عن يد حجى النبى قائلاً هل الوقت لكم أنتم أن تسكنوا في بيوتكم المغشاة وهذا البيت خراب. والآن فهكذا قال رب الجنود.. اصعدوا إلى الجبل وآتوا بخشب وابنوا البيت فأرضى عليه وأتمجد قال الرب..“. وأيضًا زكريا (9:8) ” هكذا قال رب الجنود لتتشدد أيديكم أيها السامعون في هذه الأيام هذا الكلام من أفواه الأنبياء الذي كان يوم أُسّس بيت رب الجنود لبناء الهيكل“. ومعطين أوصافًا من رؤيا حزقيال (20:40ـ47). وفي الحقيقة إن نبوات الأنبياء حجى (1:1ـ11) وزكريا (9:8) إنما تتكلم عن إعادة بناء هيكل سليمان، بعد هدمه أيام السبى البابلى، ولا تشير من قريب أو من بعيد إلى إعادة بناء الهيكل الذي حكم المسيح بخرابه إلى الأبد. وحتى حزقيال النبى نفسه فقد أُخذ إلى السبى في 597 ق.م وبدأت نبواته في السنة الخامسة من سبى يهوياكين الملك (2:1).


[1] جبل المُريا هو أيضًا المكان الذي أمر الله إبراهيمم أن يقدم ليه ابنه اسحق محرقة (انظر تك2:12).

[2]  انظر دائرة المعارف الكتابية الجزء الثامن حرف الـ (هـ) ص177.

[3]  سمعان بن كليل، تفسير إنجيل متى، ورقة 316ظ.

[4]  ثيوفيلوس الأسكندرى، من رسالته العيدية الأولى P.G 65, 53-56

[5]  كيرلس الأسكندرى، شرح إنجيل يوحنا P.G. 74,, 672-673

[6]  سمعان بن كليل، تفسير إنجيل متى، ورقة 338ظ.

[7] بولس البوشى، مقالة عن “الصلب”، ص70.

[8] أبو شاكر أو البركات بن كبر، الشفا في كشف ما استتر من لاهوت المسيح واختفى، ص234.

[9] الأنبا أثناسيوس، تفسير إنجيل متى، بنى سويف 1985م، ص260.

[10] P.G 74, 672-673. لقد كانت لدى قادة وشعب اليهود عادة غريبة وهى أنهم كانوا يمزقون ثيابهم إذا سمعوا أحدًا سبّ أو جدّف بكلمة أو رأوا شيئًا ما يغضب واضع الناموس، وكانوا بذلك يظهرون حزنهم ويعبرون عن عدم رضاهم عما حدث. وأيضًا كنوع من تبرئة النفس من المشاركة في الذنب. ولذلك عندما كان مخلّصنا يحاكم أمام قادة اليهود وطلب منه قيافا أن يقول من هو ومن أين جاء، وأجاب بصراحة: ” أنت قلت ومن الآن تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة وآتيًا على سحاب السماء ” (مت63:26ـ64). قفز قيافا من على كرسيه ومزق ثيابه ووقال “لقد جدف” (مت65:26) (انظر أيضًا أع11:14ـ18) وهكذا اتبع هيكل الله العادة اليهودية السائدة وشق الهيكل ثوبه في لحظة موت المسيح المخلّص، وذلك لكى يدين الشر الذي فعله اليهود.

[11] من تفسير إنجيل لوقا ج5، إصدار مركز دراسات الآباء، القاهرة 2001م، ص45، 48.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *