May 2019
S M T W T F S
« Feb    
 1234
567891011
12131415161718
19202122232425
262728293031  

          إن طبيعة الكتاب المقدس كـ ” كلمة مكتوبة ” تُفسر في سياق لاهوت التجسد. ومن المعروف ـ بلا شك ـ أنه كلما صار التقليد الخريستولوجى للكنيسة واضح وثابت، كلما صارت أيضًا مبادئ التفسير الكتابى للآباء واضحة وثابتة.

       إن وجود الكتاب المقدس هو نتيجة أساسية لتجسد الرب. بحسب رأى العلامة أوريجانوس، فإن اللوغوس ـ قبل أن يتجسد ـ كان غير مدرك وغير منظور وغير مكتوب، أما بالتجسد صار بحسب طبيعته البشرية، مُدرك ومنظور ومكتوب[1].

       إن الكتاب المقدس يؤكد على حقيقة وتاريخية التجسد. الكتاب المقدس، مثل شخص يسوع المسيح، له ناسوت ولاهوت، الناسوت: حروف الكتاب والصياغات والبعد التاريخي ، اللاهوت: المعني الروحي . هكذا الصياغة المكتوبة للكتاب تتماثل مع الناسوت البشري واللاهوت يتماثل مع المفهوم الروحى له. وكما أن ناسوت المسيح يؤكد على ألوهيته ويرفعنا إليها، هكذا أيضًا الكتاب. فالصياغة المكتوبة تؤكد على الذهن الروحى وترفعنا إليه. وبالتالى فإن الكتاب ينبغى أن يُفسر وفق هذان الوجهان. وهنا لابد أن ننبه على أن الآباء لم يقبلوا مفهوم ثنائى للكتاب، بل نادوا بعلاقة جوهرية بين المفهومين حيث لا يوجد مفهوم بدون الآخر، مثل إتحاد اللاهوت بالناسوت في شخص المسيح . لذلك فالمفهومين لا يجب أن يصير مزج بينها أو انفصال. وهكذا بالتقليد الخريستولوجى حُددت طبيعة وعمل الكلمة الكتابية تحديدًا صارمًا.

       لذا فإن الكلام عن المسيح سواء قيلت أو كُتبت بواسطته هو نفسه أو كاتبى الأسفار فإنها ذات ” عرض مزدوج “[2]، أو ” اصدار مزدوج “[3]، مرة يخص لاهوته  ومرة يخص ناسوت بشريته. لذا فإنه يجب أن تفسر الأقوال الأولى أى التي تخص اللاهوت بطريقة تليق بالله وتناسبه، أما الثانية فبطريقة بشرية أو بحسب التدبير. لذا يقول كيرلس الأسكندرى في رسالته (39) إلى نسطور موضحًا هذا الأمر: ” … نعترف أن ربنا يسوع المسيح، ابن الله، الوحيد، هو إله كامل وإنسان كامل ذو نفس عاقلة وجسم، وهو مولود من الآب قبل الدهور بحسب لاهوته، وأنه هو نفسه في الأيام الأخيرة، من أجلنا ومن أجل خلاصنا وُلد من مريم العذراء بحسب ناسوته، وهو نفسه من الجوهر نفسه الذي للآب حسب لاهوته، ومن نفس الجوهر الذي لنا بحسب ناسوته. لأنه قد حدث اتحاد بين الطبيعتين. لأجل هذا نعترف بمسيح واحد، ابن واحد، رب واحد. وبحسب هذا المفهوم للاتحاد بدون اختلاط نعترف بأن العذراء القديسة هى والدة الإله، لأن الله الكلمة قد تجسد وتأنس، ومنذ ذات الحمل به وحّد الهيكل الذي أخذه منها، مع ذاته. ونحن نعرف أن اللاهوتيين ينسبون بعض أقوال البشيرين والرسل عن الرب باعتبارهما تشير بصفة عامة إلى شخص واحد، ويقسمون أقوالاً أخرى بأنها تشير إلى طبيعتين، فتلك التي تليق بالله ينسبونها إلى لاهوت المسيح، أما تلك الأقوال المتواضعة فينسبونها إلى ناسوته “[4].

       إن الأساس الخريستولوجى للتفسير الكتابى له  محتوى خريستولوجى، فيسوع المسيح يعتبر هو البداية والمركز والنهاية للتفسير الكتابى، أى هو نفسه ” هدف ” الكتاب. والهدف يتطلب دائمًا حضور المسيح في مسيرة التدبير الإلهى والذي صار قمته في ” التجسد “. فالهدف والتجسد يتطابقان، أى أن غاية الكتاب هو التجسد. بتطبيق ” الهدف ” الذي يرمى دائمًا إلى الفائدة، فإن التفسير الكتابى هو دائمًا جوهرى وحيوى طالما يهدف إلى الحقائق الإلهية الكتابية في الحياة الشخصية للمؤمنين: ” فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أُقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضًا في جدة الحياة ( رو4:6-14.) هذا النوع من التفسير الروحى الذي يربط البحث اللغوى، والتاريخى للحقيقة الكتابية والبُعد الحياتى لها والعمل الليتورجى للكنيسة، هو المساهمة الدائمة والأساسية للتفسير الآبائى. وهكذا فإن التفسير الآبائى يتضمن:

أ ـ العمل الليتورجى للكنيسة الذي يهدف إلى تحقيق الحوادث الخلاصية للتدبير الإلهى ليتورجيًا في حياة المؤمن.على سبيل المثال في ليتورجية المعمودية نموت ونقوم مع المسيح ، ….الخ

ب ـ البحث اللغوى والتاريخى للنص لمعرفة الحقيقة الكتابية.وهذا ما فعله العلامة اوريجينوس والقديس اثناسيوس والقديس كيرلس والقديس يوحنا ذهبي الفم وغيرهم.

ج ـ البُعد السلوكى العملى للتعاليم الكتابية. على سبيل المثال القيم السلوكية التي نجدها في تفسيرات القديس كيرلس ويوحنا ذهبي الفم وغيرهم.

       إذن التماثل بين المسيح والكتاب يخص فقط طبيعة الكتاب، بالتالى المفهوم التاريخى والروحى للكتاب يحددون الطبيعة المزدوجة له، ولا يقصد بها الكلام عن منهجين مختلفين للتفسير. إذ أن موضوع المناهج التفسيرية هو دائمًا مفتوح ويتوقف على البحث اللغوى والاحساس الروحى والوعى الكنسى للمفسر في اختياره للمنهج التفسيرى. هذه الضرورة تتجاوب أيضًا مع شخص وأعمال المسيح. إن الكلمة الكتابية لها ” عنصر بشرى ” وهذه تتماثل مع المفهوم الحرفى والتاريخى. أيضًا لها ماضى والذي نتعرف عليه من خلال النماذج والأمثلة من العهد القديم (المنهج النماذجى ” Tupologikη “. وكذلك لها حاضر والذي يُعرف بالتفسير الأخلاقى (السلوكى) والسرائرى. وأخيرًا لها مستقبل والذي يتماثل مع الرؤية الاسخاتولوجية  اي الأخروية.

       إن تفسير الكتاب بين وجهة النظر الخريستولوجية ـ هو تمامًا قضية وجودية وشركة في حياة المسيح. إن أوريجينوس عندما يفسر حدث التجلى يتحدث عن ” أشكال ” مختلفة للرب، فالشكل البشرى تمامًا يروه أولئك القابعين أسفل الجبل. لكن هؤلاء الذين صعدوا مع المسيح على الجبل تمتعوا بلمعان ملابسه وبهاء وجهه. نفس الأمر يحدث مع تفسير الكتاب. فمَن يمكثون عند الحرف لا يستطيعون اطلاقًا الاقتراب من ألوهية المسيح. بينما مَن يعبرون من برقع الحرف يدخلون إلى جمال المجد الإلهى ويصنعون شركة ـ بالنعمة ـ مع الجمال السرى للكتاب المقدس[5].

       والقديس غريغوريوس النيصى يتبنى التفسير الكتابى كعمل صعودى للمعرفة الإلهية وذلك في عمله التفسيرى عن ” حياة موسى “. هكذا فإن تفسير الكتاب يصير كعمل روحى وصعود سرى نحو الدرجات الروحية الأسمى، لذلك كل مرحلة ” تفسيرية ” تُصعدنا إلى أعلى لمعاينة شكل من الأشكال ” المختلفة ” لحياة الرب.

       إن السياق الداخلى لشخص وعمل يسوع المسيح بالاضافة إلى طبيعة وتفسير الكتاب المقدس يمثل المساهمة الفعالة والحيوية لآباء الكنيسة في مجال التفسير الكتابى. لذا أى سوء تفسير للإيمان الخريستولوجى له نتائج مباشرة في مجال التفسير الكتابى. بالتالى، فقط تحت نور واطار الخريستولوجية الأرثوذكسية يتوافق التفسير الكتابى مع ” هدف ” الكتاب المقدس. إذن التفسير الكتابى مرتبط بالاعلان الإلهى عن الاعتراف بالمسيح كإنسان تام وإله تام في وحدة لا انفصال فيها ولا امتزاج. وهذا يصير عندما نُظِهر وجهى الكتاب، أى الحرفى التاريخى والروحى السرى وذلك بمساعدة المناهج التفسيرية المناسبة. وإذا حدث اختصار لوجه دون الآخر ننتهى إلى تفسير هرطوقى. أي لو زال الوجه الروحي وبقى الوجه التاريخي نحن امام تفسير حرفي ليس له معنى ويقود الى الموت لأن الحرف يقتل، أما لو زال الوجه التاريخي وبقى الوجه الروحي فقط فنحن امام تفسير رمزي وروحي بحت ليس له اي اطار تاريخي يجعله تفسير واقعي حقيقي ونكون نحن امام اوهام وخيالات محلقة في سماء الرمزية الروحية.

الحرف يقود إلى الروح

       إن التماثل بين الكتاب المقدس وشخص المسيح يستلزم المفهوم الخاص وعلاقة وجهى الكتاب المقدس أى الحرف والروح. عندما يتحدث الآباء عن المفهوم بحسب الحرف وفكر الكتاب بحسب الرؤية الروحية فهم يطبقون ـ في تفسيرهم الكتابى ـ مبدأ عام هو نتاج تفسير التجسد، الذي يستلزم علاقة داخلية ارتفاعية للأمور المخلوقة نحو الأمور الذهنية والروحية. هذا المبدأ يمثل التقليد المحدد فعلاً من القرن الرابع. فكل شئ مخلوق لديه ـ بحسب طبيعته ـ ديناميكية وحركة نحو الروحية ونحو تكميله، أى في حاجة دائمة لأن يكتمل[6]. وهذا هو بالضبط عِلة وجود هذه الأشياء. هذه الوحدة الداخلية يقر بها الآباء ويطبقونها في كل المواضيع اللاهوتية. هكذا تحت نور التجسد يأخذون كل أمر تاريخى ومادى على أنه ظل أو صورة أو اشارة مسبقة للروحى والذهنى. بهذا المفهوم يُفسرون تكوين وليتورجية العالم المنظور، والإنسان في تكوينه (جسد وروح)، والمعرفة البشرية التاريخية وأيضًا الكلمة البشرية للعهد القديم (في علاقتها بالجديد) وأيضًا بالأكثر الكنيسة نفسها (في علاقتها بالملكوت). إذن من الواضح أن الآباء تحت نور التجسد افتتحوا أنطولوجية جديدة ” nεa ontoloγι…a ” وتعرفوا على مبدأ تفسيرى جديد فيما يخص بنية وليتورجية المخلوقات. لذلك فإن آباء كنيستنا لم يعرفوا تلك النظرة الغربية التي تبنت التضاد الجذرى بين العالم المحسوس والعالم الذهنى، بين الكنيسة والعالم، بين الإيمان والمعرفة، بين النظرية والعمل، بين الذات والموضوع .. الخ. إن لم نقبل هذا الفهم الحقيقى للتجسد ونتائجه هذه، لا نستطيع أن نفهم الأساسيات التي يتكون منها اللاهوت الآبائى ولا تفسيرهم الكتابى. فالمشكلة تكمن في الفصل بين الاثنين أى الوجه الحرفى عن الوجه الروحى عندئذِ يتحقق ما قالِه بولس: ” الحرف يقتل ” (2كو6:3).


[1]  أوريجانوس، ضد كيلسو VI: 77

[2]  كيرلس الأسكندرى: تفسير إنجيل يوحنا، اصحاح 11P.G.74,524D

[3]  ذهبى الفم: شرح مزمور P.g.55,209 MST

[4]  رسائل القديس كيرلس إلى نسطور ويوحنا الأنطاكى، اصدار مركز دراسات الآباء، ترجمها عن اليونانية الدكتور موريس تاوضروس، والدكتور نصحى عبد الشهيد، يوليو 1988، ص 43ـ44.

[5]  فيلوكاليا 19:15

[6]  أنظر غريغوريوس النيصى P.G. 45,25BC

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *