December 2018
S M T W T F S
« Nov    
 1
2345678
9101112131415
16171819202122
23242526272829
3031  

       يهدف الغنوسيون، سواء بالتفسير الرمزي المتطرف للعهد القديم أو برفضهم الجذري له، إظهار الإعلان الجديد المُطلق لإنجيل المسيح أمام نقصان وعدم جدوى إعلان العهد القديم. هذا التحدي جعل الكنيسة تشرح بكل وضوح العلاقة القوية بين العهدين وتؤكد على أن العهد القديم بالنسبة لها هو نص مقدس. الاعتراف بالسياق المترابط للعهد القديم والجديد هو المبدأ العام والأساسي للكُتّاب الكنسيين للقرن الثاني الميلادي.

لكن لا يوجد لأجل هذا الهدف منهج تفسيري محدد. هكذا على سبيل المثال كاتب رسالة برنابا اتجه بتفسيره الرمزي لأن يستخرج مفاهيم وتأملات من العناصر التاريخية والتعبدية للعهد القديم، بينما القديس يوستينوس، من الجانب الآخر قلّل ـ إلى درجة ما بتعليمه عن الأمور التي تُظهر المسيح ـ من أهمية العنصر التاريخي للعهد القديم. الربط بين العهدين قد تحقق باستخدام التفسير النماذجي[1] (Tupologik») الذي يقود إلى التشديد على تفوق الإنجيل بالمقارنة بالتعليم الناموسي للعهد القديم. الشخصيات الكتابية المعروفة مثل البطاركة (ابرآم، اسحق، يعقوب)، نوح، موسى، راحاب الزانية، يونان، … الخ. هي نماذج وأمثلة لحياة وشخصية المسيح. في الواقع، لم تنشغل الكنيسة في القرن الثاني بموضوع المنهج التفسيري. لذلك لم تميز الكنيسة تمييزًا صارمًا بين التفسير النماذجي والرمزي، وطبقت بلا تمييز المبدأين (النماذجي والرمزي) للتعليم التفسيري. ولكي تُشكِّل الكنيسة موقفها تجاه العهد القديم أسرعت إلى تعليمها الخريستولوجي أي عن المسيح. هكذا الإيمان الكنسي فيما يخص شخص المسيح وعمله يمثل المبدأ الثابت للتفسير الكتابي.

          لقد قدم الآباء المدافعون العظام ايرينيؤس وترتليانوس عمل التفسير الكتابي في النصف الأخير من القرن الثاني. لقد كوّنا ـ وهما يحاربان النُظم الغنوسية ـ تعاليم كنسية مجمعة. النزاع قد رُكز في معايير وطريقة التفسير الكتابي، حيث لم يطور الغنوسيون فقط مبادئهم التفسيرية ولكن شكلوا قانونهم الخاص بالعهد الجديد (تحديد عدد الكتب القانونية للعهد الجديد). بالتأكيد لم تظهر أعمال تفسيرية خاصة والتفسير الكتابي كان يخدم حاجتهم للدفاع وتثبيت التعليم الكنسي. حتى أن الكُتّاب الكنسيين ـ في هذه الفترة ـ وهم منشغلون بالتشديد على المعايير القانونية والمُلزمة للإيمان المسيحي، نجحوا في صياغة آراء أساسية فيما يخص المسألة التفسيرية. أصالة الحقيقة الكنسية والتقليد في التقائهما بالتعاقب الرسولي هي السمة التي كانت تميز التفسير الكتابي في هذه الفترة.

القديس إيرينيوس:

+ يُعتبر ق.ايرينيوس أول لاهوتي كتابي مسيحي شدّد ـ على أساس ثابت ـ على وحدة الإعلان الكتابي وربطه بحياة الكنيسة التاريخية. في هذه المسألة إستمر بفاعلية على خط ق. يوستينوس. كما هو معروف لقد ركز ق.ايرينيوس في عمله “ضد الهرطقات” إهتمامه على محاربة الهرطقات الغنوسية (خاصة فالنتينوس وتلاميذه) وسوء التفسير الغنوسي للكتب المقدسة. لأجل هذا الهدف يدعو المصداقية والأصالة بأنها ” قانون الإيمان”، الذي استلمته الكنيسة من الرب بواسطة الرسل بضمان التعاقب الرسولي. التعليم اللاهوتي للقديس إيرينيوس هو نتيجة الرد على التمييز الغنوسي بين إله الخلق القديم وإله يسوع المسيح، هذا التمييز الذي يؤدي إلى رفض الاستمرارية التاريخية للتدبير الإلهي. من المفهوم أنه لكي يواجه القديس ايرينيوس الهرطقة الغنوسية كان يجب أن يكرز بلاهوت كتابي للإعلان الإلهي الذي يُظهر وحدة الله الثالوث واستمرارية الأعمال التاريخية في العهدين القديم والجديد. هذا التعليم الكتابي للإعلان الإلهي يُوجد في أساس تفسير ق. ايرينيوس الكتابي ويحدد حتميًا موضوعاته الأساسية.

          هذا التعليم الكتابي للإعلان الإلهي يستلزم الموقف الأساسي بأن الإيمان يخص الحوادث الحقيقية. بالتالي الكلمات والأسماء، بمعنى العنصر الخاص بالتعبير عن الإيمان، يجب أن يكون له علاقة بالأمور التاريخية. عمل المفسر يتآلف حتميًا في حفظ الأمور “وفق الطبيعة”، على عكس “بخلاف الطبيعة”، بمعنى أن ترد الأقوال إلى ترتيبها الحقيقي والطبيعي وتكيفها في جسد الإيمان (ضد الهرطقات I 9,4). هذا الرأي يذكرنا بالفكر الفلسفي الأفلاطوني للأسماء والحقائق، والذي سوف نجده بعد ذلك في شروحات آباء الأسكندرية والآباء الكبادوك.

          هذا “التوافق” بين الاسم والحقيقة أو التعبير اللغوي وحقائق الإيمان يظهر في الكتاب “بنظام” و”ترتيب” و”سياق” ثابت معين (ضد الهرطقات I 8,1)، بتتابع واضح وهوّية محددة: الكلمة بالتالي تتجاوب بالضبط مع الترتيب و”الرتم” و”المبدأ التربوي” الذي يُستنتج من الحوادث التاريخية الواردة في الكتاب المقدس (ضد الهرطقات IV 38,3). إن تنوع أشكال ونماذج التعبير في الكتاب المقدس سواء للأمور التاريخية الصارمة أو للأمثلة والرموز هو برهان لتوافقهم وشهادتهم الواحدة (ضد الهرطقاتII 27,7). هذا التوافق بين الأسفار المقدسة هو المبدأ التفسيري للكتاب المقدس، الذي لا يتغير (II 28,3). والجدير بالذكر أن الهراطقة يقتطعون آيات الكتاب من سياقها ويضعونها في سياق آخر وفق آرائهم الشخصية لتدعيم تعالميهم الهرطوقية.

          لكن ما هى طبيعة وملمح الكتاب المقدس بحسب القديس إيرينيؤس؟

          لقد قَبِلَ القديس إيرينوس وحى الكتاب، فكل الكتب هى “روحية” (ضد الهرطقات II 28,3) بمعنى بإلهام الروح القدس. وحى الكتاب يجعل شهادته (تجاه الغنوسيين) كاملة وتامة. بالتالى في الكتاب لا يوجد زيف أو خداع بل يوجد فقط الحق الكامل. وهذا يعنى أن الكتب المقدسة هى قانون الحق المعصوم من الخطأ، بينما مفهومهم ومحتواهم هو “معلن وواضح” (ضد الهرطقات V 13,2, Iv 31,1). لذا مَن يحذف أو يضيف في الكتب المقدسة يخضع بالتأكيد لأقصى تأديب ( ضد الهرطقات V30,1). بهذا المبدأ أوضح ق. ايرينيوس أنه لا يوجد شيئًا في الكتب المقدسة بدون معنى ومفهوم عميق (ضد الهرطقات V 35,3). هذه الصياغة الهامة تشير كما عند أوريجينوس فيما بعد إلى أن وحي الكتاب المقدس يعلن بالأحرى محبة الله للبشر والتي هي واضحة ومعروفة في كل حوادث العهد القديم التاريخية، ولم يحدث شئ بالصدفة في المسيرة التاريخية لم تعلنه الإرادة الإلهية.

          على الجانب الآخر، الكتاب يتحدث في حالات كثيرة بالتلميحات والإيماءات ويحتوى نصوصه على “تساؤلات” كثيرة (ضد الهرطقاتI 3,6). وهذا يرجع إلى أن الله الفاعل الأساسي في الكتب المقدسة، لا يمكن إطلاقًا أن يُعرف ويُوصف (ضد الهرطقاتII 28,3). أيضًا، حقائق عقائدية كثيرة، مثل ولادة الابن من الآب، والدينونة وقيامة الأموات، طريقة خلق المادة… الخ، تتجاوز الفهم البشري (ضد الهرطقاتII 28,6). أيضًا، نبوات كثيرة للعهد القديم بخصوص يسوع المسيح قد صيغت في نماذج رمزية ولُغزية (غامضة) (ضد الهرطقاتII 12,1). بحسب تعليم القديس إيرينيوس يخضع للمباديء، فإن الله ظهر بتلك العناصر التي يستطيع البشر أن يقبلوها بمقاييسهم المحدودة (ضد الهرطقاتIv 38,1). طبيعة الكتب ـ إذن هي متوافقة مع سر الله الواحد والثالوث. التفسير الكتابي يجب أن يخضع للمباديء اللاهوتية للمعرفة الإلهية. فالمفسر لا يجب أن يتخطى الحدود التي يضعها الله نفسه لمعرفة أسراره. على العكس، يجب أن يفتش المفسر في الكتب المقدسة علي كل ما هو ضروري لخلاصه وليس ما يحرك فضوله.

          الفكر التقليدي للقديس إيرينيوس بالنسبة للوحي الإلهي للكتب المقدسة انضم إلى تعليمه اللاهوتي من جهة تاريخية  الإعلان الإلهي ووحدة العهدين. لقد قَبِل بأن كل تاريخ العهد القديم هو موحى به من الله، (ضد الهرطقات HI 21,1). إن وحي الكتب المقدسة بالتالي يخص بالحرى اتفاق الحوادث الحقيقية مع الشكل اللغوي. الإيمان والتوافق مع كتابة حوادث التدبير الإلهي في الكتب المقدسة هو ما فعله الكُتّاب الكنسيين. هكذا كتاب العهد القديم يشهد ويؤكد الإعلان التاريخي لله وبهذا المفهوم يرتبط ارتباطًا لا ينفصل بالتدبير الإلهي. بالتالي تاريخ العهد القديم هو مجال حضور وإعلان الله الواحد والثالوث. وعلى ذلك فإن كتاب العهد القديم له نفس القيمة والأصالة مع العهد الجديد، لأنه يأتي من نفس الآب الواحد (ضد الهرطقات IV 20, 1, 21, 1) هذا التشديد كان ضروريًا ومهمًا بالتأكيد تجاه الغنوسيين الذين اعتبروا العهد القديم مزيف، وبالتالي ـ بحسب رأيهم ـ ليس له مصداقية. الأهمية الخاصة عند هؤلاء الهراطقة كانت للتقليد الحي والشفاهي (وخصوصًا للتقليد المنحول) الذي كان بالنسبة لهم المعيار النهائي للتفسير الكتابي (ضد الهرطقاتIII 2,1). لكن يجب هنا أن نلاحظ، أن القديس إيرينيوس، بينما يتحدث دائمًا عن وحي كُتب العهد القديم (أيضًا الترجمة السبعينية، ضد الهرطقات III 24,1)، لكن لم يقدم شهادات واضحة بخصوص وحي كُتب العهد الجديد، لأنه كان يجب أن يُحصن وحي العهد القديم تجاه العناصر السلبية للغنوسيين، بينما لا توجد مشكلة بالنسبة لكتب العهد الجديد. بالتأكيد كان يعرف جيدًا الإنجيل ” ذو الشكل الرباعي” الذي هو الأعمدة الأربعة (متى، مرقس، لوقا، يوحنا) الذي ينبع منه الحياة والخلود (ضد الهرطقات III 11,8) أيضًا رسائل بولس الرسول (ضد الهرطقات III 7,2) لقد قَبِل قانون العهد الجديد وأيضًا الوحي الإلهي من التقليد الكنسي كقضية لا خلاف عليها.

          عند القديس إيرينيوس، الحق وأصالة الكتاب يصيران مؤكدين على أساس التدبير التاريخي للثالوث القدوس. الكتب المقدسة تخص الله الثالوث القدوس، الآب( ضد االهرطقاتIV 20,1)، والكلمة المتجسد والروح القدس (ضد الهرطقاتIII25,1). بالتالي الإعلان الإلهي له ملمح ثالوثي (IV 6,3 ex.7 بالإشارة إلى مت27:11). الله الآب هو مصدر الإعلان، يرسل الأنبياء، ويسوع المسيح، والرسل. الكلمة يظهر في مختارى العهد القديم، يتحدث إلى  كاتبي أسفاره. الظهورات الإلهية في العهد القديم، مثل عند  القديس يوستينوس هكذا القديس إيرينيوس، هي ظهورات مسيحية. إذن يربط بشدة نص العهد القديم بيسوع المسيح، إذ يعتبر أن العهد القديم له نفس المصداقية والأصالة لأقوال الرب في الأناجيل (ضد الهرطقاتIV 3,1). بهذا المفهوم فالكتاب المقدس هو كتاب الرب (ضد الهرطقاتII 54,2. V 20,2 k.a.)، يرجع إلى الرب ويشهد لأعمال الرب. أيضًا الروح القدس يشهد ويعلن في كل مراحل التاريخ معرفة الحق و”تدبيرات” الآب والابن (ضد الهرطقات IV 53,1, III 15,1) بواسطة الأنبياء والرسل والكنيسة. هنا التشديد الثالوثي. وهذه الحقيقة هي مهمة جدًا لتطور أو نمو التفسير الكنسي فيما بعد، من حيث إن الإيمان الثالوثي يمثل ليس فقط تجميعة من تجميعات الإيمان الكنسي، ولكن “هدف” و”غاية” التفسير الكتابي.

          هكذا يرسم القديس إيرينيوس مسبقًا مسيرة التقليد التفسيري للكنيسة.

+ من جهة طبيعة وقيمة العهد القديم فإن القديس إيرينيوس قَبِلَ بأنه: عندما يُفهم الكتاب فهمًا صحيحًا فهو يتنبأ كله عن يسوع المسيح (ضد الهرطقاتIV 26,1). يستند القديس إيرينيوس على أن المسيح هو “الكنز المُخفي” في العهد القديم (ضد الهرطقات IV 40,1) لذا فإن محتوى العهد القديم يُفهم بواسطة الأمثال والنماذج (ضد الهرطقاتIV 26,1). ظهر المسيح بأشكال مختلفة في أشخاص العهد القديم المختارين وأعلن في هذه الأشكال تدبير تجسده (راجع ضد الهرطقات IV 34,11). لكن النماذج والإعلانات والنبوات عن المسيح في العهد القديم لم تكن من الممكن أن تُفهم بدون تحقيق هذه الأمور الإعلانية والنبوية، والتي هي “حضور الرب” (التجسد التاريخي) وانجماع كل شئ في المسيح. بهذا المصطلح “انجماع” (anakefala…wsh) فإن نبوات العهد القديم هي ظلال حتى تتحقق فقط في حضور الرب.

          لا يوجد، في الحقيقة، الفهم التام للعهد القديم حتى مجيء الرب (التجسد) لذلك فاليهود الذين يدرسون الناموس بدون “انتقاله” و”تحقيقه” في الواقع هم يهذون أي يقولون أساطير (ضد الهرطقاتIV 26,1). لكن التفتيش على النماذج والأمثلة لـ “حضور” المسيح في العهد القديم لا يصير بطريقة عشوائية، إلاّ فقط على أساس التوافق التاريخي الحقيقي والعلاقة التدبيرية بين عمل المسيح وحوادث وأشخاص العهد القديم. هكذا الأنبياء (كل العهد القديم) تنبأوا وكرزوا بواسطة الكلمة وشهدوا نماذجيًا بواسطة الأعمال (ضد الهرطقاتIV 20,8)  لحضور يسوع المسيح وعمله (ضد الهرطقاتV 2,1). أيضًا الرسل استمروا بالكرازة عن حضور المسيح في الأجيال اللاحقة. بالتالي، إيمان الأنبياء ورجال العهد القديم المختارين هو نفسه إيمان الرسل والمؤمنين (ضد الهرطقات IV 36,8 and 58,6) المسيح هو غاية الوعود النبوية ومحتوى الإنجيل الرسولي، الذي تكرز به الكنيسة وتسلمه. بالتالي يوجد نظام معين في التدبير الإلهي: الأنبياء، والمسيح (كمركز) ثم بعد ذلك الرسل.

          هذا النظام “التدبيري” يستلزم الوحدة التاريخية الدائمة والتي لا تنفصل بين العهد القديم والجديد والكنيسة. الحركة التصاعدية نحو التحقيق تحدد المسيرة التاريخية الجامعة (الشاملة). يصف القديس إيرينيوس العلاقة بين العهدين بمصطلح “sumfwn…a” أي الاتفاق والتوافق (cosomare)، فالكتب المقدسة موجودة في انسجام وتوافق تام فيما بينهم ويجب، لأجل هذا السبب، أن يُفسَّر الواحد على أساس الآخر، لذا يؤكد ق. إيرينيوس ذلك قائلاً: [ يستحيل شرح الكتب المقدسة إلاّ من خلال الكتب المقدسة ذاتها ] وفي رأي القديس إيرينيوس، إذا بدت لنا بعض أجزاء من الكتاب غير مفهومة نستطيع أن نفهمها عن طريق ما هو واضح في الكتاب القدس وليس بواسطة أي منطق خارجي (أنظر ضد الهرطقات27:2ـ28).

          إن الفهم الخريستولوجي للكتاب المقدس يستلزم أن نبحث دائمًا خلف الحوادث، والروابط وروايات العهد القديم عن الفكر العميق: “الحق” (ضد الهرطقات I 10,3). إن مجموع الأقوال والنبوات والأمثلة والنماذج لكُتّاب العهد القديم تمثل نوعًا من الاستعداد الوعظي ومقدمة للإعلان الإلهي التام والكامل للعهد الجديد (ضد الهرطقات IV 37,2) باتفاق مطلق مع ق. يوستينوس وق. أمبروسيوس يفهم القديس إيرينيوس “نماذج” العهد القديم كإنباء وإعلان للحوادث العتيدة في المسيح بواسطة الأقوال والأعمال النبوية. البُعد النبوي هو بالتالي القوة الداخلية للتاريخ، الذي يبدأ بالعهد القديم، ويتحقق، وينجمع بالمسيح ويُتمم داخل حياة الكنيسة. التعرف على المفهوم العميق والواضح للنماذج هذه يصير بفعل الروح القدس، وبالتالي هو عمل روحي أو “بحسب النعمة” (ضد الهرطقاتII 28,3). إن من الواضح عند القديس إيرينيوس، وفق تعليمه، أن التفسير الذي مركزه المسيح يُظهِر كل الحوادث التاريخية والأشخاص تشريعات ووصايا العهد القديم كأمثلة تجد تحقيقها في المسيح (راجع ضد الهرطقات II 25, 2, II 186). هذه الطريقة لا تقلل من قيمة العهد القديم، على العكس تحدد إعلانه كمرحلة تربوية في مسيرة التدبير الإلهي الذي اكتمل تصاعديًا و”انجمع″ أخيرًا بيسوع المسيح. هكذا ناموس المسيح كان يقودنا تجاه المسيح.

          الفهم الخريستولوجي وفي نفس الوقت التاريخي للعهد القديم سمح للقديس إيرينيوس بحرية استخدام المناهج التفسيرية. فضّل القديس إيرينيوس الفهم التاريخي والحرفي بالأخص عندما يتناول المقاطع “اللاهوتية” التي تخص هوّية إله العهدين، وشخص يسوع المسيح، وتاريخية القيامة، وقيامة الأموات..الخ.

          أيضًا يحارب ق. إيرينيوس التفسير الرمزي للغنوسيين لأنه يقود إلى خيالات وضلالات وبالتالي إلى رفض تاريخية التدبير الإلهي. الكلام هنا عن رفض القديس إيرينيوس للفكر “الرمزي” للرواقيين، الذي يرفض التاريخ.

          لكن نجد عند القديس إيرينيوس أنواع متنوعة من التفسير الروحي أو الرمزي (على سبيل المثال الرمزية الخاصة بالمصطلح ورمزية الأرقام.. الخ) لكن هذا التفسير هو مختلف عن سوء الاستخدام الغنوسي. إن الرمزية عند القديس إيرينيوس أساسها التجاوب مع التفسير النماذجي والتاريخي: راجع على سبيل المثال (ضد الهرطقات IV 20, 11)، حيث زواج موسى بالمرأة الكوشية هو رمز لكنيسة الأمم. عمومًا فإن التفسير الرمزي أو الروحي عند القديس إيرينيوس يصير على أساس قانون الإيمان، لكي ينسجم ويتفق مع “الحق” ويوضح تدبير الله للجنس البشري (ضد الهرطقات I 10,3). الأولوية دائمًا للبُعد التاريخي، طالما أن شهادة الكتاب هي تأكيد واضح وغير مشكوك فيه للحوادث والحقائق التاريخية.

          + المساهمة الأساسية للقديس إيرينيوس في تشكيل التفسير الكنسي تتمثل في تشديده على أن الكنيسة وفق وعيها اللاهوتي والتاريخي هي الأساس والمبدأ الوحيد للتفسير الصحيح للكتاب. ولأن الكتب المقدسة هي حقيقية وكاملة، بالتالي فهي لا تقبل تكميل أو تصحيح (راجع ضد الهرطقات III 1,1 ex)، لذلك بالضبط تُفرض أسس معينة مُلزمة تضمن طبيعة وعمل هذه الكتب. لذا يفرض القديس إيرينيوس ” قانون الإيمان ” أو ” قانون الحق ” (راجع ضد الهرطقات I 8,1. 9,4. 22,1. III 4,2). ” قانون الإيمان ” يقصد به الكتاب المقدس (العهدين القديم والجديد)، وتقليد الكنيسة الحي والتعاقب الرسولي. الكلام هنا عن الإيمان الكنسي، الإعلان الإلهي في ملئه. أي الإيمان المسيحي الذي يُعاش في الكنيسة وفي حياتها الليتورجية. “توافق” كل هذه العناصر يكوّن الفكر اللاهوتي للقديس ايريناوس.

          نتيجة لذلك فإن “قانون الحق” بهذا المفهوم يكتسب أهمية كبيرة لتشكيل وصياغة مبادئ وأسس التفسير الكتابي.

          الفهم اللاهوتي لقانون الحق وعلاقته بالتفسير الكتابي قد نما بواسطة القديس إيرينيوس في (ضد الهرطقات III 1,1) حيث الكرازة الرسولية التي سُلمت بواسطة الصوت الحي من جيل إلى جيل وحُفظت بالتعاقب الرسولي، هي محصلة الإعلان الكتابي والذي محوره حضور المسيح. هذا الإعلان الإلهي هو واقع حقيقي تعيشه وتعترف به الكنيسة في قانون الإيمان واعترافات الإيمان الخاصة بالمعموديات. “كرازة الحق” هذه هي طريق الحياة والأمور التي كرز بها الأنبياء والكنيسة الجامعة تسلمها لأبنائها (شرح الكرازة الرسولية: 98).

          إذن ” قانون الحق ” كمبدأ تفسيري للكتاب المقدس هو محصلة الإيمان المسيحي كما كرز به الأنبياء وتممه المسيح وتسلمه الرسل وأخذته الكنيسة (بواسطة التعاقب الرسولي)، تعيشه الكنيسة في حياتها الليتورجية وتنقلهما بأمانة إلى أبنائها. بالتأكيد، كان في ذهن القديس إيرينيوس قانون الإيمان الذي جمّع تقليد الكنيسة الحي والصادق. الإطار التفسيري العام ومجال التفسير الكتابي هو بالتالي حياة الكنيسة التاريخية، بإيمانها النبوي والرسولي، وبقانون الكتاب.

          الأهمية الخاصة عند القديس إيرينيوس هي لحياة الكنيسة الليتورجية وأيضًا المعمودية والإفخارستيا. المعمودية هو العمل الليتورجي الذي بواسطته يحي كل مؤمن قانون الحقيقة، طالما أُعلن له قانون الإيمان (راجع شرح الكرازة الرسولية:6 وأيضًا ضد الهرطقات I 9,2). بينما الإفخارستيا تؤكد وتحقق الإيمان والحياة الكنسية: فإيماننا يوافق الإفخارستيا والإفخارستيا توافق إيماننا (ضد الهراطقة IV 18,5). الحياة الليتورجية وإيمان الكنيسة هما، عند القديس إيرينيوس، المجال الحي حيث التفسير الكتابي يُطبق والحوادث الكتابية تصير حية. “قانون الحق” مرتبط ارتباطًا دائمًا مع ليتورجية الكنيسة وبالطبع عنصر لا ينفصل عنها.

+ ما هي أهمية الكنيسة لكل ما يخص التفسير الكتابي؟

          هي هدف انجماع التدبير الإلهي في المسيح، هذه الأهمية توجد في استمرارية تاريخية العهد القديم والمسيح. كرازتها متوافقة توافقًا مطلقًا بشهادة الأنبياء، والرسل، وكل المؤمنين (ضد الهرطقاتIII 24,1). بالتعاقب الرسولي المستمر تمتلك الكنيسة الكرازة الأولي للحقيقة التي تتجدد بالروح وبالتأكيد تجدد الكنيسة نفسها. الحضور المواهبي وفعل الروح يجعل الكنيسة مكان النعمة والحق (ضد الهرطقات III 24,1). فقط حيث توجد وتعمل مواهب “الرب” هناك تُحفظ الحقيقة والإيمان المخلص والكتاب يُفسر بلا خطر الوقوع في هرطقة (ضد الهرطقات IV 26,5). هذا العمل يتممونه بالضبط المواهبيون في الكنيسة. عمل الروح يُعلن في كل من إيمان الكرازة الرسولية المستمرة وتنوع مواهب الروح. الكنيسة مكان له تفعيل هذه المواهب، فهي تعلم الحق، والروح نفسه هو الحق. الكنيسة تحفظ الإيمان وتنمي محبة ابن الله وتشرح بأمان الكتب المقدسة (ضد الهرطقات IV 26,5). بهذه الأصالة الداخلية تمارس الكنيسة موهبة التفسير الآمنة (ضد الهرطقات IV 26,2). بهذا المفهوم فهي نفسها عمود الحق وقاعدته (ضد الهرطقات V 20,2). بالتالي التفسير الكتابي يصير دائمًا وفق روح التقليد الرسولي للكنيسة. فهي تحفظ التقليد بالتعاقب الرسولي المستمر وتفسره بأسرارها. التقليد الذي يمثله القديس إيرينيوس، هو “برهان أو شرح” الإيمان الرسولي[2] بواسطة الكتاب المقدس والذي سُلم بواسطة الرسل وخلافائهم الأساقفة. التعاقب الرسولي ليس هو مجرد مبدأ خارجي، دفاعي، إرشادي، لكن تأكيد شخصي للهوّية الرسولية للحق الذي صار بواسطة الأشخاص المواهبيين (ايرينيوس نفسه كان تلميذ بوليكاربوس الذي كان تلميذ يوحنا الإنجيلي:

 (تاريخ الكنيسة Ιστ. V 20,4. ضد الهرطقات III 3,4. IV 27,1)

          بالتالي التقليد والتعاقب الرسولي هما يخصان إيمان الآباء الإيمان الذي هو دائمًا حيّ في الكنيسة. هذا التقليد والإيمان المُعاش هو تاريخ فهم الكتاب ويمثل المبدأ الجوهري للتفسير الكتابي.

          تفسير الكتاب يُمارس بالتالي كموهبة الروح الذي بحلوله في الكنيسة يوم الخمسين منح لها، بواسطة الرسل والتعليم (ضد الهرطقاتIII 25,1). موهبة التفسير الكتابي يمكن فقط أن يمارسه، مَنْ أخذ الروح ذاته بالمعمودية، الروح الذي تمم النبوات والرسل (ضد الهرطقات Π. Χ. ΙV 42,1. 50,1. 55,6). بالتالي يحتاج المُفسر إلي الإستنارة الروحية التي هي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بإيمان الكنيسة الحيّ، المسلم مرة للقديسين (ضد الهرطقات I 19,4).

 خاتمة :

          إن التعاليم اللاهوتية التي تبناها القديس إيرينيوس هي متجذرة في الكتاب المقدس والتقليد الرسولي. إن كلمة كتاب Scriptura تُذكر مرارًا في كتاباته، وهي مصطلح لاهوتي يعني مجموعة الكتب المقدسة[3]. يستشهد القديس إيرينيوس دائمًا بالكتاب المقدس لمحاربة الغنوسيين، لأن الغنوسيون قد استندوا على الكتاب المقدس لكي يبرروا أفكارهم الهرطوقية. لقد عرف القديس إيرينيوس جيدًا أسفار العهد الجديد ويسميها ” أناجيل والكتابات الرسولية ” (ضد الهرطقات A’ ,3,6 )، أو ” أقوال الله” (ضد الهرطقات A’ 8,1). وعادة يستخدم مصطلح ” إنجيل ” للإعلان عن الكرازة الرسولية، فمعظم نصوص القديس إيرينيوس هي مأخوذة من الأناجيل. لكن كما سبق أن أكدنا فإن التفسير المستقيم للكتاب المقدس يُوجد فقط في التقليد الكنسي (ضد الهرطقات D’ 33,8). لقد قاوم القديس إيرينيوس إمكانية وجود الكنيسة بدون الكتاب والتقليد معًا، ويتساءل ألاّ ينبغي أن نتبع ترتيب التقليد الذي سلمه الرسل للأمناء على الكنيسة؟ (راجع ضد الهرطقات 3,4). لذلك يؤكد القديس إيرينيوس على أن الغنوسيين قد اعتمدوا على مبادئ غير كتابية وهم يفسرون الكتاب: [ إن تعليم الهراطقة لم يسبق أن كرز به الأنبياء ولا علّم به السيد المسيح ولا سلمه الرسل. فهم يحاولون أن يخضعوا أمثال السيد المسيح، ونبوات الأنبياء وكلمات الرسل لأفكارهم الخاصة. وهم يتجاهلون وحدة الكتاب المقدس بعضه ببعض، ويفككون أجزاء الحقيقة] (ضد الهرطقات 1:8:1).

          وقد أورد القديس إيرينيوس تشبيهًا رائعًا في كشف سوء استعمال الغنوسيين للكتاب المقدس حين قال: [ صنع فنان موهوب صورة جميلة لأحد الملوك من الجواهر الثمينة، لكن شخص آخر فك هذه الحجارة وأعاد ترتيبها بأسلوب آخر ليقدم صورة كلب أو ثعلب. ثم زعم أن هذه الصورة هي الصورة الأصلية التي صنعها الفنان الأول، ويعلّل قائلاً: إن الحجارة أصلية. والحق أن التصميم الأصلي قد تهدم و”ضاع النموذج الأصلي”. هكذا بالضبط ما يفعله الهراطقة بالكتاب المقدس. فهم يتجاهلون ويمزقون “الترابط والترتيب” الموجودين في الكتاب المقدس و”يقطعون أوصال الحقيقة”. إن كلماتهم وتعبيراتهم وأمثالهم أصلية، لكن قياسهم (أو تصميمهم) مزاجي وخاطئ ][4].

          لقد أراد القديس ايريناوس التشديد على أن الكتاب المقدس له نموذج وبنية داخلية متآلفة، لكن الهراطقة يرفضون هذا النموذج وتلك البنية الداخلية المتآلفة ويفرضون نموذج وبنية خاصة، فهم يرتبون الشواهد الكتابية على أسس غريبة عن الكتاب المقدس نفسه. والحل لدي القديس إيرينيوس هو أن نحفظ بقوة ” قانون الحقيقة ” الذي تسلمناه في المعمودية حتى لا نجد صعوبة في فهم نص الكتاب فهمًا صحيحًا. ونشاهد الصورة الحقيقية الملائمة للسياق الصحيح والبنية الأصلية للكتاب.

إذن قانون الإيمان يرشدنا أثناء قراءة الكتاب المقدس، و”قانون الحقيقة” عند القديس إيرينيوس هو شهادة الرسل وكرازتهم وبشارتهم والتي “أودعت” في الكنيسة وحُفظت بصدق وسُلمت بإجماع عام في كل الأمكنة عبر تعاقب الرعاة [ الذين تسلموا موهبة الحقيقة الثابتة إلى جانب التعاقب الرسولي] (ضد الهرطقات 2:29:4).

          إذن ” قانون الحق ” أو ” قانون الإيمان ” كما يقصد بذلك القديس إيرينيوس قدم للكنيسة أسس جديدة ومبادئ لممارسة التفسير الكتابي. ونستطيع أن نستنتج من الفهم اللاهوتي لهذا القانون ـ كما رأينا ـ أربع أسس تفسيرية:

1 ـ الإيمان بالله الواحد والثالوث، كهدف التفسير الكتابي.

2 ـ التجسد الذي أنار “الشرح الدقيق” لكل الكتب المقدسة.

3 ـ الكنيسة بعطية الروح والتعاقب الرسولي تحفظ الكرازة الرسولية وتُسلم هذه الكرازة بلا تحريف إلى الأجيال اللاحقة. بهذا المفهوم فإن الكنيسة هي المكان والأساس للتفسير الكتابي.

4 ـ الأهمية العظيمة للأسرار مثل المعمودية والإفخارستيا والتي بهما يصير ” قانون الحقيقة ” مؤكدًا على المستوى الشخصي. وفاعلية هذا التأكيد يتعلق باعتراف قانون الإيمان.

          هذه المبادئ الأربعة لعبت دورًا مؤثرًا على التقليد التفسيري للآباء الذين أتوا بعد القديس إيرينيوس: ترتليانوس، هيبوليتس، باسيليوس الكبير، إبيفانيوس القبرصي، افرام السرياني… الخ. هكذا فإن القديس إيرينيوس يُعتبر المُمهد والمؤسس للتفسير الكتابي في الكنيسة.


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *