September 2018
S M T W T F S
« Jul    
 1
2345678
9101112131415
16171819202122
23242526272829
30  

   ” الله بعد ما كلّم الآباء بالأنبياء قديمًا بأنواع وطرق  كثيرة كلّمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه ” (عب1:1ـ2).

    حقًا ” حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة”[2]. هذا تحديدًا ما يُشير إليه الرسول بولس هنا في الإفتتاحية، وهو يكتب للعبرانيين. لأن هؤلاء الذين كانوا مُتعبين ومعذبين من جراء النكبات، وحكموا على الأمور من منطلق أنهم دائمًا ما يتعرضوا لكوارث، كان من الطبيعي أن يعتبروا أنفسهم أدنى من غيرهم، لذلك فهو يوضح بهذا (الكلام)، أنهم تمتعوا بنعمة أعظم جدًا وأسمى بكثير، مسترعيًا إنتباه المستمع منذ بداية حديثه.

لماذا لم يضع نفسه في عداد الأنبياء؟ وإن كان بالطبع هو أعظم بكثير منهم، بقدر ما تعهد (بمسئوليات) أعظم، إلاّ أنه لم يفعل هذا. لماذا إذًا؟ أولاً لأنه يتجنب أن يُمجد ذاته بكلام فائق، ثانيًا لأن المستمعين لم يكونوا بعد كاملين، وثالثًا لأنه أراد أن يسمو بهم أكثر، وأن يبيّن عظمة الإمتياز (أي امتياز النعمة). كما لو كان يقول: ما الأهمية في أن الله أرسل الأنبياء لآبائنا؟ فهو قد أرسل لنا إبنه الوحيد الجنس ذاته. وحسنًا فعل إذ بدأ (الرسالة) بهذه الكلمات: “بأنواع وطرق كثيرة”. لأنه يُظهر أن الأنبياء أنفسهم لم يروا الله، أما الإبن قد رآه. إن عبارة “بأنواع وطرق كثيرة” تعني بطرق متنوعة. لأنه يقول “وكلّمت الأنبياء وكثّرت الرؤى وبيد الأنبياء مثلت أمثالاً”[3]. وقد اتضح أن إمتياز النعمة لا يتمثل في هذا الأمر فقط، أي أن الله قد أرسل أنبياء للآباء، بينما لنا نحن أرسل الابن، بل يكمن الإمتياز في أنه لا أحد من هؤلاء الأنبياء قد رأى الله، بينما الابن الوحيد الجنس قد رآه. وبالطبع فهو لا يشير مباشرةً إلى هذا، بل يقدمه بالكلام اللاحق، عندما يتكلم عن طبيعة الابن الإنسانية” لأنه لمن من الملائكة قال قط أنت ابني” و “أجلس عن يميني”[4].

    ولك أن تلاحظ حكمة الرسول بولس. فهو يبيّن أولاً أن امتياز مَن نال النعمة يفوق الأنبياء، فبعدما قدم هذا كأمر لا جدال فيه، أخذ يُدلي برأيه بعد ذلك، وهو أن الله كلّم الآباء من خلال الأنبياء بينما كلمنا نحن من خلال الابن الوحيد الجنس. بل إن الله كان قد كلّم هؤلاء من خلال ملائكة أيضًا (لأنه حقًا قد كانت الملائكة تكلم اليهود)، لكن في هذا نحن قد نلنا ما هو أكثر بكثير من ذلك، بينما الذي كلّم الآباء هم عبيد، لأن الملائكة والأنبياء هم شركاء في العبودية. وحسنًا قال “في هذه الأيام الأخيرة”، لأن هذا يشجعهم، ويعزيهم، بعدما كانوا قد تعبوا بالفعل. وكما قال في موضع آخر: ” الرب قريب لا تهتموا بشيء”[5]، وأيضًا  ” فإن خلاصنا الآن أقرب مما كان حين آمنا”[6]، هكذا هنا أيضًا. إذًا، ما هو هذا الذي يقوله؟ ما يقوله هو أن مَن يستنفذ كل طاقاته في السباق (الجهاد)، عندما يسمع (كلمة) نهاية السباق، يستريح قليلاً، فيعرف أنها نهاية الأتعاب، وبداية الراحة.

    “كلّمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه”. ها هو أيضًا يقول “في ابنه”، أي بواسطة الابن، الذي يتكلّم عنه، متصديًا للقائلين، كيف يليق هذا الكلام بالروح. أرأيت أن كلمة “في” “ἐν”، تعني “بواسطة” “διὰ μέσου”؟ كما أنه يقصد شيئًا آخر بعبارة “في الأزمنة القديمة” وعبارة “في الأيام الأخيرة”. إذًا ما هو هذا الشيء؟ هو أنه بعدما عَبرت سنوات طويلة، عندما كنّا تحت الدينونة، وعندما تلاشت المواهب، وعندما لم يكن هناك رجاء للخلاص، عندما ترجيّنا أن يكون لنا شيئًا زهيدًا، عندئذٍ حصلنا على المزيد. ولاحظ كيف تكلّم عن هذا الأمر بتعقل. لأنه لم يقل “المسيح تكلّم”، وإن كان بالطبع المسيح هو الذي تكلّم، لكن لأن نفوسهم كانت ضعيفة، ولم يكونوا قادرين بعد أن يسمعوا الأمور المختصة بالمسيح، قال “كلّمنا في ابنه” ماذا تقول؟ هل الله تكلّم في ابنه؟ نعم. أين إذًا الامتياز؟ لأنك قد أظهرت هنا أن العهد القديم والجديد هما وحدة واحدة، وهذا الإمتياز ليس عظيمًا وقد شهدنا له، أما الامتياز العظيم بالنسبة لنا فهو أنه كلّمنا في ابنه. ولهذا يشرحه بعد ذلك بهذه الكلمات قائلاً: “كلّمنا في ابنه”.

    لاحظ كيف يُعلن ق. بولس هذا الأمر ويساوي نفسه مع التلاميذ، قائلاً: “كلّمنا”. إلاّ أن الله لم يتكلم مع بولس، بل مع الرسل، ومن خلال الرسل تكلّم للكثيرين. لكن (بولس) يسمو بهم ويبيّن أن الله كلمهم، إلا أنه في نفس الوقت يدين اليهود بطريقة ما. لأنه تقريبًا كل أولئك الذين تحدث إليهم الأنبياء كانوا دنسين وأشرارًا.  وهو لم يتكلم بعد عن هؤلاء، بل تكلّم أولاً عن عطايا الله التي صنعها.

    ولهذا يُضيف أيضًا: ” الذي جعله وارثًا لكل شيء”. هنا هو يقصد الجسد، كما يقول داود أيضًا في المزمور الثاني ” أسألني فأعطيك الأمم ميراثًا”[7]. لأنه ليس نصيب الرب بعد هو يعقوب ولا ميراثه هو إسرائيل، بل ميراثه هو الجميع. ماذا يعني      ” جعله وارثًا؟” يعني أنه قد جعله ربًا على كل شيء.  نفس الأمر قد قاله ق. بطرس أيضًا في سفر الأعمال: ” أن الله جعل يسوع.. ربًا ومسيحًا”[8]. وقد أراد أن يعلن أمرين من خلال الإشارة إلى اسم الوارث، أنه ابن حقيقي، وأن السيادة (أي سيادته على كل شيء) غير منفصلة عنه. ” وارثًا لكل شيء”، أي وارثًا لكل العالم. وبعد ذلك، يعود بالكلام مرة أخرى إلي ما كان منذ البدء “الذي به أيضًا عمل العالمين”.

    أين هم إذًا أولئك الذين يقولون أن هناك وقت لم يكن الابن موجودًا فيه؟ ثم أخذ يتدرج بعد ذلك، فيشير في النهاية إلى ما هو أعظم من كل هذا، قائلاً: ” الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته بعد ما صنع بنفسه تطهيرًا لخطايانا جلس في يمين العظمة في الأعالي صائرًا أعظم من الملائكة بمقدار ما ورث اسمًا أعظم منهم” (عب3:1ـ4). يا للعجب من هذا التعقل الرسولي! أو من الأفضل أن نقول إن الدهشة والتعجب لا توجه لحكمة بولس، بل لنعمة الروح القدس التي يمكن أن نندهش لها هنا. لأنه لم يتكلم بهذه الأمور من أفكاره، كما أنه لا يمتلك هذه الحكمة الكبيرة من نفسه (لأنه من أين ستكون له هذه الحكمة؟) هل من آلة قطع الجلود التي كان يدبغها، أو من المعمل (الذي كان يدبغ فيه)؟ لكن كونه يتكلم بهذه الأمور، فقد كان نتيجةً لعمل إلهي. لأن هذه المعاني ليست من نتاج فكره، والذي كان آنذاك متواضعًا وبسيطًا، حتى أنه لم يكن لديه شيئًا أكثر مما لأولئك المترددين على السوق، (لأنه كيف لهذا الفكر الذي أُستُهِلك في صناعة الخيام أن يكون له شيئًا أكثر؟)، إنها نعمة الروح القدس التي، تُظهر قوتها من خلال أولئك الذين تريدهم.

    إذًا إن كان أحد يريد أن يداعب طفلاً صغيرًا رافعًا إياه عاليًا بإتجاه السماء، فإنه يفعل هذا رويدًا رويدًا، وقليلاً قليلاً، ثم بعد ذلك عندما يضعه عاليًا ويطلب منه أن ينظر إلى أسفل، فعندما يرى أنه يشعر بدوار ويضطرب، يمسكه وينزله مرة أخرى إلى أسفل، ليمكنه من أن يسترد أنفاسه بارتياح. وهكذا مرة يرفعه ومرة أخرى ينزله. هذا ما صنعه المُطوب بولس تحديدًا مع العبرانيين، بل وفي كل موضع، متعلمًا هذا من المعلم. لأن المسيح قد فعل هذا أيضًا، فكان يصعد تارة بالمستمعين إلى أعلى، وتارة ينزل بهم إلى أسفل، دون أن يتركهم ينتظروا طويلاً في نفس النقطة.

    لاحظ الرسول بولس هنا، كيف أنه بعدما أصعدهم درجات كثيرة، وأقامهم في قمة التقوى ذاتها، وقبل أن يُصيبهم الدوار والدوخة أخذ ينزل بهم مرة أخرى إلى أسفل، وبعدما أعطاهم الفرصة للتنفس بارتياح، قال “كلَّمنا في ابنه” و ” الذي جعله وارثًا لكل شيء”. لأن اسم الابن كان معروفًا للكافة في ذلك الوقت حيث يُقصد به أنه إبن حقيقي، ويعني أنه أسمى من الجميع. إذًا لكي يظهر أولاً أنه أسمى، يعرض ويبيّن أنه من الآب. لكن لاحظ كيف ينزله، قائلاً: ” الذي جعله وارثًا لكل شيء”، لأن عبارة “جعله وارثًا”، تمثل الدرجة الأقل. بعد ذلك يضعه في مرتبة أسمى، مُضيفًا ” الذي به عمل العالمين”، بعد ذلك يضعه في مرتبة أعلى، والتي لا يوجد معها درجة أعلى من هذا فيقول: ” الذي هو بهاء مجده ورسم جوهره”.

    حقًا لقد أصعد السامع إلى نور لا يمكن الوصول إليه، في هذا البهاء ذاته. لاحظ كيف ينزل به مرة أخرى تدريجيًا، قبل أن يصيبه بالدوار قائلاً: ” وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته بعد ما صنع بنفسه تطهيرًا لخطايانا جلس في يمين العظمة في الأعالي”. لم يقل فقط “جلس″، بل قال: ” بعدما صنع تطهيرًا لخطايانا جلس″. أي أنه إهتم بتدبير التجسد، وأيضًا يتكلم بإتضاع. كما نجده بعدما تكلم عن شيء سامي، إذ قال: ” في يمين العظمة في الأعالي”، أخذ يتكلم مرة أخرى عن الاتضاع، مُضيفًا ” صائرًا أعظم من الملائكة بمقدار ما ورث اسمًا أفضل منهم”.

    إذًا فهو يتكلم هنا عن تدبير التجسد، لأن عبارة “صائرًا أعظم”، لا تُعبّر عن جوهر الآب، بل تعبّر عن الجوهر الجسدي، لأن هذا الجوهر قابل أن يصير من وضع إلى آخر. ولكن حديثه الآن ليس عن الجوهر. كما يقول يوحنا (المعمدان)      ” هذا هو الذي قلت عنه إن الذي يأتي بعدي صار قدامي لأنه كان قبلي”[9]، هذا الكلام يُعلن أن الابن هو أكثر مجدًا وأكثر بهاءً، هكذا يقول الرسول بولس هنا  ” صائرًا أعظم من الملائكة”، وهذا يُعلن أنه أكثر سموًا ومجدًا، ” بمقدار ما ورث اسمًا أفضل منهم”.

    أرأيت أن الحديث هنا يتعلق بالاسم الذي أُعطي للجسد؟ لأن هذا الاسم، “كلمة الله”، هو له على الدوام، وهو لم يَرثه بعد التجسد، ولا في ذلك الحين (قبل التجسد)، صار أعظم من الملائكة، بل هو على الدوام كان أعظم، بل هو أعظم بما لا يُقارن. بل إن هذا الكلام قيل عن الاسم الذي أُعطي للجسد. هكذا نحن أيضًا إعتدنا عندما نتكلم عن إنسان ما، أن نتكلم بكلام سامي وكلام متواضع. أي حينما نقول الإنسان كلا شيء، الإنسان تراب ورماد، فإننا ندعو كل الأشياء إنطلاقًا من الأمور المتدنية، أما عندما نقول إن الإنسان كائن حيّ غير مائت، وعاقل، ومن أهل السماء، فإننا أيضًا نرى كل الأشياء إنطلاقًا من الأمور السامية. هكذا فإن القديس بولس يتكلم عن المسيح، تارة من المستوى الأقل، وتارة أخرى يتكلم من المستوى الأعلى، مريدًا بذلك أن يشير إلى التدبير، وأن يخبرنا كذلك عن طبيعة المسيح غير المائتة.

    إذًا بعدما طهّرنا من خطايانا، ليتنا نظل أطهارًا، ولا نقبل حتى وصمة واحدة (للخطية)، بل نتحلى بالجمال الذي وضعه داخلنا، ولنحرص على أن نحفظ السلوك النقي اللائق غير الملوث، لكي لا نُُوصم بأي تلوث أو غضن، أو أي شيء مثل ذلك. لأن التلوث والغضن، هما من الخطايا الصغيرة، أي النميمة، الشتيمة، والكذب، أو من الأفضل أن نقول وحتى هذه الخطايا لا تعتبر صغيرة، بل هي كبيرة جدًا، حتى أنها تحرم الإنسان من ملكوت السموات. كيف وبأي طريقة؟ ” من قال لأخيه.. يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم”[10]. فإن كان مَن يدعو أخاه “أحمق”، والذي من الواضح أنه كلام طفولي معتاد، فأي عقاب لن يناله في الجحيم ذاك الذي يدعو أخاه، مجرم، وحسود، ويهينه بألفاظ أخرى  لا حصر لها؟ وهل هناك ما هو أكثر رعبًا من هذا؟ لكن أرجوكم أن تتحملوا ما أقوله. ” فإن كان ذاك الذي يصنع شيئًا تجاه أحد هؤلاء الأصاغر، فإنه يفعله في المسيح”[11]، فكيف لا ينطبق ذلك على ما يقال من كلام، سواء كان كلام حسن أو إدانات؟ لأن من يُهين أخاه، يُهين الله، وَمن يكرم أخاه، يكرم الله.

X X X


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *