“مقارنة سيرة القديس كما وردت في كتاب بستان الرهبان وكتاب السيرة للقديس أثناسيوس” 

 الباحث جورج فرج

تمهـيد

عندما نتحدث عن سيرة حياة القديس أنطونيوس بين التقليد القبطي والتقليد اليوناني فإننا نقصد بالتقليد القبطي التراث القبطي المترجم للغة العربية مع بداية انتشار اللغة العربية في الوسط الرهباني مع الألفية الثانية للميلاد، ونخص في ذلك الكتاب المعروف وهو كتاب بستان الرهبان[1]، أما التقليد اليوناني فنقصد المصادر اليونانية لسيرة القديس وعلي الأخص كتاب القديس أثناسيوس عن حياة القديس أنطونيوس

Βίος κα ἡ πολιτεία το σίου πατρς μν γίου ντωνίου”[2]

 والمعروف باللاتينية  Vita Antoniiالذي يعتبر من أهم المصادر ليس فقط عن القديس أنطونيوس بل عن الرهبنة المسيحية والحياة النُسكية بوجه عام.

 العلاقة بين التقليدين

مما لا شك فيه أن التقليدين ينبعان من مصدر واحد:

1-  فالقديس أثناسيوس  ينتمي بلا شك للكنيسة المصرية وكان ملماً باللغة القبطية ومختلطا بالرهبان الأقباط  وهذا يظهر من علاقته بالقديس أنطونيوس في فترة شبابه وزيارته للرهبان الباخوميين.

2-  كتاب القديس أثناسيوس “السيرة” تُرجم مبكراً للغة القبطية الصعيدية[3]، ومن ثم فالرهبان الأقباط  قد اطلعوا علي محتواه سريعاً.

3-  كما ان مصادر القديس أثناسيوس عن القديس أنطونيوس  بخلاف علاقته الشخصية كان منبعها بلا شك الرهبان الأقباط  من تلاميذ القديس أنطونيوس .

إن هدفنا من هذه المقارنة ليس تقديم بعض المعلومات أو القصص الجديدة عن سيرة القديس أو حتى الاهتمام بالتساؤل عن أي هذه الروايات هو الأكثر مصداقية أو حتى محاولة التوفيق بين تلك الروايات المختلفة لإثبات مصداقيتها كلها معاً، وذلك لان أراء بعض الدارسين تري أن كتاب السيرة لأثناسيوس لا يقدم بالضرورة الحقيقة التاريخية المجردة إنما الصورة النموذجية للقداسة التي كان عليها شخص القديس أنطونيوس ونفس الفكرة يمكن أن نقولها عن سيرة القديس في البستان إذ أن الكاتب أراد أن يوضح مبادئ الرهبنة وأسسها من خلال سرد سيرة القديس الذي تمثلت فيه هذه المبادئ كما سوف نري لاحقاً.

وعلي ذلك فان هدفنا هو أن نري كيف قدم شخص مثل القديس أثناسيوس كراعي ولاهوتي موضوع قداسة الأنبا أنطونيوس ليس فقط للرهبان بل أيضا للمؤمنين العاديين من غير الرهبان، وكيف قدم نفس الموضوع كاتب السيرة في البستان لوسط رهباني خالص.

 كتاب السيرة للقديس أثناسيوس  وأهميته

يعتبر كتاب السيرة من أهم وأقدم الكتابات فيما يخص علم الاجيولوجيا (Ἁγιολογία) وهو العلم الخاص بسير القديسين إذ أن به وضع القديس أثناسيوس الإطار المسيحي لأدب السير(Biography βιογραφία) المتعلقة بقديسي الكنيسة المسيحية وبالأخص النُساك، ومما لاشك فيه انه وجدت كتابات عن سير القديسين قبل هذا الكتاب غير انه هو الأول من نوعه فيما يخص سير الرهبان، وبشكل عام فهو يحتل الصدارة ـ مع كتاب سيرة قسطنطين الملك ليوسابيوس القيصري ـ فيما يتعلق بسير القديسين بشكل عام.

فنجد في الكتاب، الإطار العام لسير القديسين الذي علي منواله إتبع فيما بعد كاتبي سير القديسين، حيث كان الآتي:

 تمهيد ثم تعريف بمسقط رأس القديس أنطونيوس وبلده، حديث عن عائلته، ميلاده، تربيته ونشأته، حياته وأعماله، تعليمه وعظاته، بعض العجائب التي أجراها الله علي يده، وفي النهاية نياحته.

ولأهمية ذلك الكتاب فانه ترجم سريعا للاتينية علي يد ايفاجريوس الانطاكي كما ترجم للسريانية[4] والقبطية والأرمينية والعربية.

ونَسب الكتاب للقديس أثناسيوس لم يكن محل شك عند أباء الكنيسة القدامى وكُتابها مثل غريغوريوس الثيؤلوغوس وجيروم واغسطينوس وروفينوس وغيرهم كما أن التشكيك في نَسب الكتاب للقديس أثناسيوس لم يعد يلقي قبول معظم الدارسين الآن[5].

 حياة القديس أنطونيوس بين السيرة للقديس أثناسيوس  وبستان الرهبان:

1-     اعتزال القديس أنطونيوس العالم

وفقاً للقديس أثناسيوس  فان السبب الذي دفع القديس أنطونيوس للارتحال عن العالم كان الكتاب المقدس، إذ يروي كيف دخل القديس أنطونيوس ذات مرة الكنيسة وسمع قول السيد :«إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلاً فَاذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي»[6]. ثم بدأ يفكر في حياة الرسل كما دونت في سفر الأعمال ولما انشغل في أمر أخته ورعايتها نجد القديس أثناسيوس  يعاود ليؤكد كيف انه سمع الإنجيل في الكنيسة “لاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ[7]. وهنا نلاحظ تركيز القديس أثناسيوس  كلاهوتي علي تفسير كل فعل للقديس أنطونيوس إلي سند كتابي، إذ أن هَم القديس أثناسيوس  هو توضيح ان الرهبنة فكرة نابعة من الإنجيل مما يؤكد علي شرعيتها.

علي النقيض، نجد أن كاتب البستان يحكي لنا قصة مغايرة تماما فالسبب في ارتحال أنطونيوس هو عبرة الموت ومنظره، إذ يحكي البستان:

“لما توفي والده دخل عليه وتأمله، وتفكَّر كثيرا وقال: ” تبارك اسم الله، أليست هذه الجثة كاملة ولم يتغير منها شيء البتة إلا توقُّف هذا النَفس الضعيف؟! فأين هي همَّتك وعزيمتك وأمرك وسطوتك العظيمة وجمعك للمال؟ أرى أن الجميع قد بُطل وتركته، فيا لهذه الحسرة العظيمة والخسارة الجسيمة ! ثم نظر إلى والده وقال: “إن كنت أنت قد خرجت من العالم بغير اختيارك فلا أعجبن من ذلك، بل أعجب أنا من نفسي إن عملت كعملك” … ثم إنه بهذه الفكرة الواحدة الصغيرة ترك والده بغير دفنٍ وترك كل ما خّلفه من مال ونعيم وخدم وحشم وخرج هائما على وجهه قائلا: أخرج أنا من الدنيا طائعا ولا يخرجونني مثل أبي كارها”

هنا الكاتب أراد أن يقدم خلال شخص أنطونيوس  تعليمه عن عبرة وأهمية الموت بالنسبة للراهب، فأنطونيوس يغادر العالم فوراً دون أن يهتم حتى بدفن أبيه، فلم يعد يعنيه أي اهتمام عالمي، بعكس أثناسيوس الذي تحدث أن اعتزاله جاء بعد ستة أشهر من وفاة أبيه أي بعد أن قام بترتيب أمره وانشغل بشأن أخته وأودعها في بيت للعذارى، الأمر الذي لم يذكره نهائياً كاتب البستان.

وإذ تحولنا لسيرة القديس أنبا بولا أول السواح فيمكننا أن نجد صورة مشابهة فالتقليد الغربي لسيرة أول السواح كما دونها جيروم[8] يحكي أن سبب اعتزال بولا هو اضطهاد الإمبراطور داكيوس وهي فكرة مرفوضة تماما في الوسط الرهباني، إذ يرى هذا التقليد الغربي أن الرهبنة هروب من إكليل الشهادة. ولكن لو نظرنا للتراث القبطي نجد أن المخطوطات القبطية تقدم لنا قصة مشابه لقصة القديس أنطونيوس، فبولا الذي يتنازع مع أخيه علي نصيبه في ميراث أبيه يعتزل العالم تاركاً خلفه كل شئ ليس خوفا من الاضطهاد بل بسبب رؤيته لموكب جنازة أحد الأغنياء فيدرك بطلان العالم وفناء غناه، هنا نري كُتَّاب السير الأقباط  يحاولون توضيح أهمية الموت عن العالم في حياة الراهب من خلال سيّر الآباء الأول. الأمر الذي يتضح جليا من خلال الطقس القبطي لرسامة الراهب إذ لا توجد عندنا طقوس خاص للسيامة سوي إتمام الصلوات الخاصة بالموتى علي طالب الرهبنة، إذ يرقد أمام المذبح بعد أن يغطي كل جسده ووجه كميت تمامًا، وهو طقس فريد من نوعه لا نجده في أي تقليد للرهبانيات الأخري، مما يعكس مركز الموت في الفكر القبطي عن الرهبنة الأمر الذي نجح في إبرازه بمهارة شديدة كُتّاب السير الأقباط.

2-    المال

كلا من التقليدين يشهد علي غني القديس، فيذكر القديس أثناسيوس أن القديس أنطونيوس وصية الإنجيل مضي وباع كل مال له ووزعه علي الفقراء منفذًا وصية الإنجيل، بينما البستان يذكر كيف انه ازدري بالمال، وترك كل شئ، دون أدني ذِكر عن عمل الرحمة مع الفقراء، فكاتب البستان لا يهتم بمسألة توزيع المال علي الفقراء، فهي ليست من عمل الراهب ولا من اختصاصه فالمهم بالنسبة له ترك المال وازدراءه أي التجرد (الفقر الاختياري) وليس توزيعه علي الفقراء الأمر الذي ربما يمثل أهمية لراعي كأثناسيوس.

3-    ممن تعلم ق. أنطونيوس مبادئ الرهبنة؟  

علي عكس القديس أثناسيوس، لا يخبرنا البستان عن زيارات القديس أنطونيوس للنساك السابقين عليه حتي يتعلم منهم الفضائل المختلفةـ إذ يذكر ق. أثناسيوس  ـ  ”وكان كلما سمع عن رجل صالح في أي مكان خرج يطلبه مسرعاً كالنحلة النشيطة”[9] “…وكان يخضع بإخلاص لكل من زارهم من الرجال الصالحين وعرف تماما أين كان يفوقه كل منهم في الغيرة والنسك. لاحظ لطف هذا وصلاة ذاك بلا انقطاع. وعرف تحرر هذا من الغضب وَرِقة ذلك …[10].   

وصمت البستان عن تلك الراويات ربما لان الكاتب يريد إبراز أن أنطونيوس لا معلم له سوى ملاك من السماء، إذ نري البستان (وأيضا كتاب أقوال الآباء الابوفثجماتا[11]) يذكر كيف أن ملاكاً ظهر لأنطونيوس  ليعلمه كيف يقاوم الضجر بعمل اليدين مع الصلاة. ويضيف البستان فقط دون غيره كيف كان يرتدي هذا الملاك ملابساً جعلها أنطونيوس زيًا خاصا بالرهبان، وأصبح لها مركز خاص في التقليد القبطي. علي نفس المناول نجد في سيرة باخوميوس التشديد علي أن قوانين الرهبنة أخذها باخوميوس من ملاك وسيرة مكاريوس تذكر أن شاروبيم كان يرافقه طول أيام حياته. هنا كُتاب السير يريدون أن يوضحوا ماهية الرهبنة ومصدرها السماوي وكيف أن الرهبان هم ملائكة أرضيون.

والجدير بالذكر أن البستان حفظ لنا واحدة من أروع القصص ألا وهي قصة أنطونيوس مع تلك المرأة المستهترة التي أرادت أن تستحم في النيل أمامه دون حياء وكيف أدرك أنطونيوس بان كلامها هو صوت ملاك الرب يوبخه فالبستان الذي لا يذكر تَلمذة أنطونيوس علي نُساك سابقين يشدد كيف انه تعلم من تلك المرأة وكأن الكاتب أراد أن ينذر كل راهب بألا يحتقر الخطاة فربما كان صوت الله يحدثه من خلالهم.

4-    حروب الشياطين وكيف واجه أنطونيوس  الشيطان.

هنا نأتي لمفارقة مهمة، ففي كل ما سبق لا يمكنا أن نري اختلافا بين المصدرين بل تنوعًا، أما فيما يخص موضوع حروب الشياطين وموقف ق. أنطونيوس من إبليس نري روايتان بل توجهين علي طرفي نقيض، فأثناسيوس يقدم لنا أنطونيوس الذي يزدري ويحتقر الشياطين ويشجع أولاده بوعظ كثير للغاية علي عدم الخوف منهم بل علي احتقارهم وازدراءهم كونهم عديمي القوي مع أولاد الله.

-        “إذن وجب أن نخاف الله فقط ونحتقر الشياطين ولا نرهبها”[12]

-        “وإن كان إبليس قد اعترف بنفسه أن قوته قد تلاشت، وجب ان نحتقره وشياطينه احتقارًا تامًا.”[13].

 بل أن ق. أنطونيوس نفسه يحكي لأولاده كيف ذات مرة أراد أن يضرب الشيطان ويلطمه!!!

-    ”ومرة جاءني شيطان طويل القامة … أما أنا فنفحت فيه، ونطقت باسم المسيح، وشرعت بأن أضربه، وبدا كأنني ضربته، وللحال أختفي…”[14].

 وفي نهاية الأمر يذكر لهم كيف جاءه الشيطان مرغمًا ليعترف له بالهزيمة[15].

  علي عكس البستان الذي يذكر كيف واجه ق. أنطونيوس الشيطان بالاتضاع إذ أراد الكاتب ان يسلط الضوء على شخصية أنطونيوس الراهب المتضع الذي وصل اتضاعه لأبعد الحدود لدرجة انه يتضع للشياطين!

- “وابتدأوا يحاربونه كلهم، فقال لهم: “يا أقوياء، ماذا تريدون مني أنا الضعيف المسكين؟ وما هو قدري حتى تجتمعوا كلكم علي وأنا تراب ووسخ ولا شيء، وضعيف عن قتال أحد أصاغركم“؟ وكان يلقي بذاته على الأرض ويصرخ ويقول: “يا ربي أعني وقو ضعفي، ارحمني يا رب فإني التجأت إليك، يا رب لا تتخلَّ عني، ولا يقو علي هؤلاء الذين يحسبون أني شيء، يا رب أنت تعلم أنني ضعيف عن مقاومة أحد أصاغر هؤلاء”.

فمن يتضع للشيطان تُري هل سوف يتكبر علي إخوته؟ غير ان إتضاع أنطونيوس هذا للشياطين لا يعني انتصار الشياطين عليه أبدًا بل ان بهذا الاتضاع استطاع أنطونيوس ان يرعب الشياطين ويجعلهم يفرون من أمامه وان يجعلهم يحترقون قدامه كالدخان.

 - “وكان الشياطين متى سمعوا هذه الصلاة المملوءة حياة واتضاعًا يهربون منه ولا يقدرون على الدن وإليه.”… “وكانت الأفكار تسقط عنه بمعونة الرب، والشياطين تحترق من كثرة اتضاعه.”

هنا نري ان النتيجة واحد في المصدرين وان اختلف الشكل.

5-    زيارة القديس أنطونيوس  لأنبا بولا

لا يذكر القديس أثناسيوس شيئاً عن هذه الزيارة غير أن المخطوطات القبطية تذكر كيف أن القديس أنطونيوس ظن أنه أول من خرج للبرية، وهنا يأتي صوت من الرب ينذره بألا يفكر في أمرٍ كهذا ويؤكد له انه يوجد من هو أعظم منه، وهدف القصة يوضح كيف يمكن ترد أفكار كهذه علي ذهن الراهب وكيف يعلمه الله الاتضاع.

الخلاصة

نري مما سبق أن القديس أثناسيوس كراعي أراد أن يقدم حياة أنطونيوس  كناسك بحسب الإنجيل فكل أفعاله تصدر من تنفيذه للوصية ومن ثم أراد ق. أثناسيوس أن يدعم الحركة الرهبانية التي قد بدأت في الازدهار في عهده وينزع عنها الهواجس التي تنظر إليها أي نظرة ريبة، لذلك فنجد ق. أثناسيوس يشدد كثيرا جدا علي أن ق. أنطونيوس  كان متعلما من الكتب المقدسة فحياته وتعاليمه هي من الإنجيل.

-   “فقد كان يعمل بيده، إذ قد سمع (من الكتب المقدسة) أن الكسول لا يأكل[16] … لانه تمسك بما قرأ (من الكتب المقدسة) بحيث لا يسقط منه إلي الأرض شئ مما كتب، بل تذكر الكل، بعد ذلك أغنته ذاكرته عن الكتب”[17].

-        “وأما انطونيوس إذ قد تعلم من الكتب أن مكايد ابليس كثيرة …”[18].

-        “..خاطبهم باللغة المصرية قائلاً: إن الأسفار المقدسة كافية للتعليم..”[19].

-        “… كي يكون معلمًا للكثيرين للنسك الذي تعلمه من الكتب المقدسة”[20].

هنا ففنا نري أن كتاب القديس أثناسيوس ليعتبر أفضل رد علي الهجوم الذي صاحب حركة الإصلاح البروتستانتية في الادعاء بان الرهبنة لا تنبع من فكر إنجيلي، فكتاب القديس أثناسيوس وبصورة ملحة وذكية يدحض هذه الفكرة من خلال سيرة الناسك العظيم فسبب اعتزال انطونيوس وعدم انشغاله بالمستقبل وطريقة معيشته ونسكه ومحاربته لإبليس كله تنبع من تعليم الكتب المقدس.

في نفس الوقت نجد أن أثناسيوس يستخدم سيرة أنطونيوس لمحاربة الاريوسيين فيشير لمحاربة أنطونيوس لهم مقدمًا نموذجًا ايجابيًا للرهبنة في مساعدة الكنيسة في أزمتها الكبرى في القرن الرابع.

والخلاصة نجد أن القديس أثناسيوس يقدم شخص القديس أنطونيوس كبطل الكنيسة الخارج إلى الصحراء لمجابهة الشيطان والانتصار عليه ذاك الذي اعترف في النهاية بهزيمته أمام قديس الكنيسة وبطلها.

بينما نجد كاتب السيرة في البستان، كراهب علي النقيض من أثناسيوس، أراد ان يعلم أولاده الرهبان ـ في شخص القديس أنطونيوس الذي استخدمه كنموذج وأمثولة ـ مبادئ الرهبنة ألا وهي الموت عن العالم، ازدراء واحتقار المال، الاتضاع لأقصي حد، عدم احتقار الخطاة، كرامة الزي الرهباني واحترام الحياة الرهبانية كسيرة ملائكية. أن كاتب البستان قدم القديس أنطونيوس علي انه الإنسان التائب الذي أدرك بطلان العالم وحقيقة الموت لذلك ارتحل هاربا للصحراء باحثا عن خلاص نفسه.

هكذا بات من الواضح أن كلا من الكاتبين أرادا أن يستخدما حياة القديس أنطونيوس في تقديم الصورة النموذجية للقداسة طبقا لتوجه كل كاتب.

والكلمة الأخيرة التي نوجهها للقارئ الحبيب هو أن المصداقية التاريخية للسيرة لم تكن هي هدفنا ولا موضوعنا بل قيمة سيرة القديس العظيم الأنبا أنطونيوس في التعليم.

X X X


[1] سوف نستخدم نسخة “بستان الرهبان لاباء الكنيسة القبطية” مكتبة مار مينا، القاهرة 1956، ص 4-7.

[2]  تم إصدار نسخة محققة للنص اليوناني في مجموعة «Sources Chrétiennes»  مع ترجمة فرنسية للنص، وتحتوي علي دراسة للنص اليوناني وترجماته القديمة.

Athanase d’Alexandrie Vie d’Antoine, Introduction, texte critique, traduction, notes et index, ar G.J.M. Bartelink, SC 400, 1994.

في دراستنا هذه سوف نستخدم الترجمة العربية :”حياة الأنبا أنطونيوس بقلم القديس أثناسيوس الرسولي تعريب القمص مرقس داود طبعة ثالثة منقحة الناشر جمعية أصدقاء الكتاب المقدس، القاهرة 1982″

[3] Garitte Gerard, “S. Antonii vitae versio sahidica” (CSCO 117-118), Louvain1954,

[4] يعتبر النص السرياني ذو أهمية خاصة للعلماء إذ أنه يحتوي علي بعض الإضافات الغير موجودة في الأصل اليوناني الأمر الذي دفع بعض العلماء لافتراض نص قبطي قديم مفقود كان مصدر للنص للسرياني.

Rubenson Samuel “The Letters of St. Antony. Origenist Theology, Monastic Tradition and the Making of a Saint” (Bibliotheca Historica-Ecclesiastica Lundensis 24), Lund 1990. P 127,128.

[5] انظر مقال د. صمويل ربنسون عن روحانية القديس انطونيوس في دورية مركز دراسات الآباء ترجمة د. نصحي عبد الشهيد، عدد 6، سنة 2000، القاهرة، ص 8-14.

[6]  متي 19,21.

[7] متي  6,34.

[8] Hieronymus, Vita Pauli PL 23,17-28.

[9] ف 3 ص27.

 [10] ف 4 ص28.

[11] PG 65,76.

[12] ف 30 ص63.

[13] ف 42 ص78.

[14] ف 40 ص75.

[15] ف 41 ص 77و78.

[16] 2 تس 10:2.

[17] ف 3 ص 28.

[18] ف 7 ص 33.

[19] ف 16 ص 45.

[20] ف 46 ص 84.


5 تعليقات على: سيرة القديس أنطونيوس ما بين التقليد القبطي والتقليد اليوناني (1)

  • christine:

    سلام المسيح
    اولا شكرا على المقالة الرائعة فكثير من الكتاب ينظرون الى المصادر المتعددة بعين النقد و الشك اولا على عكس هذا المقال الذى يأخذ ويتناول عدة فوائد هامة من خلال هذه التعددية
    ولكن هناك سؤال يتبادر الى ذهنى بخصوص رواية تعامل القديس مع الشياطين من الناحية الكتابية وطبقا للتعاليم :
    هل من الصحيح ان يتضع انسان حتى امام الشيطان ؟!!! فالاتضاع لله
    ثم اننا نقول فى صلاة الشكر انه اعطانا السلطان ان ندوس الحيات والعقارب وكل قوة العدو
    فكيف للقديس ان يتضع امامهم ؟؟ ومن اى شئ يتضع ؟!!
    انا حقيقة لاافهم ما المقصود بالاتضاع هنا
    ارجو الايضاح بمصادر وشكرا

    • الباحث جورج فرج إسحق:

      سلا م المسيح معك:
      فيما يتعلق بموضوع الاتضاع للشياطين، فواضح من كتاب سيرة القديس انطونيوس للقديس اثناسيوس كما ذكرنا في المقال ان انطونيوس كان يشدد علي عدم الخوف منهم واحتقارهم وتعاليم انطونيوس بهذا الشأن كثيرة للغاية في كتاب السيرة بالأخص في عظته الطويلة (اقرا كتاب السيرة من فصل 22 حتي 44) أما فيما يخص رواية البستان فيجب ان نفهم ان أنطونيوس لم يحث الناس علي الاتضاع للشياطين، حيث ان القصة تمثل سلوك له وليس تعليم سلمه القديس لأولاده، وهدف كاتب سيرة البستان هنا لم يكن نهائيا تعظيم الشياطين بل تعظيم فضيلة الاتضاع ذاتها لذلك نجد ان هدف الراوي يظهر في نهاية هذه القصة وهي ان الشياطين لم تستطع احتمال اتضاعه وتبخرت كالدخان، هذا هو الهدف والمغزى، ولو نظرنا لكتاب السيرة نجد ان انطونيوس نهائيا لم يذكر ان الانسان بدون المعونة الالهية قادر علي غلبة الشياطين، فهو معترف بانه بدون النعمة الالهية غير قادر علي مواجهة الشياطين، وهذا هو عين ما يقصده كاتب السيرة في البستان، فأنطونيوس الذي يتضع للشياطين في البستان لم يكن خائف منهم أو يأس، انما هدف الراوي بقول انطونيوس “انا اضعف من اصغركم” هو التأكيد ان كلمات انطونيوس المتضعة تسحق الشياطين، هنا كاتب السيرة اراد ان يعلم اولاده الرهبان من خلال سيرة انطونيوس شيئان أولاً قيمة الاتضاع التي تقهر حتي الشياطين، ثانيًا مدي خوف الشياطين من الاتضاع لان سبب سقوطهم كان الكبرياء، فكاتب سيرة البستان لم يهدف نهائيا ان يعلم اولاده الخنوع للشياطين انما ان يكون الراهب متضعا امام الجميع حتي لو بدى له الشخص الذي يعامله كشيطان.
      ويجب التشديد علي امر مهم هو ان المصداقية التاريخية لرواية البستان ليست هي معيار صلاحية القصة للتعاليم، فبكل تأكيد كاتب السيرة سواء في البستان او كتاب السيرة صاغ القصة بحسب رؤيته في شكلها القصصي، والقيمة ليست في الاصالة التاريخية للقصة انما في مدي صلاحيتها للتعليم، فعلي سبيل المثل ربما تكون هنا قصة حقيقة حدثت مع راهب قديس ومع ذلك قد لا تصلح للتعليم سواء لعامة الناس او حتي للرهبان. فالأمر اذن متعلق بالغاية من الرواية وهذا هو معزي اقوال اباء البرية، انظر مثلا قصة القديس مكاريوس حينما ظهر له الشياطين وقالوا انه يسهر وهم لا يناموا نهائيا، يصوم وهم لا يأكلون ولكن بواحدة يغلبهم وهي الاتضاع، هنا نجد نفس قصة انطونيوس واتضاعه مع الشياطين ولكن بشكل اخر، الخلاصة ان كتاب البستان وغيره من الكتابات النسكية الغرض منه ليس تقديم معلومات تاريخية عن الاباء الرهبان الأول انما اكتساب فضائلهم عن طريق ما وصلنا من اقوال وقصص عن اخبارهم.
      في النهاية، لا تتضع للشياطين بل كن متضعا امام الناس حتى لو بدوا في نظرك كشياطين ولا تحتقرهم، (كما فعل انطونيوس مع المرأة التي لم تخجل من تستحم في وجوده) – أما الشياطين فلا تخشاهم نهائيا بل استعين بالنعمة الالهية لغلبتهم كما وعظ انطونيوس تلاميذه في كتاب السيرة.

  • شكرًا للدكتور جورج فرج اسحق على الإجابة الوافية…
    أحب أن أضيف، أن بعض الدارسين لا يقبلوا أصالة هذه المقولة تاريخيًا، إذ لم تُذكر في أي مصدر مُوثَق أو مُعتَمَد آخر:
    1- لم تُذكر في سيرة القديس أنطونيوس بقلم القديس أثناسيوس.
    2- لم تُذكر في التاريخ اللوزاياكي لبلاديوس (The Lausiac History).
    3- لم تُذكر في كتاب تاريخ الرهبنة في مصر (Historia Monachorum in Aegypto).
    4- لم تُذكر في كتاب ابوفثجماتا باتريم (The Apophthegmata).
    5- لم تُذكر في فصل الاتضاع في مجموعة أقوال الآباء القديسيين (The Sayings of the Holy Fathers).

  • الباحث جورج فرج:

    استاذ ثروت شكرا لكم علي تعليقكم وتأكيدكم بان هذه الرواية لم تذكر في المصادر الرهبنية القديمة المعتبرة ولكن ليست هذه الرواية فقط الخاصة بقول انطونيوس لشياطين (أنا اضعف من اصغركم) بل ان رواية البستان (العربي في كنيستنا القبطية) عن سيرة القديس انطونيوس وكذلك عن رواية القديس انبا بولا اول السواح لم تذكر في أي مرجع رهباني قديم، ولكن المصدقية التاريخية ليست هي الاساس بالضرورة لصلاحية القصة في التعليم الرهباني ولهذا قد نوهنا في نهاية حديثا قائلين:-
    ((والكلمة الأخيرة التي نوجهها للقارئ الحبيب هو أن المصداقية التاريخية للسيرة لم تكن هي هدفنا ولا موضوعنا بل قيمة سيرة القديس العظيم الأنبا أنطونيوس في التعليم.))ـ
    كما انه غني عن البيان ان التعبير المنسوب للقديس انطونيوس (أنا اضعف من اصغركم) يقرر حقيقة ضعف الطبيعة الانسانية (بدون النعمة) مقارنة بطبيعة الملائكة التي يملكها الشيطان كملاك فقد طهارته ولكن لم يفقد قوته

  • شكرًا د. جورج فرج على ردكم وعلى مجهوداتكم التي نتبارك بها جميعًا.. أنتم جميعُا في مركز الدراسات وما تنتجوه من أبحاث وترجمات بركة عظيمة جدًا لكنيسة المسيح كلها.. الرب يقويكم ويبارككم..

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>