November 2017
S M T W T F S
« Oct    
 1234
567891011
12131415161718
19202122232425
2627282930  

 إنجيل الرخاء أو إنجيل الرفاهية ينادي بحياة تمتليء بالسعادة والغنى على أساس ان المؤمنين هم أولاد الملك الغني ، فحياة الرفاهية هي من نصيب أولاد الملوك ، الذين يسكنون القصور الفخمة ويركبون السيارات الفاخرة أحدث الماركات ، الله ملك الملوك يغدق بالخير على أولادة ، فلماذا الشقاء والتعب أنت غني وتمتع بغناك وكأن هذا الانجيل يخدم الحلم الامريكي  والرأسمالية وإقتصاد السوق والقروض ومجتمع الاستهلاك . ولا يتوانى مبشري هذا الانجيل في استخدام آيات الكتاب المقدس  – شأنهم شأن الهراطقة في كل زمان  – لكي يدعموا أفكارهم الكاذبة . لكن دعونا نرى ملامح الحياة الروحية كما علمتنا الكنيسة من الكتاب المقدس لكي نحكم بأنفسنا على هذا الانجيل المزيف ويفتضح أمره .

         ملامح الحياة الروحية:

 أ ـ ”ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي إلي الحياة” (مت14:7)

          حقيقة العوائق والتجارب, أي الباب الضيق والطريق الكرب هما بمثابة الخبرة الروحية التي لا يمكن أن نتجاهلها نحن الذين نعرف جيدًا خطورة الحروب الروحية وفقدان النعمة الإلهية أثناء مواجهتنا للتجارب والعوائق. فالروحانية الأرثوذكسية لا تعرف حياة روحية رغدة ولا إكتساب سهل لحياة الكمال.

          العوائق المتنوعة والتجارب المستمرة هي التي تحدد الملمح الديناميكي للنسك والروحانية. نحن نرفض  الإستسلام للقدرية وعلينا أن نأخذ علي عاتقنا قرار المواجهة  والإنتصار, الأمر الذي هو بمثابة الشرط الجوهري للنمو والرقي في الكمال بحسب المسيح. طريق الله هو صليب يومي. الذي يريد من كل قلبه أن يتعمق في محبة الله لا يحيا أبدًا بلا آلام. حين يرسل  الله دائمًا أحزان علي أحد ينبغي أن ندرك أن هذا الشخص تحيط به العناية الإلهية. أما الذي يحيا في حياة خالية من الصعوبات فهو بعيد عن طريق الله حتى لو عبَّر عن رغبته في إكتساب  الفضائل. لو أن ما نقول عنه الحياة المسيحية لا تؤثر ولا تنفع أحد فهذا لأنها تعبر عن إيمان بلا ذبيحة وتعليم بلا صليب, إيمان وتعليم بدون ملمح نُسكي  أُخروي حيث لا يتأخرا في الإكتفاء بحياة زائلة وفانية مثل حياة المجتمعات الاستهلاكية. الإنجيل لا يتحدث عن أخلاق الرفاهية بل أخلاق المخاطر . عندئذٍ يتخطي الإنسان ذاته تجربة الإكتفاء والتبرير الذاتي ويلقي ذاته بحرية حقيقية في يدَّي الله محب البشر. رفض الصليب يجعل جماعة المؤمنين تذبل وتتحول إلي أي مؤسسة عالمية منزوع عنها قوتها الأخروية. وقتذاك حياتها لن تكون إلا أحجار تتحول إلي خبز, وسعادتها في رفض الحرية  والخضوع لسيادة تنزع الحق. معيار حياة الكنيسة الحقيقية يُكتسب داخل الحقيقة التاريخية العارية, في مغامرة المؤمنين الواعية, في مأسوية التجارب. هنا تتشكل وتُحفظ الأخلاق الأرثوذكسية. لأن هنا يُعلَّن لنا سر صليب المسيح وهنا يتقابل الإنسان المجرب مع الله المتألم الذي يتألم معنا ويرفع صليبنا.

          الروح القدس هو الباراقليط المعزي الذي يعضدنا ويدافع عنا حيث يأخذ مكاننا ويصير عون لنا في حالات الضعف والشك وفي الأحزان والآلام والمخاطر والعوائق والتجارب الروحانية والأنثربولوجية المسيحية لا ترفض الأحزان والصعوبات والعوائق والتجارب. العمل الفاضل والذي يُسر به الله والتعليم والنمو والكمال في الحياة الروحية والقداسة تُصاحب بالمعرفة والنمو المتزايد للصعوبات والتجارب علي قدر النمو المستمر لليقظة وتمييز المؤمن حتى يجني نعمة وثمار من هذه الصعوبات والتجارب القاسية.

          ذاك الذي يسير في طريق الكمال والفضيلة بدون هموم وتجارب يسقط في الفراغ والعبث. كل فضيلة وكل رُقي في الحياة الروحية هي صليب الآلام اليومي, خبرة الموت اليومية. بدون أحزان وضيقات وعوائق وتجارب نصنع طريق غريب للكمال والذي لأنه مريح وغير محدد يقودنا خارج إرادة الله وعمل القديسين. العمل المشترك بين الإنسان والله, تقابل الحرية والنعمة تتحقق في مأسوية الآلام والجهادات والصعوبات والمخاطر والإختبارات والتجارب, حيث يتحرر الإنسان بالمداومة علي النسك وباليقظة من الخطية والشهوات ويتمتع بسكني مواهب الروح وغني حياة الله. مأساة الإنسان المعاصر تتمثل في أنه مدعو أن يكتشف ذاته ويحقق مفهوم حياته في وسط مريح مملوء بالرفاهية والسعادة. فالكلام هنا عن أمور تلغي الصعوبات الشخصية والضغوطات الإبداعية وتغرقه في لجُة اليأس. إنسان اليوم هو محبوس في شبكة غير إنسانية فيها لا يتقابل وجهًا لوجه مع أخيه بل يتواصل معه عبر وسائل تكنولوجية تفتقر للتواصل الشخصي في مجتمع إستهلاكي يستعبده ويدمر حياته ذاتها.

          تتكرر تجارب المسيح في البرية بوعود مضللة لكي تشوه الصورة المسيحية للإنسان وتفرغ حياته من الملء الإلهي. المؤسف حقًا هو أن إنسان اليوم مع إفتخاره بحريته وإستقلاله قد نسي كيف يواجه الأخطار والتجارب. مازال الإنسان المعاصر مفتون بالحياة المريحة في عالم فردوسي كاذب يتصف برفضه لله وللشيطان, الأمر الذي معه نسي الإنسان جهاده مما يدل علي أنه رفض العمق الشخصي والسرائري للحياة. لقد فقد هذا الإنسان الإيمان الذي هو تقابل الله مع الإنسان, لقد فقد العمل الذي يفتح الطريق تجاه كماله ومجده, طريق الآلام والصليب.   

ب ـ سر العوائق والتجارب

          العوائق والتجارب أيًا كانت التسمية لا تتطابق مع الخطية أو مع هلاك الإنسان. يجب أن نقبل الضيقات ونُسَّلم للتجارب ونتعب في مواجهتنا للعوائق ونرتضي بالإختبارات أو نؤمن بذواتنا ونفقد رسالة الله فنخطئ أو نسقط نهائيًا.

وفق قوانين الحياة الروحية, الضيقات والأحزان تختبر أصالة حياة المؤمنين والتجارب تميز المنافسين الحقيقيين عن المزيفين. كل هذه الظروف تُعتبر إحسان من الله وهبة للرقي والنمو والتجدد والإبداع والفائدة الروحية. فكيف يخلصنا الله ويمجدنا ويرفعنا عندما لا نختار حياة التواضع وعندما لا نُحب إخوتنا في الإنسانية وكذلك عندما لا نستعيد نفوسنا مرة أخرى في التجارب وعندما لا نتبع الباب والطريق الضيق الذي يقود إلي الحياة الأبدية, طريق الخلاص الذي أظهره لنا الرب. الحياة الأبدية أو الخلاص ليس هو أجرة لعمل فعلناه بل هبه الله في المسيح التي أُعطيت لأولئك الذين يرغبون بشوقٍ لإقتناءها بالآلام والأتعاب الروحية.

لقد علمنا الرسول بولس أن لا نفتخر بفضائلنا ولا بإنجازاتنا بل بضعفاتنا وأمراضنا وأحزننا وآلامنا لأن بها وبسببها نصير حاملين لنعمة المسيح (أنظر 2كو9:12ـ10). خبرة المؤمنين هي أن العوائق التي تغلق الطريق لا توجد بالنسبة للإنسان الذي يقف في موضع صحيح بل بالحري هي مثل درجات سُلم تُصعده ودوافع للمجد. لأن الرب هو الذي يعمل دائمًا والروح القدس هو الذي يصلي في داخلنا ويشبع رغباتنا. الله يُحسِن لهؤلاء الذين يحبون أن يكونوا معه في التجارب الأمر الذي هو غريب بالنسبة لمنطقنا وتصرفنا.

الأهم بالنسبة للحياة الروحية هو الجهاد والحرب في مواجهة التجارب والتي في أي حالة لا يجب أن نحط من شأنها أو نرفضها إنها المواجهة بالإيمان والتواضع وبالصلاة والصبر وفوق الكل بنعمة ومحبة الله. الذين يستندون علي نعمة الله وحفظ وصاياه لا يتمكن منهم الشيطان لأنهم سوف يدسون علي الحيات والعقارب وكل قوات العدو. النمو والرفعة الحقيقية الروحية والإنتصار والفوز يوجد في يقين حضور وفعل الرب في الضيقات والأحزان وفي جهادات الإنسان, يوجد في شركة الكلمة المتجسد في أمراضنا وضعفاتنا, في المعونة التي يقدمها للمجربين (أنظر عب15:4 ,18). الأمر الهام والضروري أن يوجد الإنسان مع الله, أن لا يكتفي بقدراته بل أن يشعر بأنه قوي في داخل القدرة الإلهية. هكذا ينبغي علي الإنسان أن لا تكون لديه القناعة بأنه يستطيع أن يخلص نفسه بنفسه. اللجوء إلي الله يفتح لنا قدرات لا نهائية تعطينا القناعة بأن عنده الخلاص فهو “يقيم الأموات” (2كو9:1).

هكذا الأحزان والضيقات والتجارب هي بمثابة خبرات روحية لا يمكن أن تغيب عن حياة المؤمنين. فالصعوبات والعوائق في الحياة الروحية تحفظ ملمح الحياة الشخصي والوجودي والنسكي وتحضرنا إلي عدم الفساد. بالتجارب يكتسب المرء إيمان مؤكد داخل خبرة الفكر الإلهي الذي يتعرف عليه في التجارب, كذلك يكتسب الشجاعة ويصير غير خائف لأنه في التجارب يتعلم أن يتدرب ويتمتع بكل أمور الحياة الروحية الغنية. بدون تجارب لا نستطيع أن نقترب من الله. لأن داخلها توجد الراحة الإلهية. ذاك الذي يتجنب التجارب يهرب من الفضيلة لأن النفس التي هي غير قادرة علي تحمل التجارب, بنفس القياس تكون غير قادرة علي إقتناء المواهب. فالله لا يعطي موهبة عظيمة بدون خبرة تجربة عظيمة.   

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *