May 2019
S M T W T F S
« Feb    
 1234
567891011
12131415161718
19202122232425
262728293031  

مقدمة

الآباء هم أعضاء أحياء فى الكنيسة جسد المسيح, والكنيسة عاشت وتعيش تعاليمهم الأرثوذكسية الأصيلة مقتفية آثار تقواهم,إذ أنها رأت فيهم بوعيهم العميق, استمرارا وامتدادا للرسل.فقد سلم الرسل الأثنى عشر خدمتهم الشخصية ـ وهى التعليم ـ لآباء الكنيسة كما يقول القديس ايريناوس , وهذا ما دعا كنيستنا الملهمة بالروح أن تلقب أبًا ومعلمًا فيها, وهو القديس أثناسيوس بلقب الرسولى, أى أنه امتداد للرسل فى القول والفعل، فترتل له قائلة : [ أيها الراعى الأمين الذى لقطيع المسيح، البطريرك المكرم أثناسيوس رئيس الكهنة، الذى بتعاليمه المقدسة ملأت العالم كله… الذى صار رسولا مثل التلاميذ فى القول والفعل] .

ولقد تنبهت الكنيسة كلها ومنذ وقت مبكر جداً لقيمة إسهامات الآباء اللاهوتية بكتاباتهم وتعاليمهم فى تحديد وصياغة مضمون الإيمان, والمحافظة على التقليد الرسولى الذى استلمته الكنيسة من تلاميذ الرب نفسه, ودورهم الهام فى مواجهة الهرطقات والأفكار غير السليمة، التى تهدف إلى تقسيم الكنيسة والى إلغاء حقيقة الفداء وأهميته. ولما كان من الصعب ـ نظرا لضيق الوقت ـ تتبع دور كل آباء الكنيسة فى مواجهة الهرطقات، سنكتفى فى هذه المحاضرة بالحديث عن شخصية وتعاليم القديس إغناطيوس الأنطاكى (حامل الإله)، باعتباره أول أب ومُعلّم للكنيسة، وأول لاهوتى عظيم من بعد الرسل الأطهار. فما تحمله كتاباته وتعاليمه من حقيقة وإقناع وموضوعية، تعطى عنه انطباعًا حقيقيًا كأب ينتمى لعصر الآباء الرسوليين. فقد استطاعت الكنيسة وبإسهامات القديس إغناطيوس أن تتقدم فى البناء اللاهوتى لمسيرتها, وأن تواجه مشاكل هذا العصر على أساس لاهوتى, إذ أنه بواسطة القديس إغناطيوس، تأسس المبدأ الذى أصبح ساريا فى تاريخ الكنيسة كلها، ألا وهو أن المشاكل الحساسة، يجب أن تواجه بحلول لاهوتية، لكى تتضح الحقيقة المتعلقة بهذه الأمور. ففى شخص القديس إغناطيوس تخطت الكنيسة بالفعل الحلول السهلة التى اعتمدت على الأخلاق والفضيلة، والتى انبثقت من اليهودية والفلسفات اليونانية, بل وعلى نطاق أوسع أثبت الشهيد إغناطيوس أن اللاهوت المسيحى يستطيع استخدام اللغة الفكرية في عصره (يهودية, يونانية, غنوسية) بدون أن يتأثر بها. فاللاهوت الكنسى له طريقه الخاص؛ بافتراضاته وأهدافه التي يستطيع المرء أن يلتمسها فى إطار الحق الكنسى. لهذا، ونحن نعيش اليوم عصرًا رهيبًا يهدد حياتنا الروحية, ونعيش عالمًا مليئًا بالأفكار الغريبة, عالم لم يعد فيه الرب هو مقياس كل الأمور, بل الإنسان، وقد صارت الأيدولوجيات فيه والمثل العليا لا الإيمان، هو الذى يحدد الحالة الروحية للعالم الذى أعلن المسيح منحنا إياه، علينا إذن مواجهة هذا الوضع الخطير، بأن نولى اهتمامنا بتراث آباء الكنيسة، وأولهم القديس إغناطيوس, وبما فيه من تعاليم عقائدية ولاهوتية تصلح لمواجهة أمور كثيرة تشغل أفكارنا وتتعب خدمتنا. حياته من النادر أن يحتفظ التاريخ بمثل هذا القدر الضئيل من المعلومات عن حياة رجل عظيم كالقديس إغناطيوس, فليس لدينا أية مصادر عن حياته إلاّ رسائله. ولأن هذه الرسائل ليست رسائل تاريخية ولا سيرة ذاتية، فلهذا فهى لا تمدنا إلاّ بمعلومات بسيطة للغاية عن الكاتب نفسه، كما يذكر المؤرخ يوسابيوس بعض الأمور عنه في كتاباته، حيث سجل لنا قصة استشهاده . كان القديس إغناطيوس ثانى أسقف لإنطاكية. وقد بدأ أسقفيته فى سنة 70م، علاقاته بالآباء الرسل أكيدة. نما وتربى فى بيئة وثقافة على الأرجح يونانية، كما يتضح من أسلوبه اللغوى العميق فى رسائله. فنصوص القديس إغناطيوس تُقدم لنا ثقافة عالمية بالإضافة إلى موهبة قيّمة فى الكتابة، ويميل أسلوبها إلى الشعر. تعرّف القديس إغناطيوس فى إنطاكية على العلوم الفلسفية والدينية السائدة فى عصره. غير معلوم كم كان عمره وقت سيامته أسقفاً، غير أنه من المؤكد أن مهابته وسلطته الروحية قد تجاوزت حدود إنطاكية إلى كل منطقة سوريا، وبلغت شهرته أبعد من ذلك، وهذا يتضح من الاحترام الشديد والثقة غير المحدودة التى كان يكنها له كل مسيحيى آسيا الصغرى وروما. نحن آذن بصدد أسقف له مهابة فى كل المسكونة. ففي أثناء الاضطهاد الذى شنه تراجان الإمبراطور الرومانى(98ـ117) قُبض عليه وحُكم عليه بالموت، بتقديمه كفريسة للأسود فى كولوسيوم روما. لا نعرف بالضبط متى كان هذا. وهكذا اقتيد القديس إغناطيوس إلى روما محاطاً بالحرس الذين أطلق هو نفسه عليهم اسم “النمور” لسوء معاملتهم له. وفى أثناء رحلته هذه إلى روما، توقف فى مدن أسيا الصغرى: فيلادليفيا، سيمرنا، طرواده (ترواس)، والتى أكمل منها رحلته عبر فيلبى (مكدونيه)، دراخوريا (ألبانيا)، برنيزى (إيطاليا). وفى روما صار طعاماً للأسود، بعد أن توسل إلى مسيحيى روما أن لا يبدلوا طريقة استشهاده هذه، بطريقة أخرى . لقب حامل الإله : أطلق القديس إغناطيوس لقب “حامل الإله” على نفسه، لكنه لم يعطِ لذلك تفسيراً، فحسب التقليد، كان هو ذلك الطفل الذى أقامه المسيح بين يديه كمثال للبراءة والصلاح (مت1:18) كما إن هناك تفسيراً آخر حسب التقليد يقول؛ إن المسيحيين شاهدوا بعد استشهاده اسم المسيح ظاهراً على صدره. غير أنه من الواضح أن القديس إغناطيوس أطلق على نفسه هذا الاسم لأنه عاش حياته فى المسيح فى قناعة عميقة، وعلاقة حية وشركة مع الرب يسوع . كتاباته: كتب القديس إغناطيوس سبعة رسائل فى أواخر حياته، ولقد أعطت تلك الرسائل تقديراً واحتراماً عظيمين للشهيد إغناطيوس، كأول لاهوتى قدير، من بعد الرسل، وأول أب ومعلّم للكنيسة . ليس لدينا أية أثار لكتابات أخرى له. غير أن الأسلوب الذى كُتبت به الرسائل والتعاليم التى وردت بها، لا يمكن أن تعطى انطباعاً أن كاتبها لم يكتب غيرها من قبل (وخصوصاً أنه كان قد كتبها بسرعة وفى سفر)، بل أن له خبرة واسعة فى الكتابة من قبل. فالرسائل تعكس فكراً عميقاً وواسعاً وأيضاً سبقاً وتفرد فى التعبير عن هذا الفكر، وعن مقدرة فى استخدام الأساليب اللغوية . والرسائل السبعة هي الرسائل إلى أهل أفسس وإلى مغنيسيا، إلى تراله وإلى أهل روميه وقد كتبها من سيمرنا (أزمير)، والرسائل إلى فلاديفيا وسيمرنا، والرسالة إلى بوليكاربوس، وقد كتبها من طرواده (ترواس). وكان القديس الشهيد بوليكاربوس هو أول من حدثنا عن نصوص هذه الرسائل وهناك رسائل أخرى تنسب للقديس إغناطيوس، لكنها فى الحقيقة ترجع إلى القرن الرابع، وليست من ضمن رسائله المعروفة. تعاليمه اللاهوتية : تعكس رسائل القديس إغناطيوس تعاليماً أصيلة تبنتها الكنيسة، وأصبحت جزءً من إيمانها وتقليدها، وذلك لأنها تعاليم لاهوتية رعوية تعبر عن التقليد الرسولى واستمراريته، وهى تعاليم مرتشدة الروح القدس كما يؤكد هو نفسه. ويمكن تقسيم تعاليمه اللاهوتية إلى النقاط الرئيسية الآتية : 1 ـ ما يختص بأهمية خدمة الأسقف وعمله. 2 ـ ما يختص بوحدة الكنيسة . 3 ـ حقيقة سر الإفخارستيا. وقبل أن نبيّن كيف واجه القديس إغناطيوس الأفكار الخاطئة التى كانت منتشرة فى عصره بخصوص هذه الأمور، سوف نورد بعض الفقرات التى جاءت فى رسائله، ويحذر فيها من الهراطقة وأفكارهم الخاطئة وأعمالهم المفسدة، ويوصى المؤمنين بما يجب أن يفعلوه. 1 ـ من رسالته إلى أهل أفسس: + ” هناك أناس يكرزون باسم المسيح فى رياء وخداع ويقومون بأعمال لا ترضيه… يجب أن تبتعدوا عن هؤلاء كابتعادكم عن الوحوش المفترسة.. تجنبوهم، لأن الشفاء من عضهم عَسِرْ ” (الفقرة السابعة). + ” علمت أن بعض الناس مروا بأفسس وحاولوا أن يزرعوا زرعاً فاسداً، فلم تسمحوا لهم بأن يلقوا بذارهم، وسددتم آذانكم عن سماع تعاليمهم ” (الفقرة التاسعة). 2 ـ من رسالته إلى أهل تراليا : + ” أرجوكم إذن، لا أنا بل محبة يسوع المسيح، أن تستعملوا الغذاء المسيحى وتبتعدوا عن الأعشاب الغريبة أى الهرطقات. ولكي يحظى الهراطقة بثقة الناس يمزجون السم بالخمر والعسل، حتى إذا تناوله الإنسان، يستطيب اللذة الرديئة ويموت ” (الفقرة السادسة) + ” احذروا من هم على هذه الشاكلة، وذلك بتجنبكم الكبرياء وباتحادكم مع ربنا يسوع المسيح، ومع الأسقف ومع تعاليم الرسل. من كان داخل المذبح فهو النقى، ومن عمل خارج إرادة الأسقف والقساوسة والشمامسة، فضميره غير نقى ” (الفقرة السابعة). + “هذا لا يعنى أنكم تسلكون هكذا، لكنني أريد ـ مدفوعاً بعامل محبتى لكم ـ أن استدرك وأحذركم من المكائد الشيطانية التى قد تتعرضون للسقوط فيها، تسلحوا إذن بعذوبة الصبر وتجددوا فى الإيمان الذى هو جسد الرب، وفي المحبة التى هى دم يسوع المسيح ” (الفقرة الثامنة). + ” ابتعدوا عن هذه الأغصان الطفيلية، لأنها تحمل أثمارًا سامة تقتل كل من يتذوقها فوراً. لم تكن هذه الأغصان من غرس الآب، لو كانت من غرسه لظهرت فروعاً للصليب، وكانت ثمارها غير فاسدة ” (الفقرة11). 3 ـ من رسالتة إلى أهل فيلادلفيا : + ” اهربوا يا أولاد النور الحقيقى من الانقسامات والعقائد الفاسدة، اتبعوا راعيكم كالخراف. اتبعوه حيث يكون. ما أكثر الذئاب التى تحاول أن تأسر باللذة الشريرة أولئك الذين يجتازون طريق الرب. لا مجال لمثل هؤلاء في وحدتكم” (الفقرة الثانية). + ” ابتعدوا عن الحشائش السامة التى لا يحرسها المسيح، لأنها ليست من أغراس الرب. من اتبع الشقاق، لا يرى ملكوت الله. ومن اتبع فكرة غريبة، لا ينسجم مع الآم المسيح ” (الفقرة الثالثة). + ” إياكم والاشتراك إلاّ فى سر الشكر الواحد, لأنه لا يوجد غير جسد واحد لربنا يسوع المسيح وكأس واحد توّحدنا بدمه ومذبح واحد، كما يوجد أسقف واحد مع القساوسة والشمامسة رفقائى فى الخدمة، وهكذا تتممون إرادة الله فى كل شئ ” (الفقرة الرابعة). + ” لا يقطن الله حيث يكون الغضب والشقاق. الله يغفر لكل التائبين بشرط أن تقودهم توبتهم إلى الوحدة مع الله ومع مجمع الأسقف ” (الفقرة الثالثة). والآن نعود إلى تعاليمه بالنسبة للموضوعات الثلاثة التى عالجها فى رسائله، فلقد انشغل القديس إغناطيوس بالموضوع الأول، الذي هو أهمية خدمة الأسقف وعمله، وذلك لأن كثير من المؤمنين، اعتقدوا بأنه من غير الضرورى أن يشتركوا فى الإفخارستيا التى يقيمها أسقف المنطقة، وبالتالى فإنهم تشككوا وترددوا فى قبول فرادة مسئوليته المطلقة، وعليه أقدموا على تكوين جماعات تقسم الكنيسة، وإقامة قداسات خاصة بهم. هكذا كان من الممكن أن يصبح الأسقف وخدمته الرعوية ” كأسقف ” فى الكنيسة، خدمة ظاهرية بدون أساس لاهوتى . وهنا نجد أن القديس إغناطيوس قد واجه هذه المشكلة بطريقة لاهوتية، وذلك بتوضيح ارتباط شرعية الإفخارستيا بالأسقف. ذلك لأن الأسقف ” مرتبط ” بالمسيح، وعليه يجب أن يرتبط المؤمنون بالأسقف. فدور الأسقف فى الكنيسة لا يمكن لآخر إن يقوم به: ” لا تأتوا عملا يخص الكنيسة بدون الأسقف. الإفخارستيا الشرعية هى التى تتم بواسطة الأسقف، أو من ينتدبه الأسقف ” (سيمرنا8 :1). وذلك لأنه يخدم فيها كمثال الله حيث إنه “مثال الآب ” (تراليا1:3)، وهو استمرار لعمل الرب والرسل، وهو أيضا ” فى مكان الله ” (مغنيسيا1:6) وله ” كمال قوة الله ” (مغنيسيا1:3). ويلاحظ الآب رومانيدس وجود ارتباط بين الأسقف والإفخارستيا فيكتب قائلاً: ” نجد عند القديس إغناطيوس علاقة غير منفصلة بين الأسقف والإفخارستيا، إذ أن الوحدة مع الأسقف والوحدة مع الآخرين فى الخبز الواحد وفى الهيكل هى حقيقة واحدة. فهناك جسد واحد للرب وكأس واحدة وهيكل واحد كما أن هناك أسقف واحد … الليتورجيا هي مهمة الأسقف الذي ينبغي أن تُقام الأسرار كلها تحت إشرافه… إن مائدة المحبة لا تتم بدون الأسقف” . وفي موضع آخر يقول الأب رومانيدس: ” إننا لا نستطيع فصل الأسقف عن المذبح. أما من هو خارج المذبح، فليس خاضعًا للأسقف ومن كان بعيدًا عن المذبح يُحرم من خبز الله… إن الأسقف كمركز للوحدة في الحياة الليتورجية السرائرية، هو ضرورة قصوى للخلاص، لكن خدمته ليست مستقلة عن خدمة المؤمن” . وهنا نرى أن القديس إغناطيوس قد عالج موضوع أهمية خدمة الأسقف ودوره، على أساس لاهوتي كما سبق القول، ولهذا كانت النقطة التالية في تعاليمه اللاهوتية هي الاهتمام بموضوع وحدة الكنيسة، ففي شخص الأسقف تكون الوحدة الحقيقية للكنيسة؛ فارتباط الإنسان بالله يحتم عليه ارتباطه بشخص الأسقف، وهو في الوقت نفسه دليل على ارتباط الإنسان بالكنيسة. ولو لم يكن لدينا هذا الارتباط بين المؤمنين، لما كان لدينا بالتالي “الكنيسة الجامعة”، لهذا نراه يكتب إلى كنيسة سيمرنا قائلاً: ” فحيثما يكون الأسقف فهناك الرعية، كما أنه حيثما يكون المسيح فهناك تكون الكنيسة الجامعة ” (الفقرة الثالثة). والجدير بالذكر أن القديس إغناطيوس هو أب وكاتب كنسي يستخدم مصطلح ” جامعة ” (Kaqolhk») ليصف به الكنيسة. ولم يرد هذا المصطلح من قبل عصر إغناطيوس، كما أنه جدير بالملاحظة أن هذا المصطلح لا علاقة له بكلمة ” كاثوليكية ” التي تُوصف بها الكنيسة اللاتينية الغربية في روما، بل هو مصطلح شرقي يستخدم في اللتورجيات الشرقية القديمة، ومنها الليتورجية القبطية حيث تُوصف فيها الكنيسة بأنها ” الكنيسة الواحدة الوحيدة المقدسة الجامعة (الكاثوليكية) الرسولية “. وذلك لأن هذا المصطلح يُعبّر في الأساس عن وحدة الإيمان، كما يعبر عن خبرة روحية تُعاش عن طريق علاقتنا بالله الآب في المسيح يسوع بالروح القدس، وبالتالي فهو ليس صفة تُكتسب بالوجود في مكان معين. “فالكاثوليكي” بالمعني الشرقي هو كل مسيحي يجتمع بغيره في الإفخارستيا في وحدة الإيمان، وفي حياة بذل لذاته من أجل الآخرين، أو حسب تعبير القديس إغناطيوس هو مسيحي يتحلى بـ ” أخلاق الله” (مغنيسيا2:6). وهذه الأخلاق تبدأ بإنكار الذات، لهذا نجد أن القديس إغناطيوس يركّز على هذه النقطة ويرجعها إلى بُعدها اللاهوتي فيقول: ” وكما أن السيد لم يعمل عملاً بذاته ولا على يد رسله بدون الآب، لأنه واحد مع الآب، هكذا أنتم لا تأتوا عملاً بمعزل عن الأسقف والقساوسة ” (مغنيسيا1:7). والمشكلة أنه عندما يدخل الفكر غير المستقيم الذي يُنكر وحدة الجوهر بين الآب والابن، يصبح موضوع علاقة الابن بالآب حجر عثرة، إذ أن مثل هذا الفكر عندما يسمع أن الابن لم يعمل عملاً بذاته بدون الآب، فإنه يعتقد مباشرة أن الابن بدون إرادة خاصة. وفي المقابل يأتي الفكر المستقيم الذى يرى أن الابن لم يعمل عملاً بذاته بدون الآب، لأنه واحد مع الآب في الجوهر كما يقول السيد نفسه (يو20:10)، وهذا ما يعبّر عنه القديس إغناطيوس في محاولته لإيجاد حل يعتمد على الأساس اللاهوتي لمشكلة انقسام الكنيسة في عصره. وهنا يكمن سر الكنيسة بل وقوتها. إنه لا يوجد إرادة مستقلة لأن الإرادة هنا إرادة واحدة. ويلفت القديس إغناطيوس أنظارنا إلى أمر آخر يتبعه الهراطقة، وهو محاولاتهم لإيجاد مبررات وبراهين لانعزالهم وانفرادهم بعيدًا عن الكنيسة، فيخاطب أهل مغنيسيا قائلاً: ” لا تحاولوا أن تدعموا بالبرهان ما تنفردون بعمله، بل اعملوا عملكم حسب الشركة، وهى صلاة واحدة … فكر واحد… هذا هو يسوع المسيح ” (الفقرة السابعة1). وهنا نجد أن القديس إغناطيوس يشجب هذا التصرف ويبيّن بطلان هذه المبررات، ويعطي معيارًا دقيقًا للحكم على هذه الأمور وهو “الشركة”. هذه الشركة تقوم في الأساس على الصلاة الواحدة والفكر الواحد والرجاء الواحد. هذه كلها من يسوع المسيح الذي جاء بعمل الوحدة وبالشركة مع الآب. ويصل القديس إغناطيوس إلى الحقيقة التي يضعها أمامنا الآن، وهي أنه لا قيمة بالمرة لِما تعملون خارج الشركة أي خارج ” يسوع المسيح الذي لا يفضله شئ “. أي لا يسمو عليه شئ. ولما كان يسوع المسيح هكذا فإن القديس إغناطيوس، كأنما يوجه سؤالاً إلى كل من يسعى لانقسام الكنيسة، وتكوين جماعات من خارج لا تعمل تحت إرادة الأسقف الشرعي وفي شركة معه بقوله: فما هي قيمة أعمالكم خارج المسيح؟ والجواب الحتمي لهذا السؤال إنها في النهاية ستتبدد. ونأتي إلى النقطة الأخيرة وهي تعاليمه عن حقيقة سر الإفخارستيا لمواجهة الأفكار الخاطئة للدوسيتيين (الخياليين)، والتى اخترقت الكنيسة ونادت بأن آلام السيد كانت آلامًا ظاهرية فقط، فقد علم القديس إغناطيوس بأن آلام السيد هي آلامًا فعلية وأن هذه الآلام الفعلية للمسيح وقيامته هى حتمية جوهرية، لحضوره الفعلي في الإفخارستيا. فما يُعطى في الإفخارستيا هو دواء للخلود، وهي تقدمة مُعدة لتحفظنا من الموت، وتؤمن لنا الحياة الدائمة مع المسيح (انظر أفسس2:20). وسر الإفخارستيا يتحقق مدلوله فى اشتراك المؤمنين فيه كأعضاء في جسد المسيح، لهذا يقول القديس إغناطيوس موجهًا حديثه إلى أهل تراليا قائلاً: “يدعوكم يسوع بآلامه كأعضاء من أعضائه. لا يمكن أن يكون رأسًا بدون أعضاء، الله وحده الذي وعدنا بهذه الوحدة ” (2:11). وهكذا تظهر الصورة الحقيقية للكنيسة في اتحاد المؤمنين في شخص المسيح، ولهذا أمكن أن يدعوها إغناطيوس ” كنيسة الله الآب وابنه المحبوب جدًا يسوع المسيح ” (مقدمة رسالته إلى أهل سيمرنا) وأيضًا ” كنيسة الله الآب وربنا يسوع المسيح ” (مقدمة رسالته إلى أهل فلادلفيا). وهكذا نرى أن القديس إغناطيوس لم يكن فقط أول أب ومعلم للكنيسة، بل كان أيضًا أول أب وكاتب كنسي، يعتمد في تعاليمه اللاهوتية وكتاباته على استنارة وقيادة الروح القدس له. فقد كانت إجابات القديس إغناطيوس على المسائل التي تتعلق بالحق الإلهي، هي نتيجة استنارته بالروح، فهو يعبر عن رأي الكنيسة في مثل هذه الأمور الخلاصية والحساسة فقط ” لو أن ـ كما يقول هو نفسه ـ الله أعلن له شيئًا ” (أفسس1:20) وهو يؤكد لأهل فيلادلفيا (فقرة7) إن ما كتبه لهم بخصوص ارتباطهم بالأسقف، بإعلان الروح له. ختام: على ضوء تعاليم القديس إغناطيوس ومنهجه في مواجهة الهرطقات، نستطيع ذكر النقاط التالية: + إن مرجعية كل خدمة أو عمل ديني أو تعليمي، يجب أن تكون مرجعية كنسية، بمعني أن تكون مرتبطة بالكنيسة. + هذا الارتباط ينبني لا على أسس اجتماعية أو عرقية أو فئوية … الخ، بل على أسس إيمانية عقيدية راسخة، فإن اختل هذا الارتباط، فإن الأمر يتطلب مراجعة للنفس، وتقويمًا للسلوك. + يسمى آباء الكنيسة هذا الارتباط بـ “الشركة” . + هذه “الشركة” تبدأ بشركة الإيمان الواحد بالمسيح الواحد وبإفخارستيا واحدة تقام بواسطة الأسقف الواحد . + الشركة إذن هي التعبير الحي عن هذا الإيمان، وبالتالي فأي شخص أو أي مجموعة أيًا كانت مبرراتها أو ادعاءاتها، لا تعيش في شركة الكنيسة أي شركة الجسد الواحد فهي تسعى وتعمل لا لوحدة الكنيسة وإيمانها الواحد، بل لانقسام الكنيسة بنشر أفكار غريبة مبررين بها إنعزالهم بعيدًا عن الكنيسة. + وشخص الأسقف هو رمز لوحدة الكنيسة، والالتفاف حوله كنسيًا ومعايشة الإفخارستيا الواحدة التي يقيمها الأسقف الواحد يكون علامة لتحقيق هذه الوحدة، فهو يمثل مع المؤمنين الصورة المنظورة لوحدة الكنيسة. + يوصى القديس إغناطيوس ـ مثله مثل كل آباء الكنيسة الذين أقامهم الله لمواجهة الهرطقات والهراطقة عبر العصور ـ باليقظة والحذر واقتناء روح التمييز، حتى يتجنبوا هؤلاء الذين يعلّمون تعاليمًا منحرفة. + التوبة الحقيقية هي العودة إلى شركة الجسد الواحد، والتعبير الكنسي عن هذه التوبة هو الخضوع التام لشخص الأسقف. + ومن هنا جاءت العبارة المشهورة ” لا خلاص خارج الكنيسة ” والتي تعكس البُعد “الإكليسيولوجي” في قضية الخلاص، وتنفي عنها بعدها الفردي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *