August 2019
S M T W T F S
« Jun    
 123
45678910
11121314151617
18192021222324
25262728293031

1 ـ حياة القديس كيرلس :

            ولد القديس كيرلس على الأرجح حوالي سنة 375م بالأسكندرية . وهو ابن أخت البابا ثاوفيلس بطريرك الأسكندرية الـ23 . تعلم كيرلس في الأسكندرية برعاية البطريرك ثاوفيلس ، وواظب على حضور اجتماعات الكنيسة اليومية حيث كان الكهنة والشمامسة يعلمون الشعب أصول الإيمان. قضي كيرلس حوالي خمس سنوات في برية شيهيت (394ـ399). وكان عمره حين ذهب للبرية حوالي عشرين سنة ، وهناك قرأ العهدين القديم والجديد على يدي الأب سرابيون الشيخ خليفة القديس مقاريوس الكبير ، وربما يشير القديس كيرلس إلى هذه الفترة من حياته بقوله : ” منذ الصغر تعلمنا الكتب المقدسة على أيدي آباء أرثوذكس وقديسين ” .

            كان كيرلس يحفظ النص بمجرد قراءته مرة واحدة . وكان يقضي الليل ساهرًا يحفظ الكتب المقدسة لكي يسمّع في الصباح ما حفظه أمام أبيه الروحي . وقد تقابل كيرلس مع القديس مقاريوس الأسكندري قبل نياحته في سنة 394م . وحضر كيرلس دروس المدرسة اللاهوتية بالأسكندرية على يدي ديديموس الضرير .


            ثم استدعاه خاله البطريرك ثاوفيلس ليكون شماسًا معه في الأسكندرية ورسمه قارئًا وطلب منه أن يشرح الكتب المقدسة للشعب . وبدأ يظهر نبوغه ومقدرته في التعليم وشرح الكتب المقدسة .

            وفي سنة 403م أخذه البطريرك ثاوفيلس معه إلى القسطنطينية حيث اشترك كشماس في أعمال مجمع السنديانة الذي عزل القديس يوحنا ذهبي الفم (من المعروف أن القديس كيرلس أعاد ذكر اسم القديس يوحنا ذهبي الفم في قائمة الآباء القديسين الذين تذكرهم الكنيسة في صلاة المجمع في القداس ، وكان إجراء إلغاء الحرم على ذهبي الفم بتأثير القديس إيسيذوروس الفرمي سنة 417م ، أي بعد أن صار بطريركًا بخمس سنوات) .

            وفي سنة 404م رُسم كيرلس قسًا بكنيسة الأسكندرية وانطلق كيرلس يعظ ويعلم الشعب ويفسر الكتب المقدسة ، ويوضح من خلالها تعليم الإيمان الصحيح ، وبدأت تظهر في تلك الفترة موهبته التعليمية وشخصيته الروحانية .

            درس القديس كيرلس مؤلفات آباء الأسكندرية مثل أوريجينوس ، وأثناسيوس ، وديديموس الضرير. كما أطلع أيضًا على مؤلفات القديسين باسيليوس القيصري وغريغوريوس النيزينزي . كما درس القديس كيرلس اللغات القديمة الشائعة في أيامه وهي العبرية والسريانية ولكنه كتب باليونانية وربما القليل بالقبطية .

اختياره بطريركًا للأسكندرية :

            لما خلا الكرسي البطريركي بنياحة الأنبا ثاوفيلس في 15 أكتوبر سنة 412م اتجهت أنظار الجميع إلى القديس كيرلس ابن شقيقته . وعبثًا حاول الوالي ابوداكس أن يثني الشعب عن انتخابه ، وعبثًا هددهم فلم يخضعوا ولم يرهبوا إذ كانوا متيقنين أن كيرلس هو الشخص الوحيد الذي يصلح لرعاية كنيسة الأسكندرية بعد البطريرك ثاوفيلس . فتم انتخابه وقام الأساقفة برسامته أسقفًا للأسكندرية وبطريركًا لكرازة مار مرقس رقم 24 في نفس السنة وله من العمر حوالي 38 سنة .

            واصل البطريرك كيرلس جهاده في تعليم المؤمنين بالوعظ وتفسير الكتب المقدسة ، وتعليمهم أصول الإيمان المستقيم ، وكان ينبه الشعب لكي يحذروا من تأثير الكتابات الوثنية التي لم تكن بقاياها قد تلاشت تمامًا بعد . وربما بسبب كفاحه الصلب ضد بقايا الوثنية ، نسب إليه بعض المؤرخين ظلمًا بعض المسئولية عن مقتل الفيلسوفة الوثنية الشهيرة هيباشيا التي مزقها بعض من غوغاء المسيحيين في الأسكندرية في عصره سنة 415م ولكن لا يوجد أي دليل على مسئولية القديس كيرلس عن تصرف هؤلاء الغوغاء وجريمتهم .

            وابتداء من 428م بدأ القديس كيرلس يظهر كعلامة بارزة وعامل حاسم في تاريخ العقيدة الأرثوذكسية وتاريخ العلاقات الكنسية ، وذلك بظهور هرطقة نسطوريوس بطريرك القسطنطينية إذ قام كيرلس بدور المدافع الأول عن الأرثوذكسية ضد البدعة النسطورية .

            كان نسطوريوس يؤكد في عظاته بكنيسة القسطنطينية أنه يوجد شخصان في المسيح شخص إلهي هو اللوغوس الكلمة ، الذي يسكن في شخص إنسان هو الإنسان يسوع وأن العذراء القديسة مريم لا يمكن أن تدعي ” والدة الإله ثيئوطوكوس Theotokos “. وقد رد القديس كيرلس على تعاليم نسطوريوس هذه ابتداء من ربيع 329م في رسالته الفصحية لتلك السنة . وحدثت مراسلات بين البطريرك كيرلس والبطريرك نسطوريوس منذ ذلك الحين، انتهت بانعقاد مجمع أفسس المسكوني الثالث سنة 431م الذي دعا إليه الإمبراطور ثاؤدوسيوس الصغير . وحكم المجمع بعزل نسطوريوس وحرمه لانحراف إيمانه وإصراره على أفكاره غير المستقيمة . وثبت المجمع المسكوني حروم القديس كيرلس الأثني عشر . وحكم على تعاليم نسطوريوس بالضلال . وأيد استعمال لقب “ثيئوطوكوس (أي) والدة الإله ” للعذراء مريم . وهذا اللقب كان استخدامًا قديمًا سابقًا على ظهور البدعة النسطورية بكثير .

            وقد تعرض القديس كيرلس للسجن لعدة شهور أثناء فترة وجوده في أفسس بسبب دفاعه عن الإيمان . وعند عودته إلى الأسكندرية في 30 أكتوبر سنة 431م ، استُقبل في الأسكندرية استقبال الأبطال ، إذ نظر إليه المؤمنين على أنه أثناسيوس جديد وهكذا لقبه الأقباط بلقب ” عمود الدين “.

            وبعد كفاح طويل وصمود شامخ في الدفاع عن الإيمان ضد أخطر بدعتين تمسان الإله المتجسد يسوع المسيح وهما الآريوسية والنسطورية ، وبعد جهاد متواصل وسهر ويقظة روحية في رعاية المؤمنين وتعليمهم وحفظهم في الإيمان المستقيم ، رقد القديس كيرلس في الرب في يوم 3 أبيب سنة 160 ش الموافق 10 يوليو 444م .

2 ـ كتابات القديس كيرلس :

            القديس كيرلس هو واحد من أعظم رموز الفكر المسيحي في القرون الأولي . فكتاباته تملأ عشرة مجلدات ضخمة من مجموعة Migne اليونانية (مجلدات من 68 إلى 77 Mg أي ما يعادل حوالي 150 كتاب كل منها 100 صفحة حجم متوسط أو يزيد) وذلك حتى بعد أن فُقد الكثير من كتاباته . وقد بدأت ترجمة كتاباته من اليونانية إلى لغات أخرى وهو لا يزال على قيد الحياة فقد قام :

            1 ـ ” ماريوس مركاتور Marius Mercator ” بترجمة بعض كتاباته إلى اللاتينية .

            2 ـ ترجم ” رابولا الرهاوي ” بعضها إلى اللغة السريانية .

            وبعد ذلك ظهرت ترجمات أرمينية وقبطية ثم عربية لبعض كتاباته .

            وتتميز كتابات القديس كيرلس بالعمق وثراء الأفكار ، والدقة والوضوح في النقاش مما يثبت موهبته التأملية والجدلية ، ومما يجعل من كتاباته مصادر من الدرجة الأولي في الأهمية لتاريخ العقيدة والتعليم الإيماني . ودرج علماء الآباء على تقسيم كتابات القديس كيرلس إلى مرحلتين :

المرحلة الأولي : تنتهي بظهور البدعة النسطورية سنة 428م ، وهذه المرحلة كانت مكرسة لتفسير أسفار الكتاب المقدس بعهديه والدفاع عن الإيمان ضد البدعة الآريوسية .

المرحلة الثانية : تبدأ من سنة 428م بظهور البدعة النسطورية وتنتهي بنياحة القديس كيرلس ، ومعظم كتابات هذه المرحلة مكرسة للدفاع عن التعليم الصحيح في التجسد ، ضد البدعة النسطورية .

أ ـ الكتابات التفسيرية : لأسفار العهدين القديم والجديد ، وتشكل الجزء الأكبر من إنتاجه اللاهوتي ، إذ تشغل 7 مجلدات من مجموعة ميني (MG 75is 68 – 74) وهي المجلدات من 68 ـ 74 من بترولوجيا جريكا . تشغل شروحاته على أسفار العهد القديم خمس مجلدات منها (من68 ـ 72) بينما تشغل شروحه للعهد الجديد مجلدي 73 ، 74 من مجموعة ميني وشذرات في مجلد 72 ، وجزء صغير من مجلد 77 . وأهم شروحه للعهد الجديد هو شرحه لإنجيل القديس يوحنا الذي يشغل مجلد 73 كله ونصف مجلد 74 . أما تفسيره لإنجيل لوقا فلم يبق من الأصل اليوناني سوى 3 عظات كاملة وبعض شذرات متفرقة . ولكن وصلتنا نسخة مترجمة للسريانية ترجع إلى القرن السادس الميلادي تحوي 156 عظة على إنجيل لوقا وهي التي ترجمها Payne Smith ” باين سميث ” إلى الإنجليزية ونشرها بأكسفورد سنة 1859م ( والتي نشر منها مركز دراسات الآباء ، 3 أجزاء من تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس بالعربية في 1990 ، وسنة 1992 ، وسنة 1996 ، والجزء الرابع يصدر قريبًا بمشيئة الله) . ويحوي مجلد 74 عدة أجزاء من تفاسير مفقودة للقديس كيرلس على رسالة رومية وعلى رسالتي كورنثوس ، وعلى الرسالة إلى العبرانيين وعلى إنجيل متى .

ب ـ كتاباته العقيدية ـ الدفاعية ضد الآريوسيين :

            كتابان : 1ـ الكنز في الثالوث .

                                      2ـ حوارات حول الثالوث (الجزء الأول من هذه الحوارات يجهزه مركز دراسات الآباء حاليًا للنشر) ويشغلان معظم مجلد 75 .

ج ـ كتاباته العقيدية ـ الدفاعية ضد النسطورية :

وهي ثمانية كتب :

            1 ـ ضد تجاديف نسطوريوس .

            2 ـ قاعدة الإيمان De Recta Fide .

            3 ـ الحروم الأثني ضد نسطوريوس (ترجمها نيافة الأنبا غريغوريوس في ” مذكرة النسطورية ” ، ثم ترجمها ونشرها مركز دراسات الآباء سنة 1988م) .

            4 ـ الاحتجاج لدي الإمبراطور ثاؤدوسيوس الصغير .

            5 ـ شرح تجسد الابن الوحيد (نشره باللغة العربية د. جورج بباوي سنة 1975م بالقاهرة) .

            6 ـ ضد من ينكرون أن العذراء مريم هي والدة الإله .

            7 ـ ضد ديودوروس الطرسوسي وثيئودوروس أسقف المصيصة معلمي نسطوريوس .

            8 ـ المسيح واحد : وهو حوار حول وحدة شخص المسيح . (نشره مركز دراسات الآباء بالعربية سنة 1987م بالقاهرة .

وتشغل هذه الكتب جزءً من مجلد 75 وجزءً من مجلد 76 .

د ـ الرد على كتب يوليانوس الجاحد ضد المسيحيين : ويشغل جزءً من مجلد 76 ويرجح أنه كتب بين سنتي 433و441م .

هـ ـ الرسائل الفصحية : وعددها 29 رسالة للسنوات من 414 إلى 442 وتشغل جزءً كبيرًا من مجلد 77 .

و ـ العظات : لم يتبق من كل العظات التي ألقاها القديس كيرلس طوال سنين بطريركيته الطويلة (412 إلى 444) سوى 22 عظة ، وقد وضعها الناشرون تحت عنوان ” عظات متنوعة ” للتمييز بينها وبين العظات الفصحية أو الرسائل الفصحية .

            العظات الثمانية الأولي من هذه المجموعة ألقاها القديس كيرلس في صيف سنة 431م أثناء انعقاد مجمع أفسس المسكوني ، العظة رقم 4 هي العظة الشهيرة جدًا عن والدة الإله التي ألقاها في كنيسة القديسة مريم بأفسس في 23 يونية 431م . وهذه العظات تشغل جزءًا صغيرًا من مجلد 77 .

ز ـ الرسائل : عدد كبير من مراسلات القديس كيرلس لا تزال باقية، فقد نُشرت في مجلد رقم 77 من مجموعة ميني Migne 105 رسالة ؛ 88 رسالة منها أرسلها القديس كيرلس و17 مرسلة إليه من آخرين. كما نشر شوارتز E. Shwartz خمس رسائل أخرى فتكون جملة الرسائل 110 رسالة.

            هذه الرسائل هامة جدًا بالنسبة لتاريخ ” الكنيسة والدولة ” وبالنسبة للتعليم الكنسي ، والقانون الكنسي ، وللعلاقات بين الشرق والغرب والتنافس القائم بين المدارس اللاهوتية والكراسي الأسقفية :

            1 ـ رسالة رقم 55 تحوي شرحًا لقانون الإيمان . نشرها مركز دراسات الآباء سنة 1984م .

            2 ـ بينما هناك 3 رسائل لها الأهمية الأولي في تاريخ العقيدة المسيحية وهي الرسالتان الثانية والثالثة إلى نسطوريوس (رقم4 ورقم17) والرسالة إلى يوحنا الأنطاكي (رقم39) . هذه الرسائل الثلاثة تسمي الرسائل المسكونية . رسالة رقم (4) سميت بالرسالة العقائدية . وقد اعتمدها مجمع أفسس بالإجماع في جلسته الأولي في 22 يونيو 431م وشهد لها الجميع بأنها تتفق تمامًا مع قانون إيمان مجمع نيقية. ورسالة رقم (17) تحوي الحروم الأثني عشر وقد ضمت إلى أعمال مجمع أفسس المسكوني ، وقد اعتمدها مجمع خلقيدونية أيضًا فيما بعد سنة 451م .

            أما الرسالة رقم 39 والتي سميت ” قانون إيمان أفسس ” فتحوي بيان الإيمان بخصوص طبيعة المسيح الذي على أساسه تم الاتحاد بين يوحنا الأنطاكي وكنيسة أنطاكية من جهة وبين القديس كيرلس وكنيسة الأسكندرية من جهة أخرى سنة 433م بعد انشقاق استمر سنتين بعد مجمع أفسس المسكوني ، ولذلك سميت ” رسالة الاتحاد ” . وهذه الرسائل الثلاثة ترجمت إلى العربية ونشرها مركز دراسات الآباء بالقاهرة سنة 1988م في كتاب واحد .

3 ـ وفي 1989م نشر مركز دراسات الآباء الجزء الثاني من رسائل القديس كيرلس الأسكندري من (1 ـ 32) . وفي سنة 1995م نُشر الجزء الثالث (32ـ50) ، ونُشر الجزء الرابع (51 ـ إلخ) سنة 1997م .

كتاب شرح إنجيل يوحنا : هذا الكتاب هو أضخم كتب القديس كيرلس التفسيرية بل اضخم كل كتبه على الإطلاق . وهذا الشرح له طابع عقائدي دفاعي. فقد اهتم فيه القديس كيرلس أن يبرهن من الإنجيل الرابع أن ابن الله هو من نفس جوهر الآب وأن كل منهما له أقنومه الخاص ، ويرد فيه على تعاليم الآريوسيين والأنوميين وعلى التعليم الخريستولوجي لمدرسة أنطاكية ، ولكن لم يرد فيه اسم نسطوريوس كما لم يرد فيه تعبير “ثيئوطوكوس ـ والدة الإله ” ولا التعبيرات المستعملة في كتابات القديس كيرلس المتأخرة . لذلك فمن المؤكد أن القديس كيرلس قد كتب هذا الشرح قبل ظهور بدعة نسطور أي قبل 429م . ويتكون هذا الشرح الضخم (مجلد 73 ونصف مجلد 74 من مجموعة ميني Migne) من 12 كتاب كل منها منقسم إلى فصول ، ويقوم المركز بنشر ترجمة عربية لهذا التفسير الضخم علي اجزاء. 


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *